تأخذك إلى أعماق الفكر

اتركوا لي عالمي

لكلِّ واحدٍ منا عالَمُه الخاص به، عالَمُه الذي صنع آفاقَه بتطلعاته وأحلامه وانكساراته وتهويماته. عالًمُه الذي يتقاطع مع الواقع المعاش ويتفاعل معه سلبًا وإيجابًا.

أنت بنفسك تصنع هذا العالَم الافتراضي الخاص بك، والذي يتجاوز “الفيس” و”التويتر” وكل وسائل التواصل الاجتماعي، بل وفضاء الإنترنت نفسه، ليكون هذا العالَم هو الفضاء الرحب الذي تعيش فيه سنوات قد تطول لتشمل عمرك الزمني نفسه. تعيش ضمنه ناحتًا ومعدِّلًا ومطورًا فيه، ليكوّنَ بصمتَك الخاصة بك.

إنه أوسع من مسمى عالَم افتراضي؛ لأنه الحياة بكامل طولها وعرضها وأبعادها. أبعاد لا تحدّها قيودُ الزمانِ والمكان والبيولوجيا، بل امتزاج الخيال والواقع والأفكار.

عالَمٌ تتداخل معه عوالِم الآخرين الخاصة بهم بلا قيود ولا محاذير من أي نوع، بل بلا قوانين. عالَم ٌ أوسع من فكرة “العوالِم المتعددة” في فيزياء ميكانيكا الكم، وإن كان عالَمُك مزيجًا من عوالِم متعددة.

 سأحدثكم عن عالمي

إن عالمي هو الفيزياء بكل تاريخها الطويل، منذ آراء أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد وحتى الأفكار الجديدة التي يتم اختبارها في مسرّع (سيرن) في القرن الحادي والعشرين. عالَمٌ أجوب فيه مع آينشتاين و(تطور الأفكار في الفيزياء)، ونيوتن وما سطّره في (البرنكيبيا)، ورجالات ميكانيكا الكم، ومفارقات هذه الأخيرة التي تخالف الحسَّ المشترك في نتائجها.

إعلان

في عالمي للفنِّ متاحفٌ عامرة؛ لأنّ الفنَّ روحُ الحياة.

هل يمكن أن نتصورَ عالمًا بلا فن؟ أظنُّه لن يكون عالَمًا بما تعنيه كلمة عالَم، بقدر كونِهِ خرابة شعثاء أناخت فوق أعظمها السنون.

في عالمي يصدحُ صوتُ أبي بكر سالم بلفقيه -ذلك الفنانُ المميّز بالنسبة لي- بأغانٍ سمعتها في ربيع العمر حتى خريفه، وتنطق لوحاتُ الفنِّ التشكيلي بكل لونٍ صبغت به عالمي بلوحات خالدة وثّقها أستاذنا محمد زكريا توفيق في كتابه الإلكتروني “قصة الفن التشكيلي” في رحلة ممتعة أو ماتعة -حسب ما تقول اللغة العربية- منذ الفن المصري القديم وحتى الفن الحديث في أكثر من 630 صفحة. وإن طعّمت مختاراتي باستعارة لوحات “ربانية” مما التقطته عدسات تليسكوب الفضاء الأمريكي (هابل) من صور مذهلة للفضاء الخارجي.

لا حديث عن عالَم بلا رياضيات؛ فهي صاحبة اليد الطولى في هندسة هذا الكون من حولنا، بل إن الكون ما هو إلا الرياضيات مُجسدًا كما يعتقد “تجامرك” عالِمُ الرياضيات.

أقول إن الرياضيات صاحبة أيادٍ سابغة على عالمي بكل تقلباتها وتاريخها الفريد منذ فيثاغورث وطاليس في اليونان القديمة قبل الميلاد وحتى إبداعات ميكائيل عطية في الاثبات لمبرهنة فيرما الأخيرة. الرياضيات هي الحظ السعيد للبشرية كما يقول كانط، وتظهَرُ روعتُها في فرادتِها وتحدياتِها مع الواقع.

وللفن السابع نصيبٌ من عالمي، لكن موضعه في نوعين من إبداعاته، الأول: أفلام التاريخ والأساطير “ما الأسطورة إلا طفولة التاريخ” مجسَدَة على الشاشة (مَن شاهد فيلم ملك الخواتم أو لورنس العرب يعرف ما أقول)، أما الثاني فهي أفلام الخيال العلمي بكل مؤثرات هوليوود وضخامة إنتاجاتها منذ “فلاش جوردن” وحتى “انترستيلر”.

في عالمي للتفسير نصيبٌ، ولو أنها نقلة نوعية من الفن السابع إلى التفسير، لكن كما قلنا سابقًا “لا قيود ولا محاذير من أي نوع، بل بلا قوانين“.

عشتُ مع تفسير القرآن الكريم زمنًا منذ بداية الألفية الثالثة وما أزال، إنه السباحة مع إبداعات العقول المفكّرة في القرآن عبر العصور منذ النزول وحتى اليوم، وكيف تقلَبت الآراءُ تبعًا لثقافة المفسّر/المفكر في كل عصر، حيث كل واحد يريد أن يقدم كشفًا جديدًا أو معنى آخر للآية الكريمة أو للقرآن كاملًا. ما أجمل السباحة مع الزمخشري في كشافه، أو السامرائي ولمساته، أو الشعراوي وخواطره، والجابري و”فهم القرآن الحكيم”، والتساؤل عن آدم الأول مع عبد الصبور شاهين في “أبي آدم”، وغيرهم الكثير.

في عالمي للأدب نصيبٌ لا يقل مساحةً -لو صح أنّ لعالمي مساحة معينة- عن العلم. وهنا أقول لا فصل بين العلوم الإنسانية والطبيعية، بل لا وجود لهذا الفصل إلا في التصنيف فقط؛ لأن كل العلوم والمعارف شجرة واحدة تظلل الإنسانية منذ البداية.

في القصة/الرواية أجدُ نفسي أتمشى في حارات نجيب محفوظ الذي قرأتُ أغلبَ أعمالِه الإبداعيّة، وأتساءل كيف استطاع محفوظ أن ينقل الحارة المصرية إلى الأوراق مجسَدَة، ومثله يوسف إدريس الذي صاغ في قصصه نماذج فريدة من شخصيات مصرية صميمة.

ولا يبخل الأدب العالمي أن يجودَ علينا بأنبياء سَرْدٍ يظهرون في كل عصر، أمثال: تشيخوف وجوركي وهمنجواي وماركيز ومحفوظ وغيرهم الكثير. وما الرواية إلا بطاقة تعريف بعوالم الإنسانية المتنوعة عندما تقرأها بأقلام مبدعيها من كل ثقافة ولون.

والجانب الآخر للأدب هو الشِعر، وما أدراك ما الشِعر، لا أظن أن هناك تعريفًا محددًا للشِعر -خصوصًا اليوم- بعد تداخله مع النثر. ألم يقل نزار قباني: “ما هو الشِعرُ؟ لستَ تلقى مجيبًا.. هو بين الجنون والهذيانِ؟

في هذا الجنون والهذيان أهيم مع أشعار مولانا البردوني -وجه اليمن الحزين- بكل ما تعنيه الجملةُ من معنى أو معانٍ، سواء في شِعره أو نثره. ونزار قباني، برغم ما يُرمى به من تهَمٍ شتى، لكنّني أجد النفسية العربية مجسَدةً في شخصه؛ فلقد باح نزار بكل ما لم يستطِع العربيُّ أن يبوحَ به، بكل جرأةٍ تصل إلى حد الصفاقة. ودعوني أتساءل: ألا تجيش في نفس المواطن العربي كل تقلبات نزار من نزوات وأهواء وغضب وحب وغيرة؟

الفارق أن نزار قالها شِعرًا في أعماله، سواء الغزلية أو السياسية، والناس العاديون لم يقولوها. ومثله في الجانب السياسي -ولو بشكل أضخم- الشاعر العراقي أحمد مطر، ومن قبلهما المتنبي، شاعر العربية الأكبر، والناطق بكل حكمة في شعره، والذي كان مضطربًا متقلبًا يشابه عصره في القرن العاشر الميلادي، وقد قال عنه د. طه حسين: “إن المتنبي جاء العالم في فترة مليئة بالاضطرابات والتناقضات؛ لذا كان الشخص الوحيد الذي يمكن أن يتكيف مع هذا العالم هو شخص مليء بصراعات داخلية مماثلة”. ولعل الشاعر الذي فتحت عيني على شعره مبكرًا هو أحمد شوقي، بكل الضخامة التي خلفها، والغزارة في الإنتاج والتنوع. شاعرٌ كتَبَ عن كل شيء تقريبًا. ومدرسةٌ مميزةٌ أخرى في الشِعر هي محمود درويش، بتميزه وجمال إلقائه الذي لا ينافسه أحدٌ من الشعراء المعاصرين له. وغير ذلك من شعراء متفرقين يبدعون هنا وهناك في عالمي، ولا أنسى إعجابي بقصائد الحب القديمة التي تحرس القمر الحزين من الدخان.

في عالمي هناك كتّاب حازوا على مواقع أثرّت فيّ وما تزال، أولهم مثلي الأعلى د. مصطفى محمود، صاحب العلم والإيمان، ذلك البرنامج الذي عرفه به المشاهد، لكن هل عرف أنه كاتب لا يشق له غبار في قصصه القصيرة ورواياته ومقالاته ومسرحياته ورحلاته؟ رجل عاش بالطول والعرض، وتقلّب مع الحياة وتقلّبت معه مخلفًا وراءه 89 كتيبًا، ومعارك فكرية لم يزل صداها  مترددًا حتى اليوم، فهي صدى هذا المعترَك طيلة 88 عامًا التي هي مجمل عمره المديد.

ومن هؤلاء الكاتب أحمد خالد توفيق في إبداعه القصصي، والتي تستمتع بكل عمل منها وهي تجرفك بعيدًا بأسلوبه الأخّاذ في سلاسل حجمها يذكرك بأعمال الأطفال، لكن الجميل هو ما فيها من كلمات. أما مقالاته فرونق آخر مع سخرية تشيع في جوانبها، ولمَ لا وما عالمنا إلا سخرية متواصلة.

والساخرون الثلاثة بكل تجليّاتهم وهم: جلال عامر ومحمود السعدني ومحمد عفيفي الذين أفرُّ إلى كتاباتهم التي تركوها في كل مرة يطل فيها وجه الحياة بكل رسمية وصلف. وفي الفكر كتّابٌ كثر ربما نتحدث عنهم في قابل الأيام.

هل هذا كل شيء في عالمي؟ طبعًا لا؛ فأنا لا أقوم بعملية جرد لمحتوياته، بل مجرد دردشة حوله، فما تزال هناك ذكريات الماضي البعيد، والكثير الكثير من قصصٍ مختزنةٍ لم تنتهِ. لذا خذوا لكم الثورات والحروب والدمار في كلّ مكان على الخارطة الملتهبة واتركوا لي عالمي.

لحظة! لا تنسوا أن تأخذوا معكم فيروس كورونا أيضًا.

***

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبدالحفيظ العمري

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.