تأخذك إلى أعماق الفكر

هل أفقدتنا “مواقع التواصل الاجتماعي” قدرتنا على “التواصل الاجتماعي”؟

0

يولد المرء حُرًا، ويوجد الإنسان مُقيدًا في كل مكان، وهو يظن أنه سيد الآخرين، وهو يظل عبدًا أكثر منهم. –جان جاك روسو.

منذ فترة، كنت قد تعرفت على أحد الأصدقاء الجدد، واتفقنا على أن نلتقي في أحد الميادين، حتى يتسنى لنا أن نقرر أين سنذهب، وفور لقائنا، أخبرني أنه يحبذ لو عرّفني إلى بعض أصدقائه، وهم مجتمعون في مكانٍ ما، كنتُ عطشًا لصداقاتٍ جديدةٍ فلم أمانع.

أثناء سيرنا، أخبرته أن معظم الذين هم في محيطي الاجتماعي، أراهم مجتمعين طيلة الوقت، ويقضون تقريبًا أكثر من نصف يومهم سويًا، إلا أنني أشكُ في أنه تسنّى لهم أن يعرفوا بعضهم البعض حقًا، فأن يلتقوا ذات مساءٍ يعني شيئًا من اثنين: أن يجتمعوا في مقهى يجلس كل منهم في فقاعة هاتفه، أو أن يقصدوا “سايبر” ليقتلوا الساعات بأوهام فوزٍ وخسارةٍ ليس لها معنى. فأومأ لي بابتسامة وفاق.

تبادلنا أطراف الحديث طيلة الطريق، حتى أخبرني أننا قد وصلنا وجهتنا، رفعت رأسي إلى اللافتة المعلقة فوق المكان، كان قد كُتب عليها “مو صلاح: Fifa 2019, Pes2019, Battlefield إلخ …”. دلفنا إلى الـ”سايبر” وأمضينا قرابة الثلاث ساعات ندهس أزرار أدوات التحكم، نطلق شتائم وصيحاتٍ في كل اتجاه، وحقيقةً اكتشفت أن “تشيلسي” لم تكن سيئةً إلى الحد الذي اعتقدته.

عُدت إلى البيت، تصفحت بعض مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت الساعة قد أصبحت الثانية بعد منتصف الليل، فقررت الخلود إلى النوم، ولمّا تبدد مجد هدف “جيرود” الذي أحرزه بأمرٍ مني، أخذت أتساءل: ما الذي أفعله هنا حقًا، أي في هذه الساعة، في هذا المكان؟ هل وجدت ما كُنت أصبو إليه؟ وما الذي كنتُ أصبو إليه أصلًا؟ هل أنا سعيد؟ وإذا كنتُ كذلك، فلماذا أعجز عن الشعور بالامتلاء؟

إعلان

الدماغ كلاعب شطرنج

إن الأصل في كل شيءٍ هو الاعتدال، الكثير من الألم قد يقتلك، والكثير من السعادة قد يُفقدك قدرتك على تحمل الخيبة أو يُفسد شهيتك إزاء التفاصيل الصغيرة، الكثير من الهجوم يُفكك خطوطك الدفاعية، والدفاع طيلة الوقت لن يحقق نصرًا. الحق من كل شيءٍ هو الاعتدال، كل تفاصيل الحياة ما تلبث أن تعلمنا هذه القاعدة، حتى الفسيولوجية التي تعمل بها أجسادنا.

هنالك داخل جمجمتك، يتوارى أصل كل شيء: دماغك. وفي حيز صغير به يقبع جهازك الحوفي “Limbic system“، وهو الجهاز المسؤول عن حياتك الانفعالية، سلوكك، وعواطفك، ذاكرتك وقدرتك على التعلم، دوافعك أيضًا وانفعالاتك. ولإحاطة جهازك العصبي بالقاعدة السابق ذكرها، فهو لا يمتلك فقط نواقل عصبية محفزة “Excitatory Neurotransmitters” ليحفز شعورك بالسعادة والانتشاء، بل لديه أيضًا نواقل مثبطة “Inhibitory Neurotransmitters”، ليهدئ من روعك في حال انخرطت في أمواج انفعالاتك أو تفجّرت في قلبك المشاعر.

وهكذا يكون جهازك الحوفي كلاعب شطرنج، يحرك القطع على الرقعة كيفما يشاء، ليحقق نصره الأوحد: البقاء.

الدوبامين ومنشأ الرغبة

بينما تضحك ملء أشداقك مع الأصدقاء، أو تلتهم أطباقًا من “ورق العنب”، أو تجلس في جو شاعري مع ذات عيونٍ ساحرة، يشعر الدماغ أنه قد حقق نصرًا حقيقيًا، فأصدقاؤك هؤلاء سيساعدونك على عيش حياة سعيدة، والورق عنب سيجعلك قادرًا على البقاء يومًا آخر -ليس وجبة صحية ولكنها مُحبذات شخصية، وذات العيون الساحرة ستضمن لك وجود جيلٍ آخر يحمل نفس صفاتك.

يرضى الدماغ عن تصرفك، فيبث في عروقك نوعًا من النواقل العصبية المُحفزة يُسمى الدوبامين “Dopamine”، وهو ما يسبب لك الانتشاء والسعادة، يبعث لك الدماغ من خلال هذا الدوبامين رسالةً ضمنيةً فحواها: افعل ذلك مجددًا، ورق العنب رائع!

هنالك قرابة المائة نوعٍ من النواقل العصبية المُحفزة، أهمها الدوبامين، ولا يُفرز الدوبامين فقط إثر الانتصارات الفسيولوجية، بل والسيكولوجية أيضًا، تزداد ثقتك بنفسك عندما يُطري عليك مديرك فيكافئك الدماغ بالدوبامين، تشعرين بأنكِ مقبولةٌ بالرغم من كل انكساراتكِ عندما تحادثينه فيُفرز الدوبامين، تشعر أنك إنسان ذو قيمة عندما يُخبرك الناس أنك أثّرت في حياتهم فتغلي عروقك بالدوبامين أيضًا.

وعلى هذا، فإن الدوبامين ركيزةٌ أساسيةٌ في تشكيل رغباتنا، فالأشياء التي نصبو إلى الحصول عليها، والأفراد الذين نسعى لرفقتهم، هم أشباه لأشياء وأشخاص اختبرناهم في الماضي وعرفنا معهم جموح الدوبامين، ونحن نسعى في حقيقتنا إلى الظفر بهذه النشوة مجددًا.

هل أصبح جميعنا “كلاب بافلوف”؟

في بدايات القرن الماضي، لاحظ إيفان بافلوف أن لعاب كلبه لا يسيل فقط عندما يأكل، بل وفي الأوقات التي اعتاد الأكل فيها أيضًا حتى وإن لم يُقدم له حينها طعام، وأطلق آنذاك نظريته “التعلم الاشتراطي Conditioned reflex”، والتي تعني باختصارٍ أنه من الممكن نشوء رغبة أو إحساس معين كاستجابة لموقف ما، ولا يحدث ذلك بشكلٍ فطري ولكن بناءً على الخبرات التي سبق وقد تعلمها الفرد. حسنًا ذلك كلامٌ أكاديمي سمج، تذكر معي عزيزي القارئ أول حصة لك في المدرسة، لمّا رن جرس الفسحة آنذاك، مشيت تجر أقدامك بلا اكتراث، بعدها بفترة، أدركت أن ذلك الجرس مرتبط بوقت الطعام، وأراهن أنه قد سبق وحدث أن هرعت إلى باب الفصل والجوع يضنيك حينما سمعت الجرس، وما لبثت أن أدركت أنه جرس الحصة الأولى أصلًا.

أُعجب بافلوف بما يحدث، فمضى يدق الجرس ويشاهد كلبه ينطلق إلى إنائه ولعابه يسيل، ثم يعود إلى مكانه الأول يجر أذيال خيبته، والحقيقة أن ذلك تشبيه مثالي لما يفعله جرس إشعارات مواقع التواصل الاجتماعي بنا.

عندما يأتينا إشعار “فيسبوك”، يُشعرنا ذلك بالأهمية، وذلك الشعور كما استنتجت عزيزي القارئ، يحفز إفراز الدوبامين، فيشعرنا بالسعادة والانتشاء، نفتح الإشعار لنجد أن “زهرة اللوتس” قد أبدت إعجابها بالمنشور الأخير، فنختال لذلك، ولكننا ما نلبث أن نسأل أنفسنا: من زهرة اللوتس هذه أصلًا؟

وبهذا الشكل نُدرك أن هذه الإعجابات ليس لها قيمةٌ حقيقيةٌ تُذكر، ويصيبنا ذلك بالإحباط، بيد أننا نهرع لتكراره مرةً أخرى، لأن إفراز الدوبامين هو ما يحدد رغباتنا في الأساس، وهكذا نظل في حلقةٍ مغلقة من الانتشاء اللحظي والإحباط القاسي.

وسائل التواصل الاجتماعي وطرق التعايش المسمومة

الأمور لا تسير دومًا كما نُحب، الحقيقة أن الحياة غالبًا ما تُثقلنا بالخيبات وتحرمنا السعادة، تداعب آمالنا ثم تتركنا لنهوي في جُب يأسٍ لا ضوء فيه.

حينما نهوي في ذلك الجُب السحيق، يتراءى لنا الأمل كبقعة ضئيلةٍ نائيةٍ يستحيل بلوغها، ونكون على قدرٍ من الإنهاك يُكبّل قدرتنا على النهوض، ويُمسي وجداننا أرضًا قفرًا لا تلد سعادةً أو حبور. آنذاك، نلهث من أجل أي شيءٍ قد يساعدنا خلال سنيننا العجاف.

وإذا ابتعدنا عن المجاز والاستعارات، فإننا في لحظات إحباطنا نصير في توقٍ حارق لذرة دوبامين، بيد أننا لا نمتلك من الطاقة النفسية ما يكفي لنقتلعها من بين براثن الحياة، فنلجأ حينئذٍ لطرق تعايشٍ توفر لنا لذّات مؤقتة.

بعضهم يلجأ للكحوليات والمكيفات، وآخرون للرهانات بمختلف أنواعها بدايةً من القمار وحتى كرة القدم، والبعض الآخر يقبض على هاتفه مُحدقًا في أيقونة إشعاراته. ولكن أحدًا لم يُعلمنا كيف نعتمد على أصدقائنا، كيف نغرس بذرة صداقة حقيقية، تُفعِم صدرنا بالانتشاء في أشد لحظات إحساسنا بالمرارة.

مواقع التواصل الاجتماعي، كغيرها من سبل التعايش السامة، قليلها مفيدٌ بيد أن كثيرها مُهلك، علاوةً على أنها على قدرٍ عالٍ من الإغراء: فإذا كان الهدف هو الدوبامين، فلماذا أنهك نفسي في الحصول عليه بيد أنه بإمكاني أن أسرقه بلا جهد؟ ولكن الهدف لم يكن يومًا الدوبامين، لم يكن الدوبامين سوى مكافأة يفرزها الدماغ إثر سلوكٍ ذي معنى، فإذا غاب السلوك، الذي هو الضلع الأساسي في المعادلة، سينتج عن غيابه فجوة ما تنفك تنخر في القلب حتى تتلفه.

مواقع التواصل الاجتماعي وانعكاس المرء الضامر

توضح نظرية المقارنة الاجتماعية “Social Comparison Theory” أن الأفراد في المجتمعات، يميلون إلى تحديد قيمتهم الاجتماعية والشخصية معتمدين في ذلك على مقدار تفوقهم على الآخرين بناءً على المعايير السائدة، مما ينتج عنه إحساسهم بالرضا عن أنفسهم أو احتقارهم لها. كما وضحت الأبحاث أن الأفراد الذين اعتادوا مقارنة أنفسهم بالآخرين، دائمًا ما يحاصرون في أشد أركان عواطفهم ظلمة: الندم، الإحباط، تبكيت الضمير، وفقدان الشغف.

وإذا كان المتعارف عليه بين الناس أن عدد الإعجابات يضيف إلى المرء قيمة، فإنه بشكل لا واعٍ يعلق قيمته الذاتية على شيءٍ هزلي، وأعداد وهمية، وما يلبث أن ينهار انعكاسه في المرآة أمامه إن لم يحصد تفاعلًا بين جمهوره الافتراضي، بل وأحيانًا يتفاقم الأمر إلى أن يصير هوسًا وينسلخ حقدًا على نفسه وعلى الآخرين.

إذا سألت أحد المراهقين أو الشباب عن حال دراسته، ففي الأغلب سيتراوح رده بين “شغّال” في أفضل الأحوال و “خرا” في الغالب، وإذا سألته عن السبب، سيخبرك أنه لا يرى معنى في كل هذا، ولكن إذا سألته ما الأشياء ذات المعنى في رأيه، فلن يجد إجابة. دفعتنا اللذات المؤقتة إلى الإغفال عن حقيقة أن السعي الطويل هو ما يضفي إلى أي شيء معنى، وأن الإنسان يجب أن يعاني ليشعر بانتشاء حقيقي، وأن الصبر هو ما يجعلنا نشعر باستحقاقية ما نأخذه.

مواقع التواصل الاجتماعي كإدمان

إن وجدت في توصيف استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بالإدمان مبالغةً ما، فدعني أوضح لك أولًا المعنى الاصطلاحي للإدمان: عدم القدرة على التوقف عن فعل الشيء أو استخدامه، بالذات في حالة كونه يعود بالضرر على الفرد. ويسهل علينا تشخيص الإدمان إذا ما راعينا الأعراض التالية:

  • يصير المرء مهووسًا بالسلوك أو المادة.
  • يصبو المرء إلى السلوك بالرغم من إدراكه لنتائجه السلبية.
  • ينكر المرء سلبيات السلوك، وغالبًا ما يفقد إحساسه بالزمن والمكان أثناء ممارسته.
  • يجد المرء صعوبةً في التوقف عن ممارسة السلوك أو التحكم به، ويشعر أنه يمارسه بطريقةٍ لا إرادية، ويعجز عن التحكم بالوقت الذي يقضيه أثناء الممارسة، كما أنه يفقد لذة الانخراط في السلوك إلا أنه يفعله على أي حال.
  • الاكتئاب عرضٌ منتشر بين هؤلاء الذين يدمنون سلوكيات معينة، كذلك قلة الثقة بالنفس والقلق.

فإذا وجدت عزيزي القارئ أيًا من هذه الأعراض فيك أو في أحد أقربائك، أدركْ حجم المشكلة، ولكن اطمئن، فهنالك أكثر من تسعٍ وثلاثين طريقة للإقلاع عن السلوكيات المسببة للإدمان، لن يُسعفنا المقال لذكرها، ولكن ضغطة واحدة على جوجل وستدرك سبيلك.

في النهاية، فإن سبل التكيف والتعايش لا بد منها، وجميعنا لدينا عاداتنا، ومواقع التواصل الاجتماعي بالطبع لها فوائدها، ولكن المرء يستشعر الخيبة إذ يجد نفسه سجينًا، ويكون أشد انكسارًا إذا ما أدرك أنه بنفسه من صاغ قضبانه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...