هكذا تكلم أمل دنقل!

في 1966 كنت قد مللت كل شيء، حتى على المستوى الشخصي… وصلتُ إلى حافَّة الانتحار. لم يكن في السويس أي جو أدبي أو ثقافي. حاولت أن أجمع بعض الشباب من المهتمين بالأدب والثقافة، ولكنهم كانوا تحت مستوى النضج. ومن هنا كان قراري بالانتحار في نهاية تلك الفترة.

ولكنني سألتُ نفسي سؤالًا: إذا كنت أنوي الانتحار، فلماذا لا أنتحر بطريقة أخرى؟! أي أن أعود إلى الكتابة، وأقول رأيي، وليكن ما يكون. وتمثلت بيت الشعر:

أنت إن سكتَّ مت، وإن نطقتَ مت، فقُلْها ومت.

أنا لا أخاف من الموت على الإطلاق. ولكن ما هو نوع الموت؟ ليس الموت هو مفارقة الروح للجسد. هناك الموت غدرًا، مثل الجندي الذي ترسل به إلى الميدان دون أن تتَّخذ الاحتياطات لكي ينتصر. هناك الموت سأمًا ومللًا، مثل الحياة التي يعيشها الكثيرون في المدن الصفيحية والميكانيكية الفارغة. وهناك الموت تحسُّرًا وعجزًا… لكن الموت، بمعنى مفارقة الروح للجسد، هذا شيء لا يخيفني. بل لا أفكر فيه… إذا كان قادمًا، فليأتِ…

أمل دنقل والوضع الثقافي

الوضع الثقافي في مصر اليوم يمرُّ بمرحلةٍ من الترهُّل. إن الكتَّاب الذين بدأوا ثوريين منذ شبابهم، تحوَّلوا، بفضل ظروف عديدة، إلى مرتزقة؛ وهذه هي محنة الثقافة الحقيقية في مصر. إن الخوف قاد الكثيرين منهم إلى التسليم، وإلى نوع من الفُصَام العقلي؛ فهم يُدلُون في مجالسهم الخاصَّة بآراء، ثم يكتبون نقيضَها!

عندما أصدَرنا البيان الذي وقَّعَه العشراتُ من كتَّاب مصر اللامعين، والذي يؤيد حركة الطلاب في عام 1973، لم يكن هذا البيان إلا أدنى مساهمة يمكن أن يكفِّر بها هؤلاء الكتَّاب عن مسيرتهم الطويلة في الدفاع عمَّا لا يمكن الدفاع عنه. لكن الإجراءات العَصِيبة التي وُوجِهَ بها هؤلاء الكتَّاب، جعلت كثيرًا منهم يتراجعون… ومِن هنا، فإن كاتبًا مثل نجيب محفوظ كتب وصاياه العشر التي لا تَعدُو أن تكونَ تعليماتٍ عن إدارة التوجيه المعنوي للقوات المسلحة، أو نشرةً صادرةً عن قيادة الدفاع المدني!

إعلان

إن نجيب محفوظ لم يكن ابنًا لأرضه أو مبادئه. من حق نجيب محفوظ أن يتراجع، ومن حقه أن يؤيِّد السلطة، لكن ليس بهذه الدرجة من التهافت الذي لا يليق باسمه ومكانه. إنَّ دَخْلَ نجيب محفوظ المادي كبير، لكنه يطمع في المزيد عن طريق السينما والتليفزيون والإذاعة. ومِن هنا، فإن قرارًا مثلَ قرار منعه من التعامل مع هذه الأجهزة، هو الذي جعله يسارع بالركوع. هذا هو كعب أخيل في نجيب محفوظ. لكنني شخصيًّا أحترم الضعف البشري؛ ولا أحترم ضعفًا من هذا النوع. وبصفة شخصية أيضًا، فإنني منذ كتابة نجيب محفوظ لوصاياه العشر، أرفض أن أجالسه، وأرفض حتى أن أحيِّيه؛ فهو في نظري لا يستحقُّ حتى الرثاء.

أمل دنقل والشعر

الشاعر، لكي يكتب الشعر وليكون شاعرًا حرًّا، يجب أن يكتب انعكاسات وجدانه الحقيقية. ولا يمكن لإنسانٍ يعيش في ظل ظروف التخلُّف التي نعيش فيها، وظروف التداخل الثقافي التي لدينا، أن يكتفي بمجرد الإحساس بالجمال المطلق لا بد أن يُعيد اكتشاف الجمال الموجود في الواقع الذي يراه والذي يعيشه، وليس أن يعيش في واقع آخر يستعيره ثم يُلبِسه ثوبًا شعريًّا… الخيال الرومانسي كان فيه نوع من التورُّم السرطاني في اتجاه الانعزال وإقامة عالم ليس له علاقة على الإطلاق بالواقع. إن العالَم الفني أو الواقع الفني له كل عناصر الواقع، لكن إعادة تشكيل هذا العالم وخلق واقع جديد، يُحدِّد رؤية الشاعر الفنية والاجتماعية…

أنت لا تستطيع أن تطالب فلاحًا يحمل له النيل ملايين الديدان، أن ينظر إليه كما ينظر له سكان الزمالك وسكان الشقق المطلَّة على النيل. كما لا تستطيع أن تطالب العامل في شركات البترول في الصحراء، الذي ترتبط الأخيرة في خياله بالغربة والوحشة والحرمان، أن يُحس بلحظة غروب الشمس في الصحراء التي تكلَّم عنها الرحَّالة الأوروبيون في صحراء الجزائر مثلًا. إن الشعر في جوهره هو إعادة اكتشاف للعالم المحيط بك، ثم إعادة بنائه كما يجب أن يكون.

إن الذي أفرد لي مكانًا مميزًا بين عشرات الشعراء في مصر هو اكتشافي لوظيفة الشاعر الحقيقية، وهي وظيفة وطنية، وليست وظيفة رسمية أو لقبًا من ألقاب الصالونات والمهرجانات، ومن هنا أسقطتُ من نفسي كلَّ الأوهام التقليدية… كما أسقطتُ من نفسي أوهامَ التغني بجمال الغروب وصفاء النهر ورقة الزهر؛ لأن الطبيعة تستمدُّ صورتَها الحقيقيةَ في خيالي من وضع البشر الذين يعيشون فوقها، ومن حساسية الإنسان الذي يتعامل مع تلك الطبيعة.

القصيدة وِلادة، كأية وِلادة حياتية؛ فهي بمعنى آخر تمتلك علاقة الماء بلونه وشكله. أنت عاجز عن صنع الماء في أقراص. إنها طبيعة الأشياء. والنقاد يشوِّشون على الشعراء، ولو سمعنا مواعظهم وانتمينا إلى مدارسهم، لضِعنا ولسقطنا في الفصل الأول. النموذج الشعري للقصيدة هو قدرها. فحين تولَد القصيدة، إنما تولَد نموذجًا متفرِّدًا. إن افتراض النموذج قبل الخلق مساوٍ لافتراض شكل الجنين قبل ولادته، أو افتراض نوع السمكة قبل شبكها. مثل هذه الأمور تشغل النقاد، لكنها على مستوى الإبداع تتساوى ودرجة الصفر.

الفن انتماء. ولكنه انتماء إلى الأكبر، وليس إلى ما هو أصغر. كم مرة سألت نفسي: لماذا يستهلك الشعراء كل هذه الصفحات دون ندم؟ القصيدة المسكينة تنتهي من السطر الأول، ثم تبدأ الثرثرة، دون لمحة جديدة واحدة، أو حتى دون تركيبة لغوية جيِّدة واحدة، فلماذا؟

لقد أفسد شعراء كأدونيس وعبد الصبور قطاعًا كبيرًا من الشعراء الشباب، وأوقعوا الكثيرين منهم في شِبَاك تقليدهم.

أهم شاعر في نظري على الإطلاق هو النار. عندما كنت صغيرًا، كنت أجلس أمام النار، وأقرأ في ألسنة اللهب أكثر من معنًى من المعاني المُطلَقة. إن درجات الاحتراق في ألسنة اللهب وتداخلها هي التي أثَّرت في وجداني أكثر من كل ما قرأت.

الشعر اعتراضٌ على ما هو كائن، وحلم بما سيكون، والكلمة أداة للتغيير. وبهذا المعنى، فإن كل الشعر هو شعر مقاومة.

الشعر هو الرفض… أما الشعراء المستأنسون فهم طيور مقصوصة الأجنحة يمكن لأي صبي عابر أن يربطها بخيط ويلهو بها على قارعة الطريق.

الشعر ثورة دائمة… إن الشاعر هو ثورة في حدِّ ذاته. يحلم الشاعر بواقع لا يتحقق، وعندما يتحقق هذا الواقع، يحلم بواقع أجمل.

السياسة هي (فن الممكن)، والسياسي باحث عن الممكن، والشاعر لا يرضيه الممكن، ولا يبحث عنه، ولا يرضي طموحه، وهو باحثٌ عمَّا هو فوق الممكن، عن المستحيل.

أعاني من سوء فهم بعض قصائدي. إن القصائد التي تناولها النقاد بالاهتمام، هي في نظري ليست أجود قصائدي؛ لكن الواقع يترك انعكاسًا مبالَغًا فيه على رؤية الناقد للقصيدة. وصدِّقني، إنني لا أخاف من النقاد؛ فقلائل منهم هم الذين يستطيعون أن ينالوا الاحترام. لقد عوَّدَ الشعراءُ النقادَ على معاملةٍ خاصةٍ لا أحبُّها، ولا أرتضيها لنفسي. ما أكتبه أكتبه. مَن أعجبته فشكرًا، ومَن لم يرضَ، فموعدنا قصيدة جديدة.

رُشِّحتُ عام 1972 لنَيْل جائزة الدولة التشجيعية، وتدخَّلَت عوامل كثيرة لحجب الجائزة عني… سأضرب لك أشهر الأمثلة في ذلك، وهي جائزة نوبل. هذه الجائزة تتدخَّل عوامل كثيرة في منحها لمختلف الأدباء العالميين… الأمر كذلك هنا الآن، في المجلس الأعلى للثقافة، وأنا عضوٌ في لجنة الشعر فيه، وأشاهد من داخل اللجان كيف يتم الصراع حول الجوائز، وكيف تلعب العلاقات الشخصية، ومسألة السن بالذات، دورًا في منحها!

أمل دنقل والتراث

إننا مصريون بالاسم فقط؛ فكل التراث المصري القديم أصبح مجرد معابد وهياكل قائمة في الصحراء، لا تملك انعكاسًا وجدانيًّا حقيقيًّا على مشاعر الناس، باستثناء بعض الحالات القليلة، كالموت والمعتقدات الخرافية. في قصيدة (الوقوف على قدم واحدة)، استخدَمتُ قصَّة الأخوين الشهيرة في الأدب الفرعوني، التي تُصَوِّر الصراع بين أخوين بسببِ امرأةٍ، هي زوجة أحدهما. وعندما قرأت القصيدة للدكتور لويس عوض قبل نشرها في الأهرام، سألني عن هذا المقطع الذي استخدَمتُ فيه القصة الفرعونية. ورغم أنه تذكَّرَها، إلا أنني سألت نفسي عن جدوى الاهتمام بتراث ثقافي لا يعيش إلا في دائرة العقل. إذًا، يمكننا القول إن التراث الحقيقي الذي يعيش في وجدان الناس هو التراث العربي، الذي يأخذ أحيانًا شكل التراث الإسلامي.

إن استخدام التراث له مهمة أساسية، وهي إيقاظ وعي الشعب، وذلك عن طريق التذكير الدائم بهذا التراث، ومحاولة إعادة تفسيره. ولأن الشعر هو أحد فنون العرب القديمة، ولأن القصيدة الشعرية تستخدم اللغة استخدامًا يكاد يكون كهنوتيًّا، فلا بد أن يكون الشعر هو أول الأجناس الفنية التي تستفيد من التراث، وإحياء الأساطير العربية.

قد يعجبك أيضًا

ويمكن للملاحظ أن يحدد بداية سيادة التاريخ العربي في قصائدي بقصيدة (الأرض والجرح الذي لا ينفتح)، و(حديث خاص مع أبي موسى الأشعري)… واتجهت لاستبطان جوهر التاريخ ذاته، دونَ إشارةٍ واضحةٍ إلى مسميات أو أحداث.

جيل الروَّاد

إن حركة النضال من أجل الاستقلال الوطني في مصر، والتي بدأت ضد حكم الاستعمار الإنجليزي، كانت موجَّهة ضد هذا الحكم (كشكل سياسي) وليس ضد المفاهيم الأوروبية، وبالتالي فإنه لم يكن لها محتوى اجتماعي، بمعنى أنه لم يكن لديها الرغبة في تأكيد استقلال الشخصية المصرية بمكوِّنات ثقافية خاصة. وقد كان الهم الأساسي لهذه الحركة هو إثبات أن المصريين لا يقلُّون عن الأوروبيين جدارةً في فهم العالم ونقل العلوم والمعارف، وبالتالي فقد اتَّسَمت حركة الاستقلال الوطني عندنا بطابع التأثر الشديد بالغرب، واتباع المناهج الغربية، وربط مصر بالثقافة اليونانية، كما فعل الدكتور طه حسين. كانت تمثل محاولة لتغريب مصر.

مشكلة جيل الروَّاد ليست مشكلة اختيار بديل آخر [للنموذج الأوروبي]، وإنما المشكلة هي مشكلة التطوير؛ ذلك لأن هذا الجيل نشأ في ظل الكفاح ضد الاحتلال الإنجليزي وضد السيطرة الأجنبية على الأمة، وفي النضال من أجل إقامة اقتصاد قومي وإقامة أدب عربي وإقامة الجامعة، [على النَّسَق الأوروبي]. وقد كان من واجبهم، في مرحلة الاستقلال التي أتت بعد ذلك، بدلًا من تركيز جهودهم في تحقيق استمرارهم الوقتي في الصحف والمجلات، أن يحاولوا بناء أساس استمرار حقيقي.

وقد كان من نتيجة فشلهم في ذلك، أنْ تَحَوَّل كاتبٌ وطنيٌّ مثل عباس العقاد إلى مجرد كاتب يكتب لحساب السفارة الأمريكية! كذلك تنقل طه حسين تنقلًا غير مبدئي بين أحزاب متناقضة ومتطاحنة؛ فقد بدأ حليفًا ومؤيدًا لحزب الأحرار الدستوريين، ثم أصبح وزيرًا في حكومة وفدية، وأصبح كلُّ همه هو الاستمرار وأن يكون دائمًا في الصورة. أما توفيق الحكيم، الذي بدأ كاتبًا مسرحيًّا، فقد تَحَوَّل في منتصف الطريق إلى مجرد نجم من نجوم مؤسسة أخبار اليوم، التي أحاطته برعاية مستمرة تتَّسم بالابتذال، مُطلِقة عليه ألقابًا مثل (عدو المرأة)، و(صاحب البرج العاجي)، و(صاحب الحمار)…

نبوءة أمل دنقل

أعتقد أن العرب في السنوات القادمة لن يستطيعوا أن يقدِّموا أيَّ إسهام حضاري، ولكنهم يستنشقون كلَّ معطيات الغرب. وهذا سيؤدِّي إلى ظهور إحدى الشخصيتين: إمَّا شخصية تواجه هذا وتبحث عن جذورها وتستطيع أن تصنع لنفسها عطاءً جديدًا دون أن تتخلَّى عن تقاليدها وشخصيتها، مثل اليابان. أو شخصية تضيع في طوفان الانبهار بالحضارة الغربية، وتصبح شعبًا لا شرقيًّا ولا غربيًّا، مثل الأتراك… ونحن أقرب حاليًّا إلى تركيا.

إشارة:

فقرات هذا المقال مضفَّرة من كتاب (حوارات أمل دنقل)، الذي أعدَّه أنس دنقل، وصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2012.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد أحمد فؤاد

اترك تعليقا