تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف تجعل منّا الحكايات بشرًا؟

نقاش كتاب الحيوان الحكاء لجوناثان جوتشل

ثَمة أرض مُمتدة بين تلافِيف الكتلة الهلامية بداخل جماجمنا، ننثُر عليها الكلمات والمعلومات الحسّية كل لحظة، ثم نجني الثمار على شكل حكايا كاملةِ المشاهد، نحكيها لأنفسنا أو للآخرين، أو قد تحكيها لنا عقولنا بطريقة مختلفة، نتبناها بكل ما أوتينا من قوّة كأنها الحقيقة المُطلقة غير القابلة للنقد.

كما أن أجسادنا البيولوجية تتكون من الخلايا الحيّة، فإن أنفسنا تتكوّن من القصص الحيّة أيضًا، تُجدِد القصص نفسها في كل يوم بالغذاء الذي تزوّده لها حواسنا، إذ تبقى عبارة (كان يا مكان في أحد الأزمان) مرافقة دائمة لنا مهما كبرنا في السن، نعيش بها، ننتمي لأنفسنا ونصنع ذواتنا من خلالها، نُشكّل هويتنا وانتماءاتنا، ونصنع حدودنا ونحدد ردود أفعالنا باستخدامها.

الكاتب جوناثان غوتشل، أستاذ جامعي متخصص في الأدب والتطور

في هذا المقال، سأناقش السؤال الرئيسي الذي طرحه الكاتب جوناثان غوتشل في كتابه (الحيوان الحكاء)، وهو “كيف تجعل منّا الحكايات بشرًا؟”

  • حكاية الحكاية

يُحكى أن هناك قِصّة وحيدة تتمشّى في غابة بعيدة، مرّ بجانبها شابٌّ كسول يُضيّع يومه في المشي بين الأشجار، وعندما لمحها أصابه الفضول لمعرفة ما هي، فتبِعها حتّى تقرّب منها وحكت له كم هي بحاجة لتنتشر بين الناس، لتعود لطفولتها التي ستكون أبدية وتتقافز وتتوالد، جذبته كثيرًا وقرّر اصطحابها إلى قبيلة الكُسالى، وما إن انتشرت هناك حتّى أصبحوا يُعرفون بقبيلة الحكايا.
كان هناك على الجانب الآخر قبيلة العمل الذين يتميزون بكدحهم الجادّ في الصيّد والحراسة والتكاثر، وحينما بدأت الموارد بالاضمحلال، زاد عملهم حتّى يحافظوا على بقائهم، بينما كانت قبيلة الحكايا تجتمع يوميًا لتختلق الأكاذيب حول شخصيّات مزيّفة وأحداث لم تقع، ورغم كسلهم وتفاهتهم إلّا أنّهم استطاعوا التغلّب على قبيلة العمل، والبقاء لفترة أطول وأطول، واستمرّت القصّة للآن، ومن المستحيل اجتثاثها مرّة أخرى من عقول وقلوب البشر.

كما يُقال؛ اسأل عشرة مؤرخين عن التاريخ، وستحصل على إحدى عشر إجابة مختلفة، وسأضيف أنك إذا ستسائِل الناس الآخرين فستحصل على إجابات بعددهم زائد واحد، _الواحد هذا هو أنت_ وستكون إجابات مبدعة منسوجة من الخيال، إذ يَصنع كلٌّ منّا أسطورته الخاصّة حول قصة النُشوء وقصص التاريخ الكبير منذ بداية الكون وحتى نهايته.

إعلان

عادة ما يتم قصّ حكاية كل شيء باستخدام شيء معيّن تتركّز عليه الحكاية، كأن نرى الكون من منظور الفيزياء فقط، أو أن نقرأ التاريخ بتتبع سِير العلماء ونظريّاتهم. وقد عمِد الكاتب سرد حكاية الحكاية، كيف تناوَلتها أيادي الباحثين من أكثر من زاوية، وكيف تكشّفت بعض أسرارها التي زادت الأسئلة المطلوب الإجابة عنها تعقيدًا.

في القصّة التي اختلقتُها بداية الفقرة، والتي تتشابه مع التجربة الفكرية التي قرر الكاتب إيرادها؛ ليُثبِت لنا أن الحكاية هي ما تميّزنا نحن (البشر الحاليين) عن غيرنا من الحيوانات، حتّى وإن كان هناك _كما في التجربة الفكرية أعلاه_ من يختلفون عنّا فقط بهذه الجزئية.
وهذا الأسلوب عمومًا يتمّ اتّباعة ببعض الكتب من خلال التركيز على جزئية معيّنة، كاكتشاف النار مثلًا _كما في كتاب (في قدحة النار)_؛ على أنها نقطة التحوّل التي جعلت من هذا الحيوان العادي سيّدًا للكوكب. فهل بالفعل للحكايات تأثيرٌعلى تطوّرنا وسيادتنا للكوكب؟.

  • صانع الحكايات المجنون

في كل يوم، تسرد دولوريوس لِنفسها قصتها بشكل مبرمج؛ فهي فتاة ريفية تحب الطبيعة والحيوانات، تذهب إلى البحر وتحمل لوحتها التي ترسمها للمشهد.

دولوريوس من مسلسل westworld

ولكن دولوريوس ليست إنسانة، بل هي روبوت قريب من البشر (مضيفة كما يطلقون عليها) موجود بمكان ترفيهي، مكان يتردد إليه البشر ليمارسوا جنونهم وغرائزهم في صنع المغامرات وممارسة الجنس والعنف كيفما شاؤوا، فهي تكرر نفس اليوم كل يوم دون أن تدري أنها تفعل ذلك، وما يبقيها تعيش في وهم الحقيقة مصدّقة بأنها إنسانة لها هدف تسعى له بإرادتها؛ هو أنها تملك تفسيرًا مقنعًا، تملك حكاية هي بطلتها تستعرضها كل لحظة. الهدف من برمجة هذه الروبوتات على هذا الشكل هو أن تكون قريبة للبشر وحقيقية قدر الإمكان، بحيث يستمتع الزوّار بتجربة أكثر إثارة وكأنها حقيقية تمامًا.

لكن ماذا إذا كان هذا هو ما نفعله نحن على وجه التحديد، هذا ما تمليه علينا أدمغتنا كل لحظة ونصدّقها بذلك دون مساءلة! في هذا الجزء من المقال، سأستعرض أبرز النقاط حول الدماغ الحَكَّاء، في ما يخص التجربة الفردية لكلٍّ منا، بحيث سأخصص الجزء الذي يليه للتجربة الجمعية للحكاية.

الخلل الوظيفي، ودوره في إبراز أهمية الحكاية

قد تكشف لنا الحالات المرضِيّة بشكل جليّ، حقيقة الحقيقة _أو حقيقة الوهم المُختَلق_ عن أنفسنا، خاصة في الحالات التي يعاني فيها الناس من فقدان الذاكرة بأشكالها المختلفة، حيث أنه من خلال حكاية الذكريات والتاريخ الشخصي تُصنع الهويّة والأنا.

“لم يكن يتذكر أيّ شيء لأكثر من بضع ثوانٍ. وكان تائهًا باستمرار. كانت هُوّات عميقة من النسيان تُفتَح باستمرار أسفل منه، ولكنّه كان يُجسِّرها بخفّة وسرعة بأحاديث وتخيّلات سلِسَة من جميع الأنواع، والتي لم تكن بالنسبة له تخيّلات على الإطلاق، وإنما طريقته التي كان يرى أو يفسِّر بها العالَم فجأة… كان عليه فعلِيًّا أن يُؤلّف نفسه وعالمه كل لحظة”

صورة لنقص الثيامين في دماغ مريض

كانت هذه هي الكلمات التي وصف بها الدكتور   أوليفر ساكس شخصًا مصابًا ب”ذهان كورساكوف”، وهي حالة تحدث نتيجة نقص في مادة الثيامين، والذي يؤدي بذلك إلى خلل في المهاد، وفي بعض الخلايا في تحت المهاد. مما يجعل المصاب يفقد ذاكرته تمامًا، ويفقد القدرة على تخزين الذكريات.

ولكن رغم ذلك، يقوم دماغه بتأليف نفسه وعالمه كل لحظة حرفيًا، يقصّ الحكايا باستخدام التفاصيل التي يراها، يتذكّر مواقف لم تحدث، وشخصيات خاطئة تمامًا، بل ويغيّر من هويته بناء على الموقف، ثم ينسى كل شيء ويعاود التأليف والترقيع من جديد.

تُعرَف الأمور بأضدادها، فما زاد معرفتنا بآليات الدماغ هي تلك الحالات المرضيّة التي أكّدت أن أدمغتنا مصنعًا للأكاذيب الشخصية، ومكانًا لسرد وترقيع الحكايات لصنع هُوياتنا على الدوام، حتّى يساعدنا هذا على اتخاذ القرار فيما سنفعله بناء على الأهداف التي من الواجب تبنّيها، والجماعات التي ننتمي لها، وأشياء أخرى كثيرة مخزّنة في ذاكرتنا على شكل (أفضل تخمين). بعبارة أخرى، كلّنا نعيش حالة مشابهة للحالات الدماغية التي تحوي خلل وظيفي، ولكن بدرجات مختلفة، فقدان للذاكرة بشكل معقول يجعلنا نؤلف حكاياتنا وإن جانبها الصواب فتبقى حقيقية بالنسبة لنا نحن فقط .

دراما النائم

أتذكر العديد من الليالي التي أخطط فيها للهرب، حيث أنا محبوسة في مكان مجهول تمامًا ومرعب، وغالبًا يحيط به حرّاس غريبو الأطوار، وتلاحقني بعض الكيانات المجهولة لتعيق حركتي. صنع خطط الهروب والمحاولات الحثيثة للتغلّب على خصومي هي إحدى الأحلام المتكررة على مدار سنوات، إن عقلي اللاواعي لا يملّ من اختلاق أزمات صعبة ويتفنن في تفاصيلها. وبتعبير الكاتب:

“إن الأحلام، في الحقيقة، هي حكايا ليلِية، تركّز على البطل _الحالِم_ الذي يصارع لتحقيق رغباته”

عالم الأحلام، من أكبر الألغاز التي يواجهها العِلم الحالي، حاول الدكتور آلان هوبسون، وهو عالم نفس وخبير في الأحلام؛ حاول دراسة الأحلام على المستوى العصبي، وقد قام بتلخيص لخصائص أساسية للأحلام بعد عقود من دراستها (كما ذكر في كتاب مستقبل العقل لميشيو كاكو).
وهي أن العواطف تكون هيّاجة في الحلم مثل الخوف الشديد، وأن محتواها غير منطقي، كما أنها تعطينا أحاسيس زائفة تتولد داخليًّا، ونقبلها بدون نقد ومن ثم من الصعب تذكّرها.
ولكن، ما هي الفائدة من اختلاق كل هذا “القلق الدرامي في مسارح أذهاننا” كل ليلة؟ هل هي مجرّد عملية عشوائية ليُرتِِّب الدماغ ملفاته؟

لوحة تصوّر الحالم الذي يواجه الصعوبات في حكايا الليل

الحديث عن الأحلام ربما بحاجة لمقال آخر لوحده، لذا سأحاول التركيز على جزئية الحلم كنوع من الحكايا التي يسردها الدماغ. بالرجوع للسؤال الأصلي لنسأل “كيف تجعل منّا الأحلام بشرًا؟”، تحدّث الكاتب غوتشل عن (نظرية الاصطناع العشوائي) التي تفسّر الأحلام على أنها مجرّد محاولة لترجمة الحالات الدماغية المختلفة للنائم، وبينما يرى آخرون أن الأحلام مجرّد ضجيج، فضلات للدماغ. ويرى آخرون أن لها فائدة تطورية مثلها مثل الأطراف والأجهزة الداخلية، وإلا لكان التطوّر نحّاها جانبًا، فهي بمثابة تدرّب على تكوين ردّات فعل في الحياة الحقيقية.

” هل يتغير الحُلم حتى يتكيَّف مع التغييرات التي تطرأ في حياة الحالِم؟ لماذا يتجشّم صانع الحلم الصغير القابع في عقولنا عناء التمويه؟”

هذا الاقتباس من رواية (عندما بكى نيتشة)، وهو تساؤل مهم جدًا في حال كانت الأحلام مفيدة، فلماذا هي ذات طابع رمزي غير مفهوم؟ وقد كان هناك رأي ملفت لعالم النفس هنري هنت، الذي اعتقد أن سمة الغرابة هي ما تجعلنا نتذكّر الأحلام الغريبة تحديدًا، أو الكوابيس المثيرة للقلق، بينما تمتلئ ليالي النائمين بالأحلام القريبة من الواقع.
إذن قد أميل أنا أيضًا للرأي القائل بأن الأحلام ما هي إلا مزيج من محاولات للتدرب على الحياة الحقيقية، ومن استعادة ذكريات وترجمة مخاوف، وكلّها بشكل متزامن مع الحالة الجسدية للنائم. يعني ببساطة الدماغ يصنع أفضل حكاية توفّق كل شيء في شيء واحد. ورغم أنني أشعر بنقص شديد في الحديث عن الأحلام ولكن سأكتفي به للانتقال لأحلام اليقظة والخيال.

دراما وفانتازيا اليقِظ

ما زلت أتحدّث عن (صانع الحكايات المجنون)، وهو الدماغ الذي يتفنن بجنونه لسرد الحكايات الكثيرة في كل مراحل اليوم، تحدّثت عن الذكريات كسمة مميّزة لهوية الإنسان، فإن لم توجد يختلقها كل لحظة، وتحدثت عن الأحلام، والآن سأتحدّث عن الحكايا الدائمة المختلقة تمامًا والتي نُحدّث بها أنفسنا خلال اليوم.

“ما لم يكن العقل مشغولًا بمهمّة تستحوذ على الذهن مثل كتابة فقرة، فسيضجر ويهرب إلى عالم الحلم”

إن الوضعية الطبيعية للعقل في حالة عدم انشغاله، هو سرده للحكايات المرقّعة بشكل طَوعي لأحداث حصلت بالماضي، وأخرى لم تحدث أبدًا، ومحاولات لإصلاح العديد من الأمور في الواقع، وهذا شيء لا يمكن إيقافه بسهولة، إذ يعلم أي شخص حاول التأمل مثلًا بأنه من الصعوبة إسكات المُسجِّل دائم الثرثرة في داخل عقولنا. تُعتَبر أحلام اليقظة الحالة الافتراضية للدماغ، بحيث يجب بذل مجهود من أجل إسكاتها، وهذا يحدث بشكل مستمر حتّى نستطيع التنبؤ بمستقبل ما قد نُقدِم على فعله، أو قد تكون محاولة لإخماد مشاعر سيئة قوية أو إشعال مشاعر جيّدة تُهدّئ من احتياجات الجسد التي لم يتم تحقيقها من خلال الواقع.

 

الخيال عند الأطفال

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: دعاء أبو عصبة

تدقيق لغوي: سهام سايح

تدقيق علمي: حمدي عرقوب

الصورة: دانا عمر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.