تأخذك إلى أعماق الفكر

طريقك للوصول عبر أنفك

روحِي في أنفي” ربما هي جملة اعتدت أن تُعبِّر بها عن غضبك، لكن للعلم رأي آخر فما اعتقدته مجرد جملة للتنفيث عن المشاعر الحانفة هي بنظر العلماء شيء حقيقي ملموس.

كُتب “Pop Science” وطريق للعبور بين العلوم المختلفة والمجتمع

Popular Science” أو “Literature Of Science” هي أي مادة علمية كُتبت بلغةٍ مبسّطة حتي يتمكن غير المختص من فهم محتواها، ويعد أشهر مثال هو كِتاب “موجز تاريخ الزمن” لكاتبه عالم الفيزياء النظرية وعلم الكون “ستيفن هوكينغ” فاستهدف فيه “هوكينج” القارئ غير المختص الذي لا يملك معرفة سابقة عن النظريات العلمية المقدمة.

رغم أنف الذكريات

يعد كتاب “رغم أنف الذكريات” لكاتبه الطبيب النفسي “يحيى موسى” من أمتع كُتب”Pop Science” لأن كاتبه هو طبيب نفسي بدرجة أديب، فيُجبِرُكَ  على الاندماج بين سطوره منذ الوهلة الأولى لدرجة أنك ستحاول محاكة وصفه بنفسك أثناء القراءة، فضبط نفسي أغمض عيني وأنساب مع الروائح من حولي، فهو يتحدث عن العلاقة الوثيقة بين حاسة الشم والمشاعر الإنسانية وتأثير هذه الحاسة على سلوكيات الإنسان، فتحدث في البداية عن الارتباط القوي بين الذاكرة وحاسة الشم وكيف تستقبل الخلايا العصبية الشمية الرائحة، ومن ثم تبعثها عبر العصب الشمي إلى المخ، تحديدًا إلي الجهاز الحوفيّ الذي يلعب الدور الأكبر والأهم في التحكم بمزاجنا وذكرياتنا.

حاسة الشم و النشأة

يوضح لنا “يحيى موسى” تأثير حاسة الشم على الرضيع فهي وسيلته للتعرف على أمه، وأيضًا تؤسس القاعدة التي سيبني عليها الرضيع لاحقًا القدرة على تمييز وإدراك العالم من حوله، فستكون وسيلة للتواصل مع الآخرين، وآلية حماية للدفاع ضد الأخطار، وعند البلوغ ستقوده إلى الشريك الجنسي عبر رائحة الرغبة في جلده.

روحه في أنفه

يَحكي “يحيى موسى” أيضًا للقارئ عن عشائر الأونجي التي استوطنت قبل عدة آلاف من الأعوام جزيرة أندمان الصغري في الجنوب الشرقي من خليج البنغال بالمحيط الهندي، وكيف أنهم يعاملون حاسة الشم لديهم كأساس كوني وأصل الحياة لديهم فيؤمن الأونجي أن الرائحة هي مصدر شخصيته، وأن روحه تسكن أنفه حرفيًا!

إعلان

في المكسيك لا يزال هناك بعض الرجال ممن يعتقدون أن أنفاسهم تلعب الدور الأكبر في إحداث الحمل والأغرب أنهم يعتقدون أن روائح أنفاسهم تحمل صفاتهم إلى أنسالهم.

لماذا بتنا ننفر من رائحتنا البشرية؟

يري الكاتب أن ميلنا للتخلص من روائحنا الشخصية أكثر غرابة مما يفعله الأونجي والمكسيكيون، فأنت تفضل رائحة الأمبروكسان المستخلصة من قئ حوت العنبر أفضل من رائحة عرقك! بالطبع رائحة قئ حوت العنبر أفضل لنا لكن حتى إذا لم تكن تفوح منك رائحة عرق فما زالت الحقيقة أنه لم تعد هناك ألفة بيننا وبين روائح أجسادنا، وأننا نتهرب منها ونتجنبها وكأنما نخشاها.

هل تجد صعوبة في تصديق الطبيب؟

إذا كنت تشعر بالاندهاش من كلماته إليك سرد خبرته الطبية في الكلية، فأوضح أن عبر دراسته بكلية الطب كان الأساتذة يُعلمون الطلبة استخدام حواسهم في التشخيص، فالأنف تشم رائحة المرض، أنف طبيب مدرب قد يحدد طبيعة المرض، فهذا المريض تفوح منه رائحة التفاح العطن لابد أنه مصاب بالسكري وفي مرحلة متقدمة منه كذلك، هذا المريض رائحته كالخبز لابد أنه التيفود إذن، هذه المريضة رائحتها كمحل جزارة إنها الحمي الصفراء بالتأكيد! يضيف أن الممارسة السريرية قد لا تكون بهذا الوضوح لكن اختبر العلماء بدقة تغير رائحة المريض عن الإنسان المتمتع بصحة جيدة!

الفرمونات البشرية

في هذا الفصل يتعرض الكِتاب لدور الفرمونات البشرية التي لم يعرف العلماء حجم دورها بعد مقارنة بحجمها في الفصائل الحيوانية، فيسرد تجربة اشتهرت باسم تجارب القمصان “تي شيرت” صممت لرصد اختلاف رائحة النساء في مختلف فترات دورتهم الشهرية، وهناك نتائج عن أن رائحة قمصان النساء في فترات التبويض، حيث تكون جاهزيتهن للإخصاب أكبر وفرص حملهن أفضل، تكون أكثر جاذبية وقبولًا للرجال من رائحة قمصانهن في فترة الحيض، وتذهب التجارب لأبعد من ذلك حيث ترصد تجربة وحيدة أجريت لتمييز رائحة النساء اللائي يستخدمن وسائل منع الحمل عن رائحة أخريات لا يستخدمن هذه الوسائل، فلقد كانت رائحة النساء اللائي لا يستخدمن وسائل منع الحمل أكثر قبولًا من رائحة الأخريات.

رغم الاعتراضات على دلالة وصحة التجارب لكنها تتركنا أمام موقف يستدعي مزيدًا من التأمل، إننا لسنا بهذا البعد عن غريزتنا الحيوانية وأن أجسادنا تستجيب للروائح بطرق بدائية للغاية حتى لو شوشتنا عقولنا عن فهم ما يحدث.

الهوس بكل ماهو مادي

يصف “يحيى موسى” لنا حاسة الشم بأنها بدائية للغاية والبشر بطبيعتهم يميلون للإحساس بأنهم متطورون، لذا لابد من مفارقة الأساليب البدائية في تلقي العالم، لكن ماذا ستفعل إذا لم تكن تشم جيدًا؟ هل ستشعر بمذاق الطعام أم سيصبح بمثابة تزويد السيارة بالوقود، لا متعة في الأمر، ماذا ستفعل إذا لم تكن تشم جيدًا وحدث تسرب بالغاز في منزلك؟! هل جربت أن تفقد قدرتك على التذوق بسبب خلل في حاسة الشم لديك؟

تأثير أبوت “The Abbott effect”

التذوق لا يحدث بكفاءة في غياب حاسة الشم ويسمى هذا تأثير “أبوت” نسبة الي “توني أبوت” رئيس الوزراء الإسترالي الذي شوهد يتناول “بصلة” بسهولة واستمتاع كأنه يتناول تفاحة وأثار هذا استنكار الحضور، وبمعرفة الملابسات عرف المتتبعون للقصة أن رئيس الوزراء كان مصاب ببرد شديد مما أصاب حاسة الشم لديه بضرر واضح فلم يستطيع تمييز رائحة وطعم البصلة.

هل تؤثر ثقافتنا على الإحساس بالروائح؟

يستشهد “يحيى” هنا بتجربتين لتأثير الثقافة في تلقي الروائح، فذكر دراستين في تحديد الطريقة التي يتقبل بها البريطانيون والأمريكان رائحة شجرة “وينترجرين” فأظهرت الدراستين تباينا ملحوظًا في تقبل البريطانيين والأمريكان لرائحة الشجرة، بينما كره البريطانيون رائحتها أظهر الأمريكان ارتياحًا كبيرًا لرائحة الشجرة.
ليس للأمر علاقة بثقافة الأمريكان والبريطانيين ككل، وإنما بثقافة الجيل المبحوث في كلا البلدين.

التعلم بالاقتران -Associative learning

هل تعلم أن حاسة الشم هي الحاسة الأقوى في تشكيل خبراتنا التي نتعلمها بالاقتران؟ يروي لنا الكاتب أن نمط التعلم القائم على مبدأ التشريط فمثلًا لو أنك شممت زعتر لأول مرة أثناء مرورك بخبرة سيئة يحدث حينها نوع من الاقتران لديك بين رائحة الزعتر والمشاعر السلبية الخاصة بالموقف السيئ الذي مررت به، فحين تشم رائحة الزعتر في مناسبة لاحقة فغالبًا ما ستداهمك المشاعر السلبية ذاتها التي شعرت بها في المرة الأولى.

ذهب العلماء عبر ذلك بعيدًا لدرجة أنهم يزعمون أنه لا يوجد ما يسمي برائحة حلوة وأخرى سيئة في المطلق وأن تصاحب الروائح مع مشاعر الموقف يعبر أكثر عن قابليتنا لهذه الروائح من عدمها.

السوشيال ميديا وتأريخ أحداث الجيل الحالي

يعبر الطبيب في هذا الجزء عن مخاوفه من تحول التاريخ الحالي إلى صفحات (الإنترنت) الذي ميز الجيل الحالي، فيخشى أن لا تؤرخ رائحة أحداثهم حيث تم عزلهم في عالم مرئي ومسموع خالي من رائحة مميزة تساعدهم على دعم ذاكرة سيرتهم الذاتية، ويتساءل: هل تفقد هذه الأجيال عقولها؟ وهل سيعتمدون بالكامل على تطبيق يذكرهم بماذا حدث في مثل هذا اليوم؟

القدماء المصريين عبر أنوفهم!

في مستهل هذا الفصل من الكتاب نجد تعويذة من كتاب الموتى “الخروج في النهار” وهو مجموعة من الوثائق الدينية والنصوص الجنائزية التي كانت تستخدم في مصر القديمة.
تقول التعويذة “يا أتوم , أعطني النسمة الطيبة التي في أنفك! أنا الذي أحتل هذا المكان الذي في قلب هرموبوليس” , ” إن فمي وأنفي يظلان مفتوحين في بوزيريس , وأبقي متماسكًا في هليوبوليس . إنه مقري الذي بنته لي سشات وارتفع بأساسه خنوم . إذا كانت هذه السماء أتت مع رياح الشمال, عندئذ أستقر في الجانب الغربي, وأتشمم بفتحتي أنفي لكي أكتشف المكان الذي أرغب في الاستقرار فيه ”
توضح لنا هذه التعويذة الأهمية التي أولاها القدماء المصريين لروائح أجسادهم , يدعو الطبيب القارئ أن يقرأ عن أهمية الروائح لدي القدماء المصريين في كل شيء ويضيف “يحيى” أن المصريين القدماء حددوا عشرين فئة من الروائح وانتبهوا أن المرء يفقد حاسة الشم لديه كلما تقدم بالعمر، واستنتجوا أنها علامة لخروج الروح من الجسد, واهتم أطباؤهم بتشريح الأنف.

الميثولوجيا وحاسة الشم

يعود بنا الطبيب مرة أخرى إلي الماضي, هذه المرة إلى “الميثولوجيا” الإغريقية والرومانية، ويطرح أمامنا سؤال قد يتعجب منه البعض وهو: هل يمكن أن يعيش أحد معتمدًا فقط على حاسة الشم دون طعام أو شراب؟
يجيب عن هذا السؤال بنعم! ويوضح أن سلالة الأستومي أو الجانجينز عاشت هكذا, لم يكن بهم حاجة إلى تناول ثمرة فاكهة أو تجرع كأس من الماء, فهم سلالة أسطورية من البشر الذين تغذوا علي رائحة الحياة, تشمم تفاحة يغنيهم عن أكلها واستنشاق رائحة العصير لا يجعلهم بحاجة إلى شربه, سلالة وصفها المؤرخين بأن لهم أجسادًا يكسوها شعر غزير وخشن ولا أفواه لهم.

السلوك البشري الإدماني وارتباطه الوثيق بحاسة الشم

بعودة إلي عالم الواقع يخوض بنا “موسى” رحلة إلى ملبثات الإدمان فيشرح لنا علاقة حاسة الشم بإدمان الخمور بناء على الارتباط الوثيق بين حاسة الشم والتذوق، فمهنة متذوق الخمور لابد لممارسها التمتع بحاسة شم جيدة حتي يستطيع التمييز بين أدق تفاصيل جودتها، فيعتمدون على مسار الشم عبر الحلق لتصنيفها أيضًا, ويضيف أن من الشائع بين متذوقي الخمور أن يفصلوا بين تذوق نوع من الخمر وتذوق الآخر بفترة زمانية كافية لاستعادة قدرات حاسة الشم لديهم ثانية, فيخرجون لتنشق بعض الهواء الطازج أو يقومون بالقفز في أرجاء الغرفة لتجديد دوراتهم الدموية, مثلهم في ذلك مثل خبراء استنشاق العطور, أما بالنسبة لمتعاطي الخمر فيوضح لنا الكاتب أن متعاطيها تهييج الخمر بشدة حاسة الشم لديه عبر مساريها الأنفي والفمي وكتساهم في دعم شهية قوية لها لا تلبث أن ترتبيط شرطيًا بالرغبة في البحث عن المزيد من الخمر.
هذه الحالة تسبب له توق عاطفي لمعاقرتها لذا ترتبط حاسة الشم بالانتكاسات التي تصيب مدمنيها لكن المثير للأسف أن تعاطي الخمر لا يلبث أن يسبب ضررًا بالغًا في حاسة الشم لاحقًا.

علاقة المضطرب نفسيًا بأنفه

يضعنا “يحيى” أمام دراسة قام بها الباحثون على اختبار قدرات حاسة الشم لدى واحد وثمانون فردًا ينحدرون من عائلات تجري فيها جينات الفصام سجل منهم إثنا عشرة فردًا ضعفا شديدًا في كفاءة حاسة الشم, المدهش أنه بعد مرور سنتين من الاختبار هؤلاء الإثنا عشر فقط هم من تطورت حالتهم إلى حالة فصام كاملة.
وفي دراسة أخرى على تسعة وسبعون شخصًا ممن لا يملكون سجلات إجرامية، عمدت إلى اختبار حاسة الشم لديهم من جهة وإلى قياس السمات السيكوباتية من جهة أخرى، سجلت الدراسة في نهايتها أن المبحوثين الذين سجلوا أكبر رصيد من السمات السيكوباتية عجزوا عن تمييز الروائح المقدمة لديهم.

أنف من الزهرة و أنف من المريخ

يذهب هذا الفصل إلى الشجار السائد حول اختلاف قدرات الرجال و النساء، يوضح لنا أن النساء تشم أفضل من الرجال وتسجل نتائج أفضل في اختبارات حاسة الشم ويقوده هذا للحديث عن حاسة الشم لدي النساء في الحمل، ففي بداية الحمل تشعر النساء بالنفور من أية روائح لها علاقة بالرجل، بينما في فترة الحمل الأخيرة تكتسب رائحة الرجل فجأة قبولًا  شديدًا لديها ويتساءل هل لهذا الزعم أساس من الصحة؟
يختتم “موسى” الكتاب بأن البشر هم أرقي جنس حي على سطح الأرض وأنه من الحكمة أن نتوقع قدرتنا على تطوير وعينا باستمرار وأن وعينا بعالم الروائح سيتطور بلا شك.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.