تأخذك إلى أعماق الفكر

وسائل التواصل الاجتماعي ما بين تنحية السلطة والوصول لها

محاولة لفهم كيف تحولت التكنولوجيا الرقمية من أدوات لنشر الديمقراطية إلى أسلحة تستخدم لمهاجمتها، نظرة إلى ما خلف التقنيات نفسها

1. نشوة الاكتشاف

مع اشتعال فتيل الربيع العربي في منطقة الشرق الأوسط في عام 2011 وسقوط الزعماء الاستبداديين واحدًا تلو الآخر، سافرتُ إلى المنطقة في محاولةٍ لفهم الدور الذي تلعبه التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي هناك، حيث تجاذبتُ أطراف الحديث مع المتظاهرين في المقاهي بالقرب من ميدان التحرير في القاهرة، إذ أكّد العديد منهم أن وجود الإنترنت والهاتف الذكي كانا كافيين لتحقيق النصر، أيضًا في تونس أظهر لي الناشطون كيف استخدموا “أدوات مفتوحة المصدر” -برمجيات متوفرة مجانًا بدون ترخيص تجاري تتيح للمبرمجين القيام بأمور برمجية أو تقنية معينة- لتتبع رحلات التسوق إلى باريس التي قامت بها زوجة رئيسهم الأوتوقراطي باستخدام الطائرات الحكومية، وحتى السوريون الذين التقيت بهم في بيروت ما زالوا متفائلين كون بلدهم لم تنغمس بعد في حرب جهنميّة، لقد كان لدى الشباب طاقة وذكاء وروح مرحة وهواتف ذكية، وتوقعنا أن يدعم مصير المنطقة مطالبهم الديمقراطية.

وبالعودة إلى الولايات المتحدة، في حديثٍ خاص بالمؤتمر عام 2012 قمتُ باستخدام لقطة شاشة –سكرين شوت- من فيديو انتشر بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي وتم تسجيله خلال احتجاجات الشوارع الإيرانية عام 2009 لتوضيح كيف أن التكنولوجيا الجديدة جعلت من الصعب على الحكومات ووسائل الإعلام مراقبة ما يتم نشره لغايات إعاقة خطاب المعارضة أو السيطرة عليه، ولقد كان من الصعب أن نرى صورة امرأة شابة تنزف حتى الموت على الرصيف، لكن قوة المحتوى تكمن في صعوبة تقبله، فقبل عقد من الزمن لم يكن واردًا أن يتم التقاط صورة كهذه (من كان يحمل كاميرات فيديو طوال الوقت؟)، ناهيك عن سرعة انتشاره (كيف سيتم ذلك ما لم يكن لديك قناة تلفزيونية أو جريدة؟)، وحتى لو حدث أن تواجدَ مصور إخباري هناك، فإن معظم المؤسسات الإخبارية ما كانت لتنشر مثل هذه الصورة الحية.

تحدثتُ في ذلك المؤتمر عن دور وسائل التواصل الاجتماعية في تحطيم ما يسميه علماء الاجتماع بـ “تجاهل الأغلبية”

أي اعتقاد المرء في نظر نفسه أنه الوحيد الذي يرفض فكرة ما، بينما في الواقع الجميع يرفضها ويعتقد أن الجميع موافقون وبالتالي يتم إسكاتهم بشكل جماعي، كما قلت أن هذا هو السبب في أن وسائل التواصل الاجتماعية قد أثارت الكثير من التمرد، فالناس الذين كانوا منعزلين في السابق عن المعارضة وجدوا القوة والإلهام من الآخرين للقيام بذلك.

وقد قامت شركة “تويتر” بإعادة نشر ما كتبتُه بخصوص “الانضمام إلى القطيع”، وهذا يعني ضمنيًا أن تويتر يشكل قوة للخير في العالم تدعم الناس وثوراتهم، في حين أن “حراس المعلومات” الأشخاص أو الجهات التي تسعى لغربلة المحتوى قبل نشره سعيًا لإزالة أي مواد أو أفكار منه قد تعارض سياساتهم، لم يروا أنفسهم “كحراس معلومات” بل كمنصات محايدة.

إعلان

لا أخفي أني كنت متفائلة، كوني شخصيًا أتيت من الشرق الأوسط وشاهدت المعارضين يستخدمون الأدوات الرقمية لتحدي حكومة تلو الأخرى، لكن كان هناك تغير غير متوقع أخذ بالآمال أدراج الرياح.

قطع الإنترنت في مصر وتأثيره على وسائل التواصل الاجتماعي والرأى العام العالمي

خلال انتفاضة التحرير، قام المستبد حسني مبارك بقطع الخدمة الخلوية والإنترنت في مصر، وقد جاءت هذه الخطوة بنتائج عكسية، حيث حدّت من تدفق المعلومات في ميدان التحرير لكنها تسببت في ارتفاع الاهتمام الدولي بمصر، ما لم يكن يفهمه مبارك أن تدفق الانتباه هو ما يهم في القرن الواحد والعشرين، وليس المعلومات (التي لدينا الكثير منها). إلى جانب ذلك انضم الثوريون الشجعان في القاهرة إلى خدمات هواتف الأقمار الصناعية، مما سمح لهم بالاستمرار في إجراء المقابلات وإرسال الصور إلى المنظمات الإخبارية العالمية التي أصبحت الآن أكثر اهتمامًا بالثورة.

وفي غضون بضعة أسابيع، اضطر مبارك للانسحاب وحل محله مجلس عسكري، وقد كان ما حصل آنذاك قد أنذر بالكثير مما سيأتي، فقد فتح المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية على الفور صفحة على الفيسبوك وجعلها المصدر الحصري لبياناته، هذا يعني أنهم تعلموا من أخطاء مبارك وسيقلبون الطاولة على المعارضين.

وخلال بضع سنوات، سيتغير القطاع الإلكتروني في مصر بشكل كبير

فقد أخبرني أحد الناشطين البارزين في وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً: “كان لدينا نفوذ أكبر عندما كنا فقط على تويتر” وأردف قائلاً “لكنه الآن مليء بالنزاعات بين المعارضين أنفسهم والذين يتعرضون للمضايقة من قبل مؤيدي الحكومة”، في عام 2013 وفي أعقاب الاحتجاجات ضد حكومة مدنية ناشئة ولكنها مقسّمة سيطر الجيش على السلطة.

تتعلم السلطة دائمًا تمامًا كما تقع الأدوات الفعالة دائمًا في أيديها، لقد كان هذا درسًا قاسيًا للتاريخ ولكنه درسٌ مهم، من الأهمية بمكان أن نفهم كيف أن التقنيات الرقمية قد تحوّلت في غضون سبع سنوات من الترحيب بها كأدوات للحرية والتعبير والتغيير إلى أدوات لإلقاء اللوم على الانقلابات في الديموقراطيات الغربية من أجل تمكين الاستقطاب المتزايد، وتزايد السلطوية، والتدخل في الانتخابات الوطنية من قبل روسيا وغيرها.

ولكن لكي نفهم تماماً ما حدث، نحتاج أيضاً إلى دراسة كيف تم دمج الديناميكيات الاجتماعية البشرية والتواصل الرقمي في كل مكان مع نماذج الأعمال لعمالقة التكنولوجيا لخلق بيئة تزدهر فيها المعلومات الخاطئة، وحتى المعلومات الحقيقية يمكن أن تربك وتضلل بدلاً من نشر المعرفة وإنارة الطريق.

2. جُرأة الأمل

كان انتخاب باراك أوباما في عام 2008 كأول رئيس أمريكي من أصل أفريقي للولايات المتحدة قد مهّد الطريق لاستخدام الربيع العربي التكنولوجيا التي تمكّن المستضعفين، كان مرشحًا مستبعدًا، إلا أنه ظهر منتصرًا، متغلبًا على هيلاري كلينتون في الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي، ثم على منافسه الجمهوري في الانتخابات العامة.

وقد دفع كل من انتصاراته في عامي 2008 و 2012 إلى فيض من مقالات الاستحسان إثر استخدامه حملة تكنولوجية ذكية، واستخدامه البيانات المكثفة لمواقع التواصل الاجتماعي، وتعريف الناخبين، والاستهداف الدقيق -استراتيجية تسويقية تستخدم بيانات المستهلك والديموغرافيات لتحديد اهتمامات أفراد معينين أو مجموعات صغيرة جدًا من الأفراد ذوي التفكير المماثل والتأثير في أفكارهم أو أفعالهم-، وبعد فوزه الثاني عرضت مجلة MIT Technology Review  القضية على غلافها، تحت عنوان “البيانات المكثفة ستنقذ السياسة” مع مقولة: “الهاتف المحمول، والشبكة، وانتشار المعلومات؛ وصفة قاتلة للدكتاتوريين”.

بأية حال، كنت أنا وكثيرين ممن يراقبون الأنظمة الاستبدادية قلقين بالفعل، كانت إحدى القضايا الرئيسية بالنسبة لي هي كيفية استخدام تقنيات الاستهداف الدقيق، لا سيما في فيسبوك، لإحداث فوضى في الرأي العام، وقد كان صحيحًا أن وسائل التواصل الاجتماعية تسمح للمعارضين بمعرفة أنهم ليسوا وحدهم، ولكن الاستهداف الدقيق الالكتروني يمكن أن يؤدي إلى خلق عالم لا تعرف فيه الرسائل التي تصل لجيرانك أو الطريقة التي يتم بها تصميم الرسائل التي تستهدف رغباتك ونقاط ضعفك.

وعلى الرغم من أن المنصات الرقمية سمحت للشعوب بالتجمع والتشكل بطرق جديدة، إلا أنها أيضًا قامت بتفريق المجتمعات الموجودة التي كانت في يومٍ ما تشاهد نفس الأخبار التلفزيونية وتقرأ نفس الصحف، حتى أن العيش في نفس الشارع يعني أقل عندما يتم نشر المعلومات من خلال الخوارزميات المصممة لزيادة الإيرادات إلى الحد الأقصى عن طريق إبقاء الأشخاص ملتصقين بالشاشات.

لقد كان تحولاً من سياسة عامة جماعية إلى سياسة خاصة أكثر فوضوية، جنبًا إلى جنب مع الجهات الفاعلة السياسية التي تجمع المزيد والمزيد من البيانات الشخصية لمعرفة نقاط الضعف التي يمكن استغلالها، شخصًا تلو الآخر وبعيدًا عن الأنظار، كنت أخشى أن يكون كل هذا مجرد وصفة للتضليل والاستقطاب.

بعد وقتٍ قصير من انتخابات 2012، كتبت مقالة رأي لصحيفة نيويورك تايمز تعبر عن هذه المخاوف، غير راغبة في أن أبدو كشخص مثير للذعر –أنا أتفهم مخاوفي- بل في محاولة للدفاع عن الشفافية والمساءلة عن الإعلانات السياسية والمحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، على غرار الأنظمة المعمول بها لوسائل منظمة مثل التلفزيون والراديو.

وقد كان رد الفعل سريعًا إذ كتب إيثان رودر، مدير البيانات في حملة أوباما 2012، مقالة عنوانها “أنا لست الأخ الأكبر”، واصفاً مثل هذه المخاوف بـ “كلام فارغ”. إن كل محللي البيانات والديمقراطيين الذين تحدثت إليهم كانوا غاضبين بشدة من فكرتي بأن التكنولوجيا قد تكون أي شيء لكن ليس شيئًا إيجابيًا، كما ظنَّ القراء الذين علقوا على رأيي بأنني كنت مجرد “معكرة للصفو” مجادلين أن وجود تقنية تسمح للديمقراطيين بأن يكونوا أفضل في الانتخابات لا يمكن أن تشكل مشكلة.

3. وَهم الحَصانة

لم يكن ثوار ميدان التحرير ومؤيدو الحزب الديمقراطي الأمريكي الوحيدين الذين يعتقدون أنه سيكون لديهم اليد العليا دائمًا ويبقون قادرين على التحكم بزمام الأمور.

كان لدى وكالة الأمن القومي الأمريكية ترسانة من أدوات القرصنة التي تنتهج أسلوبًا مبنيًا على أساس نقاط الضعف في التقنيات الرقمية مثل استغلال الثغرات وفك الاختصارات في الرياضيات المتقدمة واستخدام قوة الحوسبة الهائلة، كان يطلق على هذه الأدوات “لا أحد غيرنا” (أو NOBUS)، مما يعني أنه لا يمكن لأي شخص آخر اختراقها، لذلك لم تكن هناك حاجة إلى تحسين وإصلاح نقاط الضعف أو جعل أمن الكمبيوتر أقوى بشكل عام، وبدت وكالة الأمن القومي تعتقد أن ضعف الأمن على الإنترنت ألحق الضرر بخصومها أكثر بكثير مما فعل تجاه الوكالة نفسها.

كانت تلك الثقة شبه مبررة للكثيرين لأنه ببساطة، بعد كل شيء، الإنترنت هو في الغالب اختراع أمريكي وتأسست أكبر شركاته في الولايات المتحدة، كما لا يزال علماء الكمبيوتر من جميع أنحاء العالم يتوافدون على البلاد على أمل العمل في وادي السيليكون –منطقة في جنوب منطقة خليج سان فرانسيسكو في كاليفورنيا وتعد موطن لكثير من شركات التكنولوجيا العالمية-، وكما أفادت التقارير تمتلك وكالة الأمن القومي ميزانية ضخمة، جنبًا إلى جنب مع الآلاف من أفضل المخترقين وعلماء الرياضيات في العالم.

ونظرًا للسرية، لا يمكننا معرفة القصة الكاملة، ولكن بين عامي 2012 و2016 لم يكن هناك على الأقل أي جهد واضح من أجل “تعزيز” البنية الأساسية الرقمية للولايات المتحدة بشكل كبير، كما لم تطرح أجهزة إنذار عالية حول ما قد تعنيه التكنولوجيا التي عبرت الحدود.

إن تدفقات المعلومات العالمية التي تيسرها المنصات العالمية تعني أن بإمكان شخص ما الآن الجلوس في مكتب في مقدونيا أو في ضواحي موسكو أو سان بطرسبرغ، وبناء ما يمكن أن نطلق عليه شبكة إخبارية محلية مثلاً في ديترويت أو بيتسبرغ في الولايات المتحدة الأمريكية.

لا يبدو أن هناك إدراكًا كبيرًا داخل مؤسسات الولايات المتحدة –أعني وكالات الاستخبارات، والبيروقراطية، وآليتها الانتخابية- بأن الأمن الرقمي الحقيقي يتطلب بنية تحتية فنية أفضل ووعي عام أفضل حول مخاطر القرصنة والتدخل والتضليل وما يفوق ذلك، يبدو أن هيمنة الشركات الأمريكية وسحرها التقني في بعض المناطق قد أعميا البلد عن الانتباه إلى نقاط الضعف المفاجئة عن نقاط الضعف الأخرى الأكثر أهمية.

4. قوّة المنصات

في هذا السياق، يبدو أن حفنة من منصات الإعلام الاجتماعي الأمريكية العملاقة قد تُركت لتتصرف بما تراه مناسبًا مع المشاكل التي من المحتمل أن تظهر، ومن غير المثير للغرابة أنها أعطت الأولوية لأسعار الأسهم والأرباح، على مدار سنوات إدارة أوباما نمت هذه المنصات بشكل مزعج وكانت غير منظمة بشكل أساسي، لقد أمضوا وقتهم في ترسيخ قواهم التقنية من أجل إجراء مَسح عميق لمستخدميهم وبالتالي حتى يصبح الإعلان على المنصات أكثر فعالية، في أقل من عقد، أصبح كلاً من جوجل وفيسبوك محتكريْن فعلييْن لسوق الإعلانات الرقمية.

وسائل التواصل الاجتماعي وبيانات المستخدمين

كما سيطر الفيسبوك على المنافسين المحتملين مثل واتساب وانستغرام بدون إطلاق إنذارات مكافحة الاحتكار، وكل هذا أعطاهما المزيد من البيانات، مما ساعدهما على تحسين الخوارزميات للحفاظ على المستخدمين على النظام الأساسي واستهدافهم بالإعلانات، سيؤدي تحميل قوائم عن رغبات المستخدمين ووجود خاصية الذكاء الاصطناعي في الفيسبوك إلى العثور على جماهير أكبر “من المحتمل بشكل كبير” تقبلها لرسالة معينة، وبعد عام 2016 سيتضح الضرر الجسيم الذي يمكن أن تحدثه هذه الميزة.

وفي الوقت نفسه، إن شركة جوجل -التي يمكن أن تؤدي تصنيفات البحث فيها إلى إنشاء شركة أو خدمة أو شخصٍ سياسيٍ أو في المقابل تدمير شركة أو خدمة أو شخصٍ سياسيٍ, والتي وصلت خدمة البريد الإلكتروني لديها إلى مليار مستخدم بحلول عام 2016- قامت أيضًا بإدارة نظام الفيديو “يوتيوب” الذي أصبح قناة للمعلومات والدعاية في جميع أنحاء العالم.

وقد توّصل تحقيق أجرته جريدة وول ستريت في وقتٍ سابق من هذا العام إلى أن خوارزمية اليوتيوب تميل إلى توجيه المشاهدين نحو المحتوى المتطرف من خلال اقتراح نسخ أكثر تنسيقاً عما كانوا يشاهدونه، وهي طريقة جيدة لجذب انتباههم.

كان ذلك مربحًا ليوتيوب، ولكنه أيضًا نعمة لحائكي المؤامرات

نظرًا لأن الأشخاص ينجذبون إلى مزاعم جديدة وصادمة، فعلى سبيل المثال لا الحصر أصبحت “ثلاث درجات من أليكس جونز” نكتة جارية بغض النظر عن المكان الذي بدأت فيه على يوتيوب، وكما قيل لم تكن أكثر من ثلاث توصيات بعيدة عن الفيديو الذي روجت فيه المؤامرة اليمينية لفكرة إطلاق النار في مدرسة ساندي هوك عام 2012 وهو ما لم يحدث قط وأن الوالدين المفجوعين ليسا أكثر من ممثلين يلعبان دورًا في مؤامرة مبهمة ضد أصحاب البندقية.

وعلى الرغم من أن تويتر أصغر من الفيسبوك وجوجل، إلا أنه لعب دوراً كبيراً بفضل شعبيته بين الصحفيين والأشخاص المنخرطين سياسياً، ففلسفته المفتوحة والمقاربة السهلة للأسماء المستعارة تناسب الثوار في جميع أنحاء العالم، ولكنها أيضاً تجذب المتخلفين المجهولين الذين يُلحقون الأذى بالنساء والمدنيين والأقليات، وفي وقتٍ سابق من هذا العام فقط، تم اتخاذ إجراءات صارمة ضد استخدام حسابات الروبوت التي يستخدمها المتصيدون لأتمتة وتضخيم نشر التغريدات المسيئة.

كما أن تنسيق تويتر المتسارع يناسب أي شخص لديه فهم احترافي أو أساسي لجذب الاهتمام، الذي يعد المورد الحيوي للاقتصاد الرقمي.

لنقل مثلاً أن شخص مثل نجم تلفزيوني لديه قدرة خارقة على التقليل من شأن الأسماء المستعارة لخصومه، ولقطع وعود متباينة ترتبط بإعادة التنظيم في السياسة الأمريكية، إعادة ترتيب غالبًا غاب عنها سماسرة السلطة الجمهوريين والديموقراطيين.

تأثير وسائل التواصل على نتيجة الانتخابات الأمريكية

لقد تفوّق دونالد ترامب، كما هو معروف على نطاق واسع، في استخدام تويتر لجذب الانتباه، لكن حملته تفوقت أيضًا في استخدام الفيسبوك حيث تم تصميمه لاستخدامه من قبل المُعلنين، لاختبار الرسائل على مئات الآلاف من الأشخاص وتبويبهم ضمن خرائط تلائم ما يمكن أن يؤثر بهم بشكل أفضل، كما قام فيسبوك بتشغيل موظفيه ضمن حملة ترامب لمساعدته على استخدام المنصة بشكل فعال (وبالتالي إنفاق الكثير من المال عليها)، لكنهم أُعجبوا كذلك بمدى أداء ترامب نفسه.

وفي مذكرات داخلية أخرى، يُقال أن الفيسبوك سيصف حملة ترامب بأنها خطوة “مبتكرة” قد يتعلم الفيسبوك نفسه منها، المثير للاهتمام أن الفيسبوك كان قد عرض خدماته لدعم حملة هيلاري كلينتون، لكن الأخيرة اختارت استخدامها بشكلٍ أقل بكثير مما فعله ترامب.

لقد برزت الأدوات الرقمية بشكل ملحوظ في الاضطرابات السياسية في جميع أنحاء العالم في السنوات القليلة الماضية، بما في ذلك اضطرابات بعيدة عن الساحة العربية.

مثل تصويت بريطانيا لمغادرة الاتحاد الأوروبي، ومكاسب اليمين المتطرف في ألمانيا والمجر والسويد وبولندا وفرنسا وأماكن أخرى، وقد ساعد الفيسبوك الزعيم الفلبيني رودريغو دوترت في استراتيجيته الانتخابية، وتم الاستشهاد به حتى في تقرير للأمم المتحدة على أنه ساهم في حملة التطهير العرقي ضد أقلية الروهينجا في ميانمار.

ومع ذلك، لا تُعد وسائل الإعلام الاجتماعية التكنولوجيا الوحيدة التي تبدو ديموقراطية على الإطلاق وتم اختيارها من قبل المتطرفين والمستبدين، إذ أن لدينا البيتكوين أيضًا -وهي عملة الكترونية تم إيجادها لإعطاء الناس الحق في أن يكونوا مجهولي الهوية وأحرار من الاعتماد على المؤسسات المالية- والتي استخدمها العملاء الروس الذين يتطلعون إلى اختراق اتصالات مسؤولي الحزب الديمقراطي لشراء أدوات مثل الشبكات الافتراضية الخاصة، والتي يمكن أن تساعد في تتبع الاشخاص على الإنترنت.

ثم استخدموا هذه الأدوات لإنشاء منظمات إخبارية محلية مزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي عبر الولايات المتحدة.

هناك بدأوا في نشر المواد التي تهدف إلى إثارة الاستقطاب، تظاهر المتصيدون الروس بانهم مسلمين أمريكيين يتعاطفون مع الإرهابيين وعنصريين بيض يعارضون الهجرة، وقد قاموا بالظهور كناشطين ضمن حركة Black Lives Matter -وهي حركة دولية نشأت في المجتمع الأميركي الأفريقي تشن حملات ضد العنف والعنصرية النظامية تجاه السود- وسعوا لكشف وحشية الشرطة ولتشجيع الأشخاص الذين أرادوا الحصول على بنادق لإطلاق النار على ضباط الشرطة.

وبذلك لم يكتفوا فقط بإشعال ألسنة اللهب وإثارة الفتنة، بل قدموا للمجموعات التي زعموا انضمامهم إليها دليلاً على أن خصومهم المتخيلين هم في الواقع فظيعون وسيئون بقدر الظنون، كما قام هؤلاء المتصيدون بمضايقة الصحفيين ومؤيدي كلينتون بشكل متواصل عبر الإنترنت، مما أدى إلى ظهور سلسلة من الأخبار حول هذا الموضوع وإثارة رواية عن الاستقطاب بين الديمقراطيين.

5. دروس العصْر

كيف حدث كل هذا؟ كيف انتقلت التكنولوجيا الرقمية من وسائل لتمكين المواطنين وإطاحة الدكتاتوريين إلى أدوات يتم استخدامها للقمع والخلاف؟ هناك عدة دروس أساسية.

أولاً: ضعف أجهزة حماية ورقابة المعلومات ذات الطراز القديم (مثل وسائل الإعلام، والمنظمات غير الحكومية، والمؤسسات الحكومية والأكاديمية)، وفي الوقت نفسه تمكين المستضعفين، الذي كان أيضًا بطريقة أخرى متواضعًا وضعيفًا للغاية.

إذ يمكن للمعارضين أن يتحايلوا بسهولة أكثر على الرقابة، في حين أن المجال العام الذي يمكنهم الوصول إليه غالبًا ما يكون مربكًا بالنسبة لهم لتكوين تأثير على أولئك الذين يأملون في إحداث تغيير اجتماعي إيجابي أن يقنعوا الناس أولاً بأن شيئًا ما في العالم يحتاج إلى التغيير، وثانيًا بأن هناك طريقة بنّاءة ومعقولة لتغييره، آخذين بعين الاعتبار أن السلطويين والمتطرفين غالبًا ما يلجؤون فقط إلى تعكير الصفو وإضعاف الثقة بشكل عام بحيث يكون الجميع قلقين للغاية لكنهم غير قادرين على التصرف في الوقت نفسه.

ثانياً: إن “حراس المعلومات الخوارزميين” الجدد ليسوا مجرد منصات محايدة (كما يودوننا أن نصدق) ومجردين من الحقيقة والباطل، ولكنهم يكسبون أموالهم عن طريق إبقاء الأشخاص على مواقعهم وتطبيقاتهم؛ التي ترتبط بشكل وثيق مع أولئك الذين يثيرون الغضب، وينشرون المعلومات المغلوطة، ويناشدون التعصب والتمييز.

وقد فشل حراس المعلومات القدامى بطرق عديدة، ولا شك أن هذا الفشل ساعد على عدم الثقة والشك؛ في حين أن الحراس الجدد ينجحون في تأجيج انعدام الثقة والشك هذا، طالما أن هناك مزيدًا من الطلب.

ثالثًا: كانت خسارة حراس المعلومات كبيرة بشكل خاص في الصحافة المحلية، في الوقت الذي نجحت فيه بعض وسائل الإعلام الأمريكية الكبيرة (حتى الآن) في النجاة من الاضطرابات التي أحدثها الإنترنت، فإن هذه الاضطرابات كادت أن تُفلس تمامًا الصحف المحلية وتضر الصناعة في العديد من البلدان الأخرى، وقد فتح ذلك أرضًا خصبة للتضليل إذ يعني ذلك أيضًا إجراء تحقيقات ومساءلة أقل لأولئك الذين يمارسون السلطة، وخاصةً على المستوى المحلي.

لقد فهم الناشطون الروس الذين أنشأوا علامات تجارية إعلامية محلية مزيفة في جميع أنحاء الولايات المتحدة التعطش للأخبار المحلية و أنغمسوا في هذه الاستراتيجية، وبدون وجود ضوابط وتوازنات محلية يزداد الفساد المحلي ويتسرب إلى دعم موجة فساد عالمية تلعب دورًا رئيسيًا في العديد من الأزمات السياسية الحالية.

يتعلّق الدرس الرابع بمسألة “غرف الصدى”، وهو ما يدّعي أننا لا نواجه عبر الإنترنت سوى وجهات نظر مماثلة لوجهات نظرنا، الأمر الذي لا يعد صحيحًا تمامًا، لا يسعنا أن ننكر أن الخوارزميات غالبًا ما تزود الأشخاص بما يرغبون في سماعه بالفعل، إلا أن الأبحاث تُظهِر أننا ربما نواجه مجموعة متنوعة من الآراء عبر الإنترنت أكثر من التي نستخدمها في وضع عدم الاتصال، أو أكثر مما كنا نفعل قبل ظهور الأدوات الرقمية.

وعلى الرغم من ذلك، تكمن المشكلة في أننا عندما نواجه وجهات نظر متعارضة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي وفي سياقها فإن الأمر لا يشبه قراءة هذه المقالات في الصحف أثناء جلوسك بمفردك، بل إنها مثل سماعك لكلام الفريق المنافس أثناء جلوسك مع زملائك المشجعين في ملعب كرة قدم، على الإنترنت نحن على اتصال مع مجتمعاتنا، ونسعى للحصول على موافقة من أقراننا ذوي الأفكار المتشابهة، نحن نرتبط مع فريقنا بالصراخ ضد جماهير الفريق الآخر.

وبحسب مصطلحات علم الاجتماع؛ نعزز شعورنا “بالانتماء إلى الجماعة” عن طريق زيادة المسافة والتوتر بيننا وبين “المجموعة المنافسة”

إن عالمنا المعرفي ليس غرفة صدى، بل هو عالم اجتماعي، هذا هو السبب في أن المشاريع المختلفة الساعية لفحص الحقائق في الأخبار، على الرغم من قيمتها، لا تقنع الناس، لأن الانتماء أقوى من الحقائق.

وقد لعبت ديناميكية مماثلة دورًا في أعقاب الربيع العربي إذ انخرط الثوار في الاقتتال على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الوقت نفسه، كان الدكتاتوريون يحشدون أنصارهم للهجوم على الثوار ويصفونهم كخونة أو أجانب، من المحتمل أن يكون هذا التصعيد والخلافات “الوطنية” أكثر شيوعًا وتهديدًا للثوار من الهجمات التي تديرها الحكومات.

هذا أيضًا هو الأسلوب الذي غذّى من خلاله المتصيدون الروس الاستقطاب في الولايات المتحدة، حيث جمعوا في وقتٍ واحد المهاجرين والسياسيين البيض ومؤيدي ترامب الغاضبين و”بيرني بروس” -بيرني بروس هي تسمية تحريضية لبعض أنصار المرشح الرئاسي الديمقراطي بيرني ساندرز في الولايات المتحدة عام 2016-، ولم يكن محتوى الحجة مهمًا، كونهم كانوا يتطلعون إلى التضليل والاستقطاب بدلاً من الإقناع.

وبدون حراس المعلومات القدامى، كان يمكن لرسائلهم أن تصل إلى أي شخص، خصوصًا مع التحليلات الرقمية في متناول أيديهم، كان يمكنهم صقل هذه الرسائل تمامًا مثل أي معلن أو حملة سياسية.

خامسًا وأخيرًا: استغلت روسيا الأمن الرقمي الضعيف للولايات المتحدة المسمى “لا أحد غيرنا” لتخريب المناقشة العامة حول انتخابات عام 2016، واعتبرت عملية التهكير والكشف عن رسائل البريد الإلكتروني من اللجنة الوطنية الديمقراطية وحساب مدير حملة كلينتون جون بوديستا حملة رقابة، ملأت القنوات الإعلامية التقليدية بمحتوىً غير ذي صلة في الغالب، وعندما هيمنت فضيحة كلينتون في البريد الإلكتروني على نشرات الأخبار، لم تحصل حملة ترامب ولا كلينتون على نوع التدقيق الإعلامي اللتين تستحقانه.

وهذا يدل في النهاية على أن “لا أحد غيرنا” يعتمد على تفسير خاطئ لما يعنيه الأمن الرقمي.

قد لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أعمق قدرات هجومية في مجال الأمن السيبراني، لكن البوديستا -الاسم الذي يطلق على بعض كبار المسؤولين في العديد من المدن الإيطالية- سقطوا بسبب الرسائل الإلكترونية المخادعة وهو أبسط أشكال القرصنة، سقط الإعلام الأمريكي تمامًا لقرصنة الانتباه، من خلال فشلهم في فهم كيفية عمل المجال الرقمي الجديد، تم شغل تفكيرهم ببعض المستنقعات المحيرة بدلاً من عملهم الأساسي. إن الأمان لا يقتصر على الأشخاص الذين يمتلكون الكثير من أجهزة الكمبيوتر العملاقة Cray و خبراء التشفير والقرصنة، بل يتعدى ذلك إلى فهم كيفية عمل الانتباه والمعلومات الزائدة عن الحد والروابط الاجتماعية في العصر الرقمي.

يفسر هذا المزيج القوي لماذا ازدهر الاستبداد والتضليل منذ الربيع العربي، ولم ينجح تنافس الأفكار الحرة، ربما يكون أبسط بيان لتوضيح المشكلة موجود ضمنيًا في بيان المهمة الأصلية للفيسبوك (الذي تغيرت فيه الشبكة الاجتماعية في عام 2017، بعد رد فعل عنيف ضد دورها في نشر المعلومات المضللة) والذي كان يشمل الهدف، ألا وهو جعل العالم “أكثر انفتاحًا واتصالاً”، إلا أنه تبين أن هذا ليس بالضرورة ما يحدث، إن طرح أسئلة بخصوص هذا الهدف مثل أكثر انفتاحًا على ماذا؟ وكيف أكثر اتصالاً؟ هي أكبر درس على الإطلاق.

6. الطريق إلى الأمام

ما الذي يجب فعله؟ لا يوجد إجابات سهلة، الأهم من ذلك؛ لا يوجد إجابات رقمية بحتة.

هناك بالتأكيد خطوات يجب اتخاذها في العالم الرقمي، وينبغي الوقوف في وجه بيئة الاحتكار الضعيفة التي سمحت لبعض الشركات العملاقة بأن تصبح شبه احتكارية، ومع ذلك فإن مجرد تفكيك هذه الشركات العملاقة دون تغيير قواعد اللعبة عبر الإنترنت قد ينتج ببساطة الكثير من الشركات الصغيرة التي تستخدم نفس التقنيات السيئة لمراقبة البيانات، والاستهداف الدقيق، و”التحريض”.

hands holding phonesببساطة يجب أن تنتهي المراقبة الرقمية على وسائل التواصل الاجتماعي في كل مكان في شكلها الحالي

كونه لا يوجد سبب مبرر للسماح للعديد من الشركات بتجميع الكثير من البيانات حول هذا العدد الكبير من الناس، إن دعوة المستخدمين إلى “النقر هنا للموافقة” على شروط الاستخدام المبهمة التي يصعب الإدلاء بها لا تنتج “موافقة مستنيرة”، لو حصل ذلك قبل عقدين أو ثلاثة عقود، قبل أن يتم استدراجنا في هذا العالم، كنا نشعر بالذعر عندما تطلب شركة ما الكثير من البيانات كنموذج عمل.

هناك العديد من الطرق لتشغيل الخدمات الرقمية دون استنزاف الكثير من البيانات الشخصية، لقد نجح المعلنون بدون ذلك من قبل، ويمكنهم فعل ذلك مرة أخرى، وربما يكون من الأفضل لو أن السياسيين لا يمكنهم استغلال ذلك بسهولة، يمكن إرفاق الإعلانات بالمحتوى، بدلاً من توجيهها إلى الأشخاص؛ فلا بأس من أن تعلن لي عن معدات الغوص إذا كنتُ في منصة نقاشية للغواصين على سبيل المثال، بدلاً من دراسة واستخدام سلوكي على مواقع أخرى لمعرفة أنني غواص ثم تتبعني في كل مكان أذهب إليه، عبر الإنترنت أو حتى في وضع عدم الاتصال.

لكننا لا يمكننا إلقاء كافة اللوم ببساطة على التقنيات الرقمية، ربما تكون الحكومة الروسية قد استخدمت منصات الإنترنت للتدخل عن بعد في الانتخابات الأمريكية، لكنها لم تخلق ظروف عدم الثقة الاجتماعية، والمؤسسات الضعيفة، والنخب المنفصلة التي جعلت الولايات المتحدة عرضة لهذا النوع من التدخل.

لم تجعل روسيا الولايات المتحدة (وحلفاؤها) تشرع في شن حرب كبرى في الشرق الأوسط، وما زالت آثارها اللاحقة -من بينها أزمة اللاجئين الحالية- تعيث في الأرض فسادًا، والتي لم يتمكن أيٌ من أجهزتها من تحمل المسؤولية، كما أن روسيا لم تخلق الانهيار المالي عام 2008، لكنه حدث من خلال ممارسات الفساد التي أثّرت على المؤسسات المالية إلى حدٍ كبير، وبعد ذلك خرجت جميع الأحزاب المذنبة براءة، وربما أكثر ثراءًا، في حين خسر ملايين الأمريكيين وظائفهم ولم يتمكنوا من استبدالها بتعويضهم بوظائف جيدة.

لم تتسبب روسيا في التحركات التي خفضت ثقة الأميركيين في السلطات الصحية والمنظمات البيئية والهيئات التنظيمية الأخرى، لم تفتح روسيا الباب بين الكونغرس ومؤسسات الضغط التي توظف سياسيين سابقين برواتب جيدة، كما أن روسيا لم توقف تمويل التعليم العالي في الولايات المتحدة، ولم تخلق شبكة عالمية من ملاذات التهرب الضريبي التي تطرق أبوابها الشركات الكبرى والأغنياء مُلّاك الثروة الهائلة بينما يتم تقليص الخدمات الحكومية الأساسية.

إن هذه هي خطوط الصدع التي بناءًا عليها يمكن كتابة بعض الميمز -النكات الساخرة التي تلعب دورًا كبيرًا-، ليس فقط النكات الروسية؛ إذ مهما فعلت روسيا فإن المساهمين المحليين في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية كانوا متحمسين أكتر من روسيا، للمشاركة في استخدام المنصات الرقمية لنشر المعلومات الخاطئة المضللة.

حتى البيئة الحرة التي تعمل فيها هذه المنصات الرقمية لفترة طويلة يمكن اعتبارها عرضًا للمشكلة الأوسع، وهو عالم لا يتمتع فيه صاحب السلطة إلا بالقليل من القيود على أفعاله بينما يتم الضغط على البقية، فالأجور الحقيقية في الولايات المتحدة وأوروبا ثابتة منذ عقود، بينما واصلت أرباح الشركات ارتفاعها، وتراجعت الضرائب على الأغنياء، كما يتنافس الشباب على وظائف متعددة ومتواضعة في كثيرٍ من الأحيان، ولكنهم يواجهون تحديات متزايدة في اتخاذ خطوة بناء الثروة التقليدية من أجل شراء منازلهم الخاصة بهم، إلا في حال وجود وِرْثة كبيرة.

إذا كان الاتصال الرقمي قد أوجد الشرارة، فقد اشتعلت لأن عملية التخريب كانت موجودة بالفعل في كل مكان، إن الطريق إلى الأمام لا يتمثل في استعطاف حراس المعلومات القدامى أو في مثالية الربيع العربي، بل في معرفة كيف يجب أن تعمل مؤسساتنا وفحوصاتنا وموازناتنا وضماناتنا الاجتماعية في القرن الواحد والعشرين، ليس فقط للتكنولوجيات الرقمية بل للسياسة والاقتصاد بشكل عام، إن تحمل هذه المسؤولية لا يقع على عاتق روسيا، أو الفيسبوك أو جوجل فقط، وإنما تقع على كواهلنا جميعًا.

فريق الإعداد

إعداد: أفنان أبو يحيى

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

تدقيق علمي: نهال أسامة، عمر العجيمي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...