تأخذك إلى أعماق الفكر

وسائل التواصل الاجتماعي ما بين تنحية السلطة والوصول لها

محاولة لفهم كيف تحولت التكنولوجيا الرقمية من أدوات لنشر الديمقراطية إلى أسلحة تستخدم لمهاجمتها، نظرة إلى ما خلف التقنيات نفسها

1. نشوة الاكتشاف

مع اشتعال فتيل الربيع العربي في منطقة الشرق الأوسط في عام 2011 وسقوط الزعماء الاستبداديين واحدًا تلو الآخر، سافرتُ إلى المنطقة في محاولةٍ لفهم الدور الذي تلعبه التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي هناك، حيث تجاذبتُ أطراف الحديث مع المتظاهرين في المقاهي بالقرب من ميدان التحرير في القاهرة، إذ أكّد العديد منهم أن وجود الإنترنت والهاتف الذكي كانا كافيين لتحقيق النصر، أيضًا في تونس أظهر لي الناشطون كيف استخدموا “أدوات مفتوحة المصدر” -برمجيات متوفرة مجانًا بدون ترخيص تجاري تتيح للمبرمجين القيام بأمور برمجية أو تقنية معينة- لتتبع رحلات التسوق إلى باريس التي قامت بها زوجة رئيسهم الأوتوقراطي باستخدام الطائرات الحكومية، وحتى السوريون الذين التقيت بهم في بيروت ما زالوا متفائلين كون بلدهم لم تنغمس بعد في حرب جهنميّة، لقد كان لدى الشباب طاقة وذكاء وروح مرحة وهواتف ذكية، وتوقعنا أن يدعم مصير المنطقة مطالبهم الديمقراطية.

وبالعودة إلى الولايات المتحدة، في حديثٍ خاص بالمؤتمر عام 2012 قمتُ باستخدام لقطة شاشة –سكرين شوت- من فيديو انتشر بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي وتم تسجيله خلال احتجاجات الشوارع الإيرانية عام 2009 لتوضيح كيف أن التكنولوجيا الجديدة جعلت من الصعب على الحكومات ووسائل الإعلام مراقبة ما يتم نشره لغايات إعاقة خطاب المعارضة أو السيطرة عليه، ولقد كان من الصعب أن نرى صورة امرأة شابة تنزف حتى الموت على الرصيف، لكن قوة المحتوى تكمن في صعوبة تقبله، فقبل عقد من الزمن لم يكن واردًا أن يتم التقاط صورة كهذه (من كان يحمل كاميرات فيديو طوال الوقت؟)، ناهيك عن سرعة انتشاره (كيف سيتم ذلك ما لم يكن لديك قناة تلفزيونية أو جريدة؟)، وحتى لو حدث أن تواجدَ مصور إخباري هناك، فإن معظم المؤسسات الإخبارية ما كانت لتنشر مثل هذه الصورة الحية.

تحدثتُ في ذلك المؤتمر عن دور وسائل التواصل الاجتماعية في تحطيم ما يسميه علماء الاجتماع بـ “تجاهل الأغلبية”

أي اعتقاد المرء في نظر نفسه أنه الوحيد الذي يرفض فكرة ما، بينما في الواقع الجميع يرفضها ويعتقد أن الجميع موافقون وبالتالي يتم إسكاتهم بشكل جماعي، كما قلت أن هذا هو السبب في أن وسائل التواصل الاجتماعية قد أثارت الكثير من التمرد، فالناس الذين كانوا منعزلين في السابق عن المعارضة وجدوا القوة والإلهام من الآخرين للقيام بذلك.

وقد قامت شركة “تويتر” بإعادة نشر ما كتبتُه بخصوص “الانضمام إلى القطيع”، وهذا يعني ضمنيًا أن تويتر يشكل قوة للخير في العالم تدعم الناس وثوراتهم، في حين أن “حراس المعلومات” الأشخاص أو الجهات التي تسعى لغربلة المحتوى قبل نشره سعيًا لإزالة أي مواد أو أفكار منه قد تعارض سياساتهم، لم يروا أنفسهم “كحراس معلومات” بل كمنصات محايدة.

لا أخفي أني كنت متفائلة، كوني شخصيًا أتيت من الشرق الأوسط وشاهدت المعارضين يستخدمون الأدوات الرقمية لتحدي حكومة تلو الأخرى، لكن كان هناك تغير غير متوقع أخذ بالآمال أدراج الرياح.

إعلان

قطع الإنترنت في مصر وتأثيره على وسائل التواصل الاجتماعي والرأى العام العالمي

خلال انتفاضة التحرير، قام المستبد حسني مبارك بقطع الخدمة الخلوية والإنترنت في مصر، وقد جاءت هذه الخطوة بنتائج عكسية، حيث حدّت من تدفق المعلومات في ميدان التحرير لكنها تسببت في ارتفاع الاهتمام الدولي بمصر، ما لم يكن يفهمه مبارك أن تدفق الانتباه هو ما يهم في القرن الواحد والعشرين، وليس المعلومات (التي لدينا الكثير منها). إلى جانب ذلك انضم الثوريون الشجعان في القاهرة إلى خدمات هواتف الأقمار الصناعية، مما سمح لهم بالاستمرار في إجراء المقابلات وإرسال الصور إلى المنظمات الإخبارية العالمية التي أصبحت الآن أكثر اهتمامًا بالثورة.

وفي غضون بضعة أسابيع، اضطر مبارك للانسحاب وحل محله مجلس عسكري، وقد كان ما حصل آنذاك قد أنذر بالكثير مما سيأتي، فقد فتح المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية على الفور صفحة على الفيسبوك وجعلها المصدر الحصري لبياناته، هذا يعني أنهم تعلموا من أخطاء مبارك وسيقلبون الطاولة على المعارضين.

وخلال بضع سنوات، سيتغير القطاع الإلكتروني في مصر بشكل كبير

فقد أخبرني أحد الناشطين البارزين في وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً: “كان لدينا نفوذ أكبر عندما كنا فقط على تويتر” وأردف قائلاً “لكنه الآن مليء بالنزاعات بين المعارضين أنفسهم والذين يتعرضون للمضايقة من قبل مؤيدي الحكومة”، في عام 2013 وفي أعقاب الاحتجاجات ضد حكومة مدنية ناشئة ولكنها مقسّمة سيطر الجيش على السلطة.

تتعلم السلطة دائمًا تمامًا كما تقع الأدوات الفعالة دائمًا في أيديها، لقد كان هذا درسًا قاسيًا للتاريخ ولكنه درسٌ مهم، من الأهمية بمكان أن نفهم كيف أن التقنيات الرقمية قد تحوّلت في غضون سبع سنوات من الترحيب بها كأدوات للحرية والتعبير والتغيير إلى أدوات لإلقاء اللوم على الانقلابات في الديموقراطيات الغربية من أجل تمكين الاستقطاب المتزايد، وتزايد السلطوية، والتدخل في الانتخابات الوطنية من قبل روسيا وغيرها.

ولكن لكي نفهم تماماً ما حدث، نحتاج أيضاً إلى دراسة كيف تم دمج الديناميكيات الاجتماعية البشرية والتواصل الرقمي في كل مكان مع نماذج الأعمال لعمالقة التكنولوجيا لخلق بيئة تزدهر فيها المعلومات الخاطئة، وحتى المعلومات الحقيقية يمكن أن تربك وتضلل بدلاً من نشر المعرفة وإنارة الطريق.

2. جُرأة الأمل

كان انتخاب باراك أوباما في عام 2008 كأول رئيس أمريكي من أصل أفريقي للولايات المتحدة قد مهّد الطريق لاستخدام الربيع العربي التكنولوجيا التي تمكّن المستضعفين، كان مرشحًا مستبعدًا، إلا أنه ظهر منتصرًا، متغلبًا على هيلاري كلينتون في الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي، ثم على منافسه الجمهوري في الانتخابات العامة.

وقد دفع كل من انتصاراته في عامي 2008 و 2012 إلى فيض من مقالات الاستحسان إثر استخدامه حملة تكنولوجية ذكية، واستخدامه البيانات المكثفة لمواقع التواصل الاجتماعي، وتعريف الناخبين، والاستهداف الدقيق -استراتيجية تسويقية تستخدم بيانات المستهلك والديموغرافيات لتحديد اهتمامات أفراد معينين أو مجموعات صغيرة جدًا من الأفراد ذوي التفكير المماثل والتأثير في أفكارهم أو أفعالهم-، وبعد فوزه الثاني عرضت مجلة MIT Technology Review  القضية على غلافها، تحت عنوان “البيانات المكثفة ستنقذ السياسة” مع مقولة: “الهاتف المحمول، والشبكة، وانتشار المعلومات؛ وصفة قاتلة للدكتاتوريين”.

بأية حال، كنت أنا وكثيرين ممن يراقبون الأنظمة الاستبدادية قلقين بالفعل، كانت إحدى القضايا الرئيسية بالنسبة لي هي كيفية استخدام تقنيات الاستهداف الدقيق، لا سيما في فيسبوك، لإحداث فوضى في الرأي العام، وقد كان صحيحًا أن وسائل التواصل الاجتماعية تسمح للمعارضين بمعرفة أنهم ليسوا وحدهم، ولكن الاستهداف الدقيق الالكتروني يمكن أن يؤدي إلى خلق عالم لا تعرف فيه الرسائل التي تصل لجيرانك أو الطريقة التي يتم بها تصميم الرسائل التي تستهدف رغباتك ونقاط ضعفك.

وعلى الرغم من أن المنصات الرقمية سمحت للشعوب بالتجمع والتشكل بطرق جديدة، إلا أنها أيضًا قامت بتفريق المجتمعات الموجودة التي كانت في يومٍ ما تشاهد نفس الأخبار التلفزيونية وتقرأ نفس الصحف، حتى أن العيش في نفس الشارع يعني أقل عندما يتم نشر المعلومات من خلال الخوارزميات المصممة لزيادة الإيرادات إلى الحد الأقصى عن طريق إبقاء الأشخاص ملتصقين بالشاشات.

لقد كان تحولاً من سياسة عامة جماعية إلى سياسة خاصة أكثر فوضوية، جنبًا إلى جنب مع الجهات الفاعلة السياسية التي تجمع المزيد والمزيد من البيانات الشخصية لمعرفة نقاط الضعف التي يمكن استغلالها، شخصًا تلو الآخر وبعيدًا عن الأنظار، كنت أخشى أن يكون كل هذا مجرد وصفة للتضليل والاستقطاب.

بعد وقتٍ قصير من انتخابات 2012، كتبت مقالة رأي لصحيفة نيويورك تايمز تعبر عن هذه المخاوف، غير راغبة في أن أبدو كشخص مثير للذعر –أنا أتفهم مخاوفي- بل في محاولة للدفاع عن الشفافية والمساءلة عن الإعلانات السياسية والمحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، على غرار الأنظمة المعمول بها لوسائل منظمة مثل التلفزيون والراديو.

وقد كان رد الفعل سريعًا إذ كتب إيثان رودر، مدير البيانات في حملة أوباما 2012، مقالة عنوانها “أنا لست الأخ الأكبر”، واصفاً مثل هذه المخاوف بـ “كلام فارغ”. إن كل محللي البيانات والديمقراطيين الذين تحدثت إليهم كانوا غاضبين بشدة من فكرتي بأن التكنولوجيا قد تكون أي شيء لكن ليس شيئًا إيجابيًا، كما ظنَّ القراء الذين علقوا على رأيي بأنني كنت مجرد “معكرة للصفو” مجادلين أن وجود تقنية تسمح للديمقراطيين بأن يكونوا أفضل في الانتخابات لا يمكن أن تشكل مشكلة.

3. وَهم الحَصانة

لم يكن ثوار ميدان التحرير ومؤيدو الحزب الديمقراطي الأمريكي الوحيدين الذين يعتقدون أنه سيكون لديهم اليد العليا دائمًا ويبقون قادرين على التحكم بزمام الأمور.

كان لدى وكالة الأمن القومي الأمريكية ترسانة من أدوات القرصنة التي تنتهج أسلوبًا مبنيًا على أساس نقاط الضعف في التقنيات الرقمية مثل استغلال الثغرات وفك الاختصارات في الرياضيات المتقدمة واستخدام قوة الحوسبة الهائلة، كان يطلق على هذه الأدوات “لا أحد غيرنا” (أو NOBUS)، مما يعني أنه لا يمكن لأي شخص آخر اختراقها، لذلك لم تكن هناك حاجة إلى تحسين وإصلاح نقاط الضعف أو جعل أمن الكمبيوتر أقوى بشكل عام، وبدت وكالة الأمن القومي تعتقد أن ضعف الأمن على الإنترنت ألحق الضرر بخصومها أكثر بكثير مما فعل تجاه الوكالة نفسها.

كانت تلك الثقة شبه مبررة للكثيرين لأنه ببساطة، بعد كل شيء، الإنترنت هو في الغالب اختراع أمريكي وتأسست أكبر شركاته في الولايات المتحدة، كما لا يزال علماء الكمبيوتر من جميع أنحاء العالم يتوافدون على البلاد على أمل العمل في وادي السيليكون –منطقة في جنوب منطقة خليج سان فرانسيسكو في كاليفورنيا وتعد موطن لكثير من شركات التكنولوجيا العالمية-، وكما أفادت التقارير تمتلك وكالة الأمن القومي ميزانية ضخمة، جنبًا إلى جنب مع الآلاف من أفضل المخترقين وعلماء الرياضيات في العالم.

ونظرًا للسرية، لا يمكننا معرفة القصة الكاملة، ولكن بين عامي 2012 و2016 لم يكن هناك على الأقل أي جهد واضح من أجل “تعزيز” البنية الأساسية الرقمية للولايات المتحدة بشكل كبير، كما لم تطرح أجهزة إنذار عالية حول ما قد تعنيه التكنولوجيا التي عبرت الحدود.

إن تدفقات المعلومات العالمية التي تيسرها المنصات العالمية تعني أن بإمكان شخص ما الآن الجلوس في مكتب في مقدونيا أو في ضواحي موسكو أو سان بطرسبرغ، وبناء ما يمكن أن نطلق عليه شبكة إخبارية محلية مثلاً في ديترويت أو بيتسبرغ في الولايات المتحدة الأمريكية.

لا يبدو أن هناك إدراكًا كبيرًا داخل مؤسسات الولايات المتحدة –أعني وكالات الاستخبارات، والبيروقراطية، وآليتها الانتخابية- بأن الأمن الرقمي الحقيقي يتطلب بنية تحتية فنية أفضل ووعي عام أفضل حول مخاطر القرصنة والتدخل والتضليل وما يفوق ذلك، يبدو أن هيمنة الشركات الأمريكية وسحرها التقني في بعض المناطق قد أعميا البلد عن الانتباه إلى نقاط الضعف المفاجئة عن نقاط الضعف الأخرى الأكثر أهمية.

4. قوّة المنصات

في هذا السياق، يبدو أن حفنة من منصات الإعلام الاجتماعي الأمريكية العملاقة قد تُركت لتتصرف بما تراه مناسبًا مع المشاكل التي من المحتمل أن تظهر، ومن غير المثير للغرابة أنها أعطت الأولوية لأسعار الأسهم والأرباح، على مدار سنوات إدارة أوباما نمت هذه المنصات بشكل مزعج وكانت غير منظمة بشكل أساسي، لقد أمضوا وقتهم في ترسيخ قواهم التقنية من أجل إجراء مَسح عميق لمستخدميهم وبالتالي حتى يصبح الإعلان على المنصات أكثر فعالية، في أقل من عقد، أصبح كلاً من جوجل وفيسبوك محتكريْن فعلييْن لسوق الإعلانات الرقمية.

وسائل التواصل الاجتماعي وبيانات المستخدمين

كما سيطر الفيسبوك على المنافسين المحتملين مثل واتساب وانستغرام بدون إطلاق إنذارات مكافحة الاحتكار، وكل هذا أعطاهما المزيد من البيانات، مما ساعدهما على تحسين الخوارزميات للحفاظ على المستخدمين على النظام الأساسي واستهدافهم بالإعلانات، سيؤدي تحميل قوائم عن رغبات المستخدمين ووجود خاصية الذكاء الاصطناعي في الفيسبوك إلى العثور على جماهير أكبر “من المحتمل بشكل كبير” تقبلها لرسالة معينة، وبعد عام 2016 سيتضح الضرر الجسيم الذي يمكن أن تحدثه هذه الميزة.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: أفنان أبو يحيى

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

تدقيق علمي: نهال أسامة، عمر العجيمي

تعليقات
جاري التحميل...