تأخذك إلى أعماق الفكر

قراءة في كتاب الإرهاب لفرج فودة

في ظل الهجمات الإرهابية التي نتعرض لها باستمرار مع زيادة ضحايا هذه الهجمات كما حدث في مسجد الروضة بالعريش نعيد قراءة كتاب الإرهاب تأليف أحد ضحايا ذلك الفعل الأسود وهو فرج فودة الذي أثار ضجة في التسعينات من القرن الماضي بمؤلفاته . كثير من الناس عندما يرون إسم فرج فودة يمتنع عن قراءة مؤلفاته بل واتهام كل من قام بقراءتها بمحاربة دين الله وفي المقابل كثير أيضا يسعى لقراءة مؤلفاته بدون مراجعة ، وهذا للأسف يحدث في أمتنا العربية كثيرا بسبب أن ثقافة الأغلبية أصبحت ثقافة السعي وراء الأشخاص لا الأفكار كما تفعل الأمم المتقدمة ، فنجد الأشخاص يحكمون على الفكرة بالشخص وليس العكس .

نحاول الآن قراءة الكتاب وتحليل ما فيه من أفكار للوقوف على أسباب ما وصلنا إليه من تعصب وكره . وما حدث لمصر بعد أن كانت منبع الأفكار . يقول فرج فودة أن العقل المصري قابل للمحاورة معك مهما اختلفت معه بشرط أن تكون واضحا ومقنعا ، وهو أيضا مستعد لتلقي آرائك مهما كانت بشرط أن يتيقن من صدقك في التعبير والدفاع عنه ولعل هذا يفسر لنا تقبل المصريين لفكر رواد الحضارة في بداية القرن من أمثال الطهطاوي وعلى مبارك وأحمد لطفي السيد وسعد زغلول وقاسم أمين وغيرهم .

وقبل قراءة الكتاب أسجل اعتراضي على الصورة التي على الغلاف والتي تعتبر أحد ملامح العنصرية ضد شكل معين أو طريقة رداء معينة ، لكن من جهة أخرى فإن من يقومون بهذه الأعمال يحاولون قدر الإمكان الظهور بهذا المظهر حتى رسخوا الفكرة النمطية الإرهابية عن اللحية والجلباب .

الإرهاب :
يعترض فرج فودة في هذا الفصل على طريقة تعامل بعض الأقلام مع محاولة اغتيال أبو الباشا ( وكان وزيرا للداخلية في الفترة 1982 م – 1984م ) فيقول أنه بعد الحادث كان من البديهي أن يتجه فكر أي شخص للتنظيمات الدينية ولكنه وجد أن الأقلام تتبارى في محاولة نفي التهمة عن هذا الاتجاه بالتحديد ، وتم تحويل أدلة الاتهام لأدلة براءة وكانت النغمة السائدة فيما كتب أن ظهور الجناة باللحية ووجود أحدهم بالجلباب دليل نفي للاتهام عن الجماعات ، لأنه على حسب قولهم لايعقل أن تكون عملية مخططة كهذه يتطوع المخطط بكشف هوية الجناة ، ويرد فرج فودة أن العملية ليس فيها تخطيط وأنها شأن جميع عمليات الجماعات تمارس بمنطق قصعة الثريد حيث يتبارى الجميع في غمس اليد بحثا عن الصيد ، وكدليل على عدم التخطيط هو اختيار موقع الحادث أمام بيت حسن أبو باشا مع الرغم من شدة الحراسة ولو حاولوا اغتياله على بعد مائة متر لوجدوه وحيدا ، كما يسرد أدلة أخرى على عدم التخطيط الجيد في عملياتهم

انتقل فرج فودة بعد ذلك لبعض الأمور التي تساعد هذا الشباب على التصرف بهمجية بهذا الشكل منها فتاوى الأمراء بقصر موعود في الجنة ووجود محامين يتلمظون لتصفية حساباتهم مع السلطة وصحف المعارضة تخلق أسبابا لشرعية هذا الأغتيال بسبب التعذيب في أقسام الشرطة ، واستغلال الإسلام عندما يصرخ المتهمون في قفص الاتهام بقولة إسلامية إسلامية ، وهذا يولد الخوف لدى القاضي عندما يتذكر الخازندار الذي اغتيل في وضح النهار ، هذا بالإضافة لموقف القيادات الحزبية وكتاب الصحف القومية عندما يدافعون هم أيضا لأن المكسب مضمون وذلك عندما يتذكرون أقساط المدارس الأجنبية وجهاز البنت البكرية وكابينة الإسكندرية ، وربما يخرج قاض عامل مثل المستشار غراب الذي ذرف الدمع من أجل عبود الزمر في جريدة الأحرار ، كما يقوم أعضاء النقابات من الأخوة المجاهدين الذين يجيدون الإضرابات ويعتصمون ليس استنكارا للإرهاب وإنما استنكارا للتعامل معه والرد عليه .

إعلان

الإرهاب حسب الطلب :
لايعيش الإرهاب ولاينمو غلا في ظل الديماجوجية عندما تفقد العين القدرة على التمييز بين الإرهاب والشرعية ، فهناك إرهاب شرعي وإرهاب غير شرعي ، فقاتل السادات شهيد لأن البعض يكره السادات بينما قاتل الشرطة في أسيوط إرهابي ، ولتوضيح فكرته استنكر اغتيال الملحق الإداري الإسرائيلي في مصر ووصفه بالإرهاب عندما سأله أحدهم عن رأيه ، لأن من يريد اغتيال إسرائيلي فأمامه أرض الله واسعة ولكن عندما يقوم بذلك على أرض مصر فيصبح الحادث موجها لأمن مصر ولسلطة الدولة ، كما أن هذا العمل يؤدي لأعمال مشابهه ممكن أن تحدث إذا اتبعنا نفس النهج والتبرير مثل قتل أعضاء موظفي السفارات الإشتراكية لأنهم ملحدون ، ويقتل اليساريون موظفي السفارات الغربية لأنهم امبرياليون وسوف يجد كل فريق حججا أكثر من وجيهه لتبرير مايفعل ، فلماذا أيضا لانتوقع أن يغتال شباب حزب الأحرار رئيس التجمع وأن يرد شباب التجمع التحية بأحسن منها لرئيس حزب الأحرار ، ويمكن أن نستطرد إلى أن يصل الأمر لاغتيال صالح سليم رئيس النادي الأهلي على يد الزملكاوية الأصوليين ، ويهاجم بشدة حزب التجمع بسبب تحول صحيفتهم لمهرجان تحية لسليمان خاطر لأنه قتل مجموعة من السياح الإسرائيلين ، ولم يقف أحدهم ليفكر كيف يوصف قاتل أطفال ونساء وشيوخ عزل بالبطولة وكيف يتبارى الجميع في اختلاق مبررات له .

الشائعات والطلقات :
من أكثر أساليب الإرهاب نجاحا الشائعات الكاذبة المدروسة وهي تعتبر ستار الدخان الذي يحمي الإرهابيين ، ومنها مثلا ما أشيع عقب محاولة اغتيال أبو باشا من أنه رمى بالمصحف على الأرض ثم داسه بالأقدام ، والغريب أن الإشاعة لاقت صدى واستجابة ليس فقط بين البسطاء بل أيضا بين أصحاب المستوى التعليمي المرتفع ، حيث استمعوا إليها دون استعداد للمناقشة وربطوا بينها وبين الحادث فأراحوا أنفسهم دون تفكير ، وكانت النتيجة أن رد الفعل الشعبي في استنكار الإرهاب أقل مما هو متوقع ، ولعلنا نتذكر شائعة مماثلة وقت أن تحركت الجماعات الإسلامية ضد عميد طب القاهرة وأشاعوا أنه نزع النقاب بيده من على وجه طالبة ، وهو مانفته الطالبة نفسها ولكن ذلك لم يمنع الهياج والتهييج والمظاهرات والاحتجاجات ، وقريب منه ماحدث في نفس الكلية حيث أقيمت حفلة دعيت لها فرقة المصريين بقيادة هاني شنودة وأشاعت الجماعات أن هذه الفرقة متخصصة في تمزيق المصاحف ورميها على الأرض والرقص عليها ووقتها اضطرت إدارة الكلية لإقامة الحفل تحت حراسة الأمن المركزي .

ولو قدر للمتطرفين أن ينشئوا مدرسة للارهاب لكان الدرس الأول فيها ” لاتتسرع بإطلاق الرصاص وابدأ أولا بإطلاق الشائعات ” وأسهل الشائعات أن تتهم الضحية بتمزيق مصحف أو بأنه شتم سيدنا الحسين أو أنه يتباهى بالكفر والإلحاد أو أنه شتم الدين الإسلامي وسوف تتشر الشائعة كالنار في الهشيم وبعدها لك أن تقدم آمنا مطمئنا على إطلاق النار ، ويحلل فرج فودة بعض الشائعات مثل إرسال أمريكا فراخ مميتة لنا ورش المسيحون سبراي يظهر صليبا على ملابس الفتيات المسلمات ، ويحاول إرشاد الناس بضرورة تحليل هذه الأخبار أولا قبل تصديقها حتى لاتتحول مبررا لقتل أناس بسبب هذه الشائعات .

التعذيب والإرهاب :
هناك مقولة شائعة تحتاج لمراجعة وهي أن الإرهاب السياسي الديني كان نتيجة مباشرة للتعذيب في سجون عبد الناصر ، والمحتجون بذلك يدللون عليه بأن فكرة تنظيم التكفير والهجرة قد اختمرت في ذهن شكري مصطفى تحت جلدات السياط ومعالم على الطريق لسيد قطب قد كتب أغلبه في السجن ، والحجة للوهلة الأولى قد تبدو وجيهه لكن محاولة التعامل معها بالمناقشة والتحليل قد تثبت العكس .

فلو جاز لنا التسليم بما سبق فكيف لنا أن نبرر حوادث الإرهاب السياسي الديني في نهاية الأربعينات وكيف لنا أن نبرر اغتيال الخازندار ومحاولة نسف محكمة الاستئناف وانفجار السياة الملغومة في شركة الإعلانات الشرقية وانفجارات السينما وشيكوريل وحارة اليهود واغتيال النقراشي ، هل نبرر ذلك كله بالتعذيب على يد النقراشي مثلا ؟ إن أحدا لا يقبل ذلك ولا يملك أن يدعيه بل إن القصص التي تحكى لنا عن السجون السياسية تعز على التصديق فقد كانت غاية في الراحة والنظافة واحترام الأدمية وكان يسمح فيها في بعض الأوقات بخروج المسجونين لعيادات الأطباء أو لممارسة واجبات الزوجية ، ناهيك عن مصروف جيب كان يصرف لكل فرد منهم .

وإذا صدقنا ما ادعوه عما حدث لهم بعد مصرع النقراشي من ضغوط أو حتى تعذيب في عهد إبراهيم عبد الهادي فهل يصلح ذلك سببا مباشرا لمحاولة اغتيال عبد الناصر الذي احتضن تنظيم الأخوان وأقسم أمام قبر البنا على الإنتقام له وحاكم عبد الهادي على تعذيبه للإخوان وحكم عليه بالاعدام ثم خففه للمؤبد .

إن الإرهاب السياسي الديني قد بدأ مع نشأة الأخوان المسلمين حيث كانت البيعة تتم على المصحف والمسدس كما ذكر المرشد العام أبو النصر في مذكراته المنشورة بجريدة الاحرار ، والمراجع لاعترافات عبد المجيد حسن قاتل النقراشي ينزعج أشد الإنزعاج لما سرده عن دروسه عن دروس الوعظ في التنظيم السري وكيف درس هم الفقهاء أن الاغتيال السياسي سنة وان دليلهم على ذلك قتل كعب بن الاشرف والشاعرة العصماء والشاعر أبو عفك ، وحاش لله أن يكون ذلك صحيحا . وأن من يحتج عليهم بآية ” ولاتقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ” كان الرد أن هذا ( وأيم الله ) هو الحق .

نشأة الإرهاب إذن مرتبطة بعقيدة التنظيم السري وليس بالمناخ السياسي السائد .
بيد أني أحذر القارئ من ان يتصور أنني أدافع عن القمع أو أحبذ التعذيب بل أنني أربأ بالقارئ من أن يخطر ذلك على بابه ، فأنا أفعل شيئا أخر ربما لم يتعوده القُراء وهو عرض جانبي الحقيقة و وجهي العملة ، بينما تعود أغلبنا أن نفكر في اتجاه واحد   يكتب متبنيا رأيا مسبقا أو ملتزما بمنهج محدد سلفا .

الاسلام هو الحل :
الإسلام الآن مجهول للناس لايعرفه أحد ، إن كل مسلم يعرف ماأمر به الله ومانهى عنه ، فما هو المطلوب ؟ سألنا خاصة الناس فأحالونا إلى عامة الناس وأجابوا بكل بساطة وسهولة أن كل مسلم يعرفه ، ولعله تصور أننا نسأل عن عدد ركعات الصلاة أو عدد أركان الاسلام ، ونذكر مانشرته جريدة الأحرار بتاريخ 18 مايو عام 1987 م للكاتب الإسلامي عبد الله السمان يرد فيه على نفس المطالبة بالبرنامج السياسي محتجا بأن الرسول قد قضى سنوات الدعوة في مكة دون أن يكون له برنامج سياسي وعندما أمن المسلمون من الخوف والفزع في يثرب أقام الرسول البناء ، ومن هنا لايحق لنا مطالبته وأنصاره ببرنامج سياسي حتى يستقر له ولأنصاره أمر الحكم كما استقر للرسول في يثرب ، ملوب منا جميعا وفق منهج الكاتب أن نعطيه شيكا بالتأييد على بياض حتى وأن نوصله هو وأنصار للحكم وساعتها سوف يستخرجون لنا الكنز ، ياألطاف الله الخفية ، هل هانت عقولنا عليهم إلى هذا الحد أين هم من الرسول وأين نحن من كفار قريش ، أين أتباعهم من مسلمي يثرب وأين نحن المعترضين عليهم من قبائل الجزيرة الكافرة ؟

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.