تأخذك إلى أعماق الفكر

من علم النفس: تسعة دروس أساسية لفهم الحقبة الترامبية

يتناول هذا المقال الفترة الرئاسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الناحية النفسية والاجتماعية، ويقدّم توضيحًا للمنطق الدافع، الانحياز، الأخبار المزيّفة، نظريّات المؤامرة، وغيرها، والتي أمكن دراستها وتقديم الأمثلة عليها في ضوء “الحقبة” الترامبية لأنّها الأكثر تشوّشًا وتخبُّطًا؛ يتّضح فيها تلاطم الرأي العام والأرجحة النفسية التي يتعرّض لها الشارع الأمريكي -والعالمي إن صحّ القول- ولأنّ ترامب يمتلك سيطرة نافذة مكّنته من الهيمنة على أفكار الشعب الأمريكي وتغييرها في كثير من الأحيان. ونرى أهميّة نقل هذا المقال إلى العربيّة كونه خطوة لملاحظة ما تفعله الأحداث السياسية والأخبار المزيفّة والإعلام الكاذب في عقولنا.

-كَتَبه: بريان ريسنك 

– ترجَمَهُ للعربية فريق من عائلة المحطة: ضحى حمد، نور العليمي، محمد السيد، إيمان الحاج عيد  

في يناير عام 2017، عندما ادّعت شون برايسر Sean Spicer، السكرتيرة الصحفيّة للبيت الأبيض آنذاك، أنّ حفل تنصيب الرئيس دونالد ترامب كان الأكثر مشاهدة على مرّ التاريخ، كان ذلك بمثابة الإعلان عن حقبة سياسية جديدة مظلمة. ولمّا اتّضح الوضع السياسيّ أكثر، تكشّف انطواء حقبة ترامب السياسية المحافظة على القِبَلية والخوف وتصديع الإحساس بواقع مشترك.

أما أنا فقد قضيت وقتًا طويلًا خلال السنوات العديدة الماضية أعدّ تقاريرًا في علم النفس السياسي، وأسأل أهمّ خبراء السلوك البشري عمّا يحدث في الولايات المتحدة “بحقّ الجحيم”.. ولحسن الحظّ أنّنا، في بعض الأحيان، نجد إجابات لأسئلتنا الملحّة.

إعلان

وقد يزعجنا التفكير بأنّ قادتنا، والجماعات التي ننتمي إليها منذ ولدنا، والبروباغندا “echo-chamber” كلّها تستطيع استخراج أسوأ ما فينا من انحيازات نفسية. ويقول دومينيك بروسارد، باحث في الاتصالات من جامعة ويسكونسن ماديسون، أنّه “في نهاية المطاف، كلّنا بشر وكلّنا نستخدم نفس العمليّات السيكولوجية”. فإذا أخذنا هذا بالحسبان سنكون على أعتاب فهمِ ما تفعله الأحداث السياسية في عقولنا. ولنحذر، فما تفعله ليس جميلًا على الإطلاق.

قبل التفصيل، سأُفرد لكم هنا بعض الدّروس من علم الاجتماع، أعود إليها بين الفينة والأخرى فتساعدني على تفسير ما يحدث في أمريكا في حقبة ترامب هذه:

  • الانحياز لجماعة يغيّر إدراكنا للعالم
  • نستطيع أن نحصّن أنفسنا ضدّ الحقائق غير المريحة
  • قادة مثل ترامب سيمتلكون قوى استثنائية يستطيعون بها أرجحة الرأي العام
  • لا يتخذ الناس قراراتهم استنادًا إلى الحقائق في أغلب الأحيان
  • الخصوم السياسيون غالبًا ما يكونون سيئين للغاية في جدالاتهم
  • خوف العِرق الأبيض من أن يتمّ استبدالهم يسيطر عليهم بصورة لا تصدّق
  • من السّهل جدًّا شلّ الإحساس بالمعاناة المشتركة
  • تقتات الأخبار المزيّفة على انحيازاتنا، وسيكون من الصّعب القضاء عليها
  • قد تكون نظريّات المؤامرة متفشّية، إلا أنّها ليست إلا ردّ فعل على عالَم مظلم غامض.

1) المنطق الدافع: الانحياز لجماعة يغيّر إدراكنا للعالم

لقد تمّت تسمية علم النفس بالعلم الصّعب، هذا لأنّ العقل الإنسانيّ ينطوي على كثير من التناقضات الفوضويّة. حتى أفضل الباحثين سيتعرقلون بهذه التناقضات، وسيتطلّب منهم الأمر عقودًا من البحث لتكوين نظريّة نفسية، والتي من الممكن أن تُنقَض خلال أشهر قليلة بدليلٍ جديد. ورغم خلل علم النفس إلا أنه يبقى الأداة العلمية الأفضل بين أيدينا لفهم السلوك البشريّ.

الفكرة النفسية الرئيسة التي ننطلق منها لفهم السياسة هي “المنطق الدافع”. وتعني أنّ الانحياز لجماعة أو فريق ما سيؤثر في رؤيتك للواقع.

إنّ جماعاتنا التي ننتمي إليها هي عدساتنا لرؤية العالم من حولنا وتفسيره.

ماذا يفعل بنا الانتماء إلى جماعات معيّنة؟

في خمسينيات القرن العشرين، لاحظ علماء النفس أنّ مشجّعِي فريقَي كرة قدم خَلَصوا إلى استنتاجات مختلفة جدًّا حول الفريق الذي يستحقّ مخالفةً لِلَعِبِه الفظّ. فرغم أنّهم كانوا يشاهدون نفس اللقطات من المباراة، إلا أنّهم وكأنهم كانوا يشاهدون مبارتين مختلفتين.

وفي دراسة أكثر حداثة، عرض الباحثون على المتطوّعين فيديو لاحتجاجات قَمَعتها الشرطة. وقد قيل لبعض المتطوعين أنّ الاحتجاجات كانت ضدّ عمليّات الإجهاض، وقيل للبعض الآخر أنّها كانت لدعم حقوق المثليّة الجنسية. في حالة الاحتجاجات ضدّ الاضطهاد، اعتقد المتطوعون الذين يناصرون الإجهاض أنّ المتظاهرين كانوا فوضويّين. أما في الحالة الثانية، فقد عبّر الذين هم على مستوى عالٍ من مُثُل المساواة الإنسانية عن دعمهم للمحتجّين.

لقد شاهد المتطوعون نفس اللقطة! وكلّ ما تغيّر هو توضيح السّبب وراء هذه الاحتجاجات والجماعات التي ينتمي إليها المتطوّعون.

شيء واحد أساسيّ نعلمه بخصوص المنطق الدافع هو أنّنا بالغالب لا ندرك أنّنا ننصاع للانحياز. إذ أنّنا أسرع في ملاحظة المعلومات التي تؤكّد على ما نعلمه مسبقًا، الأمر الذي يُعمينا عن الحقائق التي تَنقضها.

ويمكن أن يؤدّي بنا انحيازنا إلى عقلنة العبث المنطقي! ومثال ذلك: اقتراح رئيس مجلس البحوث العائلي المحافظ على ترامب بأنه يجب أن يحصل على فرصة أخرى لعلاقته المزعومة مع ممثلة إباحية!

ولعلّ كوننا جزءًا من فريق يجعلنا أكثر عرضة لتذكّر والإيمان بقصص الأخبار المزيّفة. ففي دراسة عام 2013، كان الليبراليون يتذكرون (خطأً) أنّ الرئيس جورج دبليو بوش كان في إجازة مع أحد المشاهير خلال كارثة إعصار كاترينا في عام 2005. أمّا المحافظون فكانوا يذكرون أنّ الرئيس باراك أوباما قد صافح رئيس إيران (الأمر الذي لم يحدث).

عندما يتغيّر حال جماعاتنا ستتغير آراؤنا تبعًا لذلك؛ فعندما استطلعت “جالوب” آراء الأميركيين في الأسبوعين السابق والتالي للانتخابات الرئاسية، قَلَب الديمقراطيون والجمهوريون تصوّراتهم عن الاقتصاد، على الرغم من أنه لم يتغيّر شيء في الواقع بشأن الاقتصاد، وكلّ ما تغير هو الحزب الذي فاز. وبدت الاحتمالات الاقتصادية للبلاد -فجأة- أفضل بكثير بالنسبة للجمهوريين بمجرّد فوز مرشحهم.

لاحظ علماء النفس أنّه عندما يتم تصنيف مجموعة من الأشخاص عشوائيًا إلى جماعات “زرقاء” عشوائية وجماعات “حمراء” فإنّهم سيبدأون بالانحياز إلى الجماعات التي تصنّفوا بحسبها. فنحن معرّضون جدًّا لرؤية العالم: “نحن” مقابل “هُم”. لكنّ حقيقة أنّ تفضيلات مجموعتنا تتشكل بسرعة، يعني أنها تتغيّر بسهولة أيضًا: نبدأ في رؤية الأشخاص بشكل أكثر إيجابية إذا اعتبرناهم رفاقنا. فهذه عمليّات مرنة.

2) التقدّم التكنولوجيّ قد يعمل على تقوية جهاز المناعة الأيدولوجيّ ضدّ الأفكار الهدامة

العقل البشريّ عبارة عن أداة ماهرة، نستخدمها في إرسال الصواريخ إلى القمر وفي اختراع أشياء رائعة كالبيتزا وأجهزة التكييف. لكن لماذا نصرّ على إبداء عدم مهارتنا في أغلب الأحيان؟

الافتراض الأول: نحن أصبحنا أكثر ذكاءًا لمقدرتنا على التعاون والعمل في مجموعات. وقمنا بتطويع هذه المهارات لعمل إنجازات عظيمة في العلوم والرياضيات. إلا أننا عندما نتعرض للضغوطات نوجّه كلّ إمكانات عقولنا لحماية المجموعة حيث ننتمي.

في ضوء هذا، يمكننا اعتبار أنّ الدوافع المنطقية لدفاعاتنا الشرسة عن المجموعة تتمثل في عملية التأقلم التي تساعد على ربطنا بالآخرين وبالتالي تساعد على بقائنا. كما أنها تعمل على جعل أفراد المجموعة يتشاركون واقعهم المشترك. وهذا يقودنا لتفضيل الناس الذين يمكن اعتبارهم “نحن”، وتجنب الناس الذين يمكن اعتبارهم “هم”.

يجبرنا هذا على تجنب الأفكار غير المعهودة والتي يمكن أن تؤذي مجموعاتنا. ويمكنك ملاحظة أنّ نظام المناعة هذا يعمل بالفعل في الوقت الراهن، كما أنّ علماء النفس يؤكدون ذلك.

في عام 2017 نُشرت تجربة في “جريدة علم النفس الاجتماعي التجريبي” حيث يتمّ إعطاء المشاركين خيارين. إما أن يقرأوا أحد وجهات النظر التي تتعلق بشيء يتفقون معه – كزواج المثليين مثلًا – أو يقرأون عن شيء لا يتفقون معه. إذا اختار المشاركون قراءة رأي يتفقون معه يدخلون السحب لكسب 7 دولار، وإذا اختاروا قراءة رأي لا يتفقون معه لديهم إذن الفرصة لكسب 10 دولارات.

وقد تعتقد أنّ الناس يريدون الفوز بمال أكثر، فالمال الكثير خير من القليل على كلّ حال.

ولكن.. لا. الأغلبية بنسبة حوالي 63% من المشاركين اختاروا بالفعل ما يتّفقون معه متخلّين عن الفوز بـ 10 دولارات. وتعقيبًا على هذا قال جيرمى فريمر، عالم النفس في جامعة وينيبيج، والذي قاد التجربة: “هم لا يعرفون ما تتضمنه وجهات النظر الأخرى، بل لا يريدون أن يعرفوا من الأساس”.

خلال تجربة أخرى، قام فريمر وعدد من الطلبة الجامعيين بإعطاء سؤال للمشاركين حيث يجب على كلّ مشارك إعطاء نسب لمدى اهتمامه بفهم وجهات النظر السياسية الأخرى مقارنة ببعض الأنشطة مثل “مشاهدة فلم”، “الجلوس الهادئ”، “الخروج في نزهة في يوم مشمس”، وأيضاً “خلع ضرس”.

النتائج: الاستماع إلى وجهات النظر السياسية الأخرى نال نفس درجة النفور التي ينالها خلع الأسنان.

هذه هي النقطة الرئيسية التي لا يضعها الجميع في الحسبان عند مناقشة “الأخبار المزيفة”. المشكلة أنّ الأنظمة الأيكولوجية لوسائل الإعلام أصبحت تتجنب ذكر الحقائق غير المتوافقة مع نظرتنا الخاصّة للعالم، وتبقينا على اتصال دائم بما نحبه، وهذا يؤدي إلى رفض أيّ فكرة قد تخالف وجهات نظر المجموعة التي ننتمى إليها، هذا ما يفعله جهازنا المناعيّ تمامًا؛ فهو يقاوم أيّ أشياء غريبة قد تدخل الجسم.

في عام 2017 قال جوناس كابلان، عالم النفس في جامعة كاليفورنيا: “إنّ مسؤولية العقل الرئيسة هي الاعتناء بالجسد، وحمايته، وإنّ طبيعة المرء النفسية عبارة عن امتداد لدماغه، فعندما نشعر بتعرضنا للهجوم، يقوم دماغنا بتسخير كلّ إمكاناته الدفاعية لحماية الجسد كله”.

وأخيرًا، هناك نقطة مهمه جدًا تجعل الناس يبتعدون عن الحقائق، وهي أنّ الناس لا يخافون من الحقائق نفسها، بل مما تقود إليه، وهذا يسمى “النفور من الحلّ”، وهو يفسّر سبب قلق مناصري حزب المحافظين بشأن الحلول الجديدة للأوضاع، حيث تتضمن هذه الحلول زيادة مراقبة الحكومة ووضع القواعد المنظّمة للأفراد وهو شيء مقلق.

وهذا يفسّر أيضًا سبب محاولة داعمي ترامب التشكيك في تحقيقات مكتب التحقيقات الفدرالي بشأن التدخّل الروسي في الانتخابات. لأنّ الاستنتاج المحتمل لذلك هو أنّه تمّ التلاعب في انتخابات ترامب بواسطة كيانات خارجية، وهو شيء مقلق لهم جدًا أيضًا. 

3) القادة يحبّون كون دونالد ترامب يمتلك قوّة هائلة سيتطيع بها الهيمنة على الرأي العام

أسلفنا القول بأننا، لاإراديًا، نؤمن بما تؤمن به جماعاتنا. وفي عصر ترامب، طرأت تغيّرات مذهلة في الرأي العامّ تؤكّد هذا. ومن الجدير بالذكر أنّ الزيادة في عدد مؤيدي ترامب متزامنة مع بعض التغيّرات الملحوظة في عقول الجماهير.

في عام 2015، كان هناك حوالي 12% من الجماهير يمتلكون وجهات نظر مؤيدة للرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين. في فبراير 2017، وُجد أن 32% من الجماهير يحبونه. (هناك خوف متزايد أبداه البعض من كون شنّ روسيا حملة للتأثير في الانتخابات)

في 2014، وطبقًا لاستبيان يوجوف، 9% من الجماهير اعتبروا روسيا حليفة للولايات المتحدة. وفي أوائل 2018 أصبحت هذه النسبة 23%.

لطالما تساءل الباحثون: هل التغيرات الجذرية في الرأي العام تأتي من أعلى إلى أسفل: حيث يتبع الأعضاء ببساطة قادتهم في كلّ شيء؟ أم من أسفل إلى أعلى: حيث يحاول القادة التأثير في أيدولوجية الأعضاء؟ وفترة ترامب منحتنا دلائل جيدة بشأن مدى تأثير عبارة “اتبعوا القائد”.

في يناير2017، عالِمان سياسيان من جامعة بريغهام يونج قاما بتجربة ليعرفا جانبًا من عدة قضايا، كالهجرة والتجارة ورفض تحطيم روسيا. كانت لدى ترامب سياسات ثابتة. فتساءلا: هل إنّ مؤيدي ترامب سيتبعونه مهما كانت السياسة التي سيتبعها؟

وأجريت التجربة على 1300 شخص من الجماهير، وكانت بسيطة جدًا حيث يتم سؤال المشاركين عن تأييدهم أو رفضهم لعدة سياسات كالحدّ الأعلى للأجور، اتفاقية الطاقة النووية مع إيران، فحص الأشخاص حاملى الأسلحة، وهكذا.

ويتمّ الأمر بهذا الشكل:

أ- المجموعة الأولى:

  • “من فضلك اختر إذا ما كنت تؤيد الجملة التاليه أم لا”:

-زيادة متوسط الدخل لـ 10$ في الساعة. دونالد ترامب قال أنه يؤيد هذه السياسة. ماذا عنك؟ هل تؤيد هذا أم ترفضه؟

إعلان

مصدر مصدر الترجمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.