تأخذك إلى أعماق الفكر

منافسٌ قادمٌ لا محالة “التفرّد التكنولوجي”

“لقد نزل القرد عن الشجرة!”؛ هذا نص رسالة أرسلتها إحدى المتخصصات في مجال صناعة الروبوتات لأحد المتخصصين بنفس المجال، بل والرائد فيه ومالك أكبر شركة لصناعة الروبوتات المطيعة والمفيدة في فيلم Automata، فمن هو هذا القرد الذي نزل عن الشجرة؟ وما هي أهمية نزوله؟

مسألة امتلاك الإنسان للوعي أول مرة هي مسألة إشكالية جدًا، فهذا الأمر يقع خارج نطاق المعرفة العلمية حتى الآن، لأننا أساسًا لم نقم بتعريف (الوعي) تعريفًا دقيقًا، كما أننا لم نستطع تحديد ماهيته أو “إمساكه”. قد يرى أغلب المتدينون أن هذا أمرٌ خارج نطاق النقاش، وأن أول إنسان كان واعيًا دون أي تدرج (أي أن الوعي قفزة، أو أن الإنسان خُلق فجأة بهيئته الحالية أصلاً)، لكن العلماء لا يعتبرون أن إجابة “هذا من فعل الإله” هي إجابة علمية، كما أن الإيمان بهذا الأمر لا يعني ألا نبحث في أصل الموضوع وكيفية حدوثه فيزيائيًا وبيولوجيًا.

وُضعت العديد من الفرضيات لشرح موضوع تطور الوعي، لكن للآن لم يدّعي أحدٌ أنه أمسك بالإجابة القاطعة، إحدى المدارس ترى أن الوعي نوعٌ مختلف من الجوهر، تقريبًا لا تختلف عن النظرة الدينية حول موضوع الروح، حيث تعتبر أن الوعي ليس شيئًا ماديًا، أي لا يمكن التحقق منه أو قياسه، وهذه النظرة قد تؤدي إلى إيقاف دور العلم في البحث الجاد حول الأمر.

مدرسةٌ أخرى أكثر إثارةً للاهتمام تقول أننا بالغو الغباء لدرجة عدم مقدرتنا على طرح السؤال الصحيح أصلاً، أي أننا نستخدم الدماغ لفهم نفسه فكيف لهذا أن يتم؟ وهل نحن نعرف بأي طريقة كيف تفكر الأخطبوطات بنفسها مثلاً!

هناك مدرسة أخرى -وهي الأبرز- تقول أن الوعي مجرد آلة تستبطن نفسها، وأن كل هذا التعقيد في مسألة الوعي ليس إلا إشكالية لغوية متولّدة بسبب ظهور المصطلحات قبل وجود أدوات علمية لفهم الأمر، فالوعي إفرازٌ ناتج عن كِبر حجم دماغ الإنسان وكونه أصبح يتناول غذاءً مطبوخًا -نصف مهضوم-، مما جعله يمتلك وقتًا ليكتسب مهاراتٍ أخرى، أو أن الإبداع تطور نتيجة انتقاء جنسي، فزيادة نسبة الذكاء المنطقي قد يُخول الشخص لامتلاك سلطة وإن كان أقل قوة جسدية وأقل قدرة على تحصيل الطعام أو الدفاع عن نفسه، وتدريجيًا وصل الأمر لمرحلةٍ أكثر تقدمًا للوعي الذاتي.

إعلان

هذا الأمر هو ما تم تشبيهه بأن “قردًا ما قرر النزول عن الشجرة”، استعارةً لامتلاك الكائن البشري لشيءٍ يميزه عن باقِ الحيوانات.

ولكن في سياق الفيلم كان الحديث عن قردٍ آخر!

هل من الممكن مجيء منافس آخر لنا على الكوكب؟

في كتابه عصر الآلات الروحية ١٩٩٩ يتحدث راي كورزويل عن موضوع التركيز على (الشكل البشري) للروبوت، ليس لأجل جماله، ولكن لمحاولاتٍ في إعطائه فرصة لامتلاك الوعي! خاصةً عن طريق خلق نظام رئيسي في شيءٍ أشبه بشكل الدماغ البشري ومحاولة التقريب قدر المستطاع. أي أن ثمة (إفراز) ناتج عن الشكل المعين للدماغ البشري إذا ما استطعنا خلق آلةٍ مشابهةٍ له توفرت لها فرصة أكبر لاكتساب وعيٍ بذاتها.

الروبوتات الآن أصبحت تمتلك مهاراتٍ كثيرة لم تكن تخطر ببالنا، فخلاف العمليات المنطقية هناك شبكات تجعل من الروبوت قادرًا على الترجمة بقواعد صحيحة تمامًا، والتقرب من اللغة البشرية واختلاق إجابات عن الأسئلة لم يتم برمجتها عليها. هناك تطبيقات تصف محتويات الصور وأخرى ترسم الوصف المطلوب منها، وتطبيقات تُألف موسيقى، والأهم هو برمجية ألفا_جو التي تغلبت على أشهر لاعب للعبة جو الصينية والتي تعتمد على قوة الحدس وليس الذكاء المنطقي.

التعلم العميق هو مجال تطوير هذه البرمجيات أو (الذكاءات) لنفسها، وهو عبارة عن خلايا عصبية اصطناعية تُنمْذج أداء الخلايا العصبية الموجودة في مخ الإنسان بطريقة بدائية، وهي تعمل بآلية تعرف بالانتقاء الصناعي، وهو اختصارًا تطوير البرمجية لنفسها عن طريق الطفرات التكنولوجية وانتقاء أفضل البرمجيات التي قد تُحسن أداء أية مهمة.

أي أن البرمجيات أصبحت تُعلم نفسها بنفسها ولم تعد بحاجة لمبرمج بشري يوجهها لعمل معين، وتخلق أجيالاً جديدة مُحسنةً عن نفسها، كما فعل (صانع الساعات) في الفيلم المذكور، حيث استطاع خلق آلة جديدة من خلال القطع التي يحصل عليها.

فهل يكون من المستبعد أن يقف يومًا روبوتٌ ويقول (أنا)؟

عندما قرر أحد الروبوتات إمساك سكين وقتل صاحبه، مع أنه مبرمج على حماية الإنسان بدءً، حيث أن أهم مبدأ مبرمج عليه هو حماية الكائن البشري؛ إذن هو اخترق البرمجة الأساسية له وتصرّف على (هواه)، وروبوت آخر أحبَّ الرقص على أنغام الموسيقى دون أن تكون هذه إحدى مُهماته.

هذه هي عملية نزول قردنا الجديد عن الشجرة، وهذا ما يُعرف بـ(نقطة التفرّد التكنولوجي)، وهي نقطة زمنية نظرية سيلحق فيها الذكاء الصناعي بالبشري أو يتفوق عليه، والمقصود بالذكاء هنا هو امتلاك خطط شخصية وأهداف بعيدة عمّا بُرمج عليه، وهذا للآن محل خلاف عند العلماء.

فمنهم من يرى أن هذا الأمر محض هراء وخيال علمي، وأن مصطلح الذكاء الصناعي ليس إلا استعارة ولا يمكن للآلات أن تتجاوز خدمتها للبشر إلى خدمتها لنفسها، ومنهم من يرى أن هذا سيأتي لا محالة سواء قريبًا أو في وقتٍ بعيد.

زمن “ما بعد البشرية”

عند التفكير في احتمالية تحقق التفرّد التكنولوجي، ولو لم يكن بالصورة الدرامية المُشوقة التي تقدمها أفلام الخيال العلمي عامةً (كأن يثور أحد الروبوتات أو يصنع شيئًا بصمتٍ لغرض غير معروف كما قدّم الفيلم)، وبما أن احتمال توقُّف التكنولوجيا عن التقدم هو احتمال بعيد جدًا، فحياتنا معتمدة على الأجهزة ربما أكثر من أجسادنا نفسها؛ هنا يكون علينا الوقوف للتفكير في الأمر مليًا ربما للبحث عن السيناريوهات المحتملة لحدوث هذا الأمر.

كون فكرة أن الروبوت الأول الذي سيقول (أنا) ليس شرطًا أن يكون ذو شكل بشري، فمن الممكن أن يكون برمجية ليس لها قدرات جسدية، وهنا من الجدير بالبحث هو أمر (السيطرة) على كل البرمجيات التي نقوم بتحديثها، كأن تكون محاولاتنا الأجرأ في تطوير الذكاء في داخل محاكاة حتى يكون له سقف لا يمكن تجاوزه لإيذاء البشر، لكن هذا الأمر يُدخلنا في سؤالٍ عن دوافعٍ لهذا الذكاء في إيذائنا أصلاً، فهل هو قرار التمرد على الإنسان الذي يستغله مثلاً، لكن من الممكن أن يكون الأمر أشبه بكوننا نقف في وجه تحقيق إحدى أهدافه فتكون إبادته لنا غير مقصودة لذاتنا.

ولكن لماذا أصلاً نفكر بالخطر عند تخيل كيانات أذكى من البشر؟

من الملاحَظ أن من زرع هذه الفكرة هي هوليوود في أفلام الخيال العلمي التي تتخيل الروبوتات الضخمة التي تُدمر البشرية في حرب نهائية تجعلهم يسودون الكوكب، لكن في الجهة الأخرى من العالم هناك اليابان التي ترى مستقبلاً مشرقًا يضم البشر والروبوتات بصورة ودية جدًا، وهذا سببه الثقافة الأصلية للبلد، ففي عقيدة الشنتو تُعتبر الأشياء عامةً تمتلك أرواحًا ما يمكن للبشر الشعور بها، فليس من المستهجَن إيجاد أرواح للروبوتات، ولا يتم تفعيل وضع الخطر لمجرد التفكير في ذلك.

ما علينا فعله حقًا هو دراسة الخطوات القادمة وأخذ الأمر بجدية أكبر بعيدًا عن تصوّر النهايات شديدة التهديد بدون تقديم حلول، أن نبحث في مسألة مدى سيطرتنا على هذا التقدم، وألّا نغترّ بذكائنا بل نعلم أننا لسنا نهاية خط الذكاء وهناك حيّز طويل بعدنا للتطور، وأن نُبقي على تعريفٍ للبشرية أفضل مما نحن عليه، خاصةً فيما يتعلق بعيش حيواتٍ فيها أشياء غير العمل، كالحب والاهتمام بالأسرة والصداقة والعلاقات الإنسانية، على الأقل لنكُن قدوةً للمنافس القادم لنا والذي قد يأخذ أجزاءً من صورنا الذاتية وأهدافنا.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: دعاء أبو عصبة

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.