تأخذك إلى أعماق الفكر

في ذكرى اغتياله “فرج فودة” بين التفكير والتكفير

مناظرة سبقتها حملات إعلامية حُشدت من جانب الجماعات المتطرفة ترفض أفكاره وتُقر بكفره وإلحاده وارتداده عن الدين. مؤلفات أثارت جدلًا عظيمًا بين رجال الدين. شن جبهة الأزهر هجومًا شديدًا عليه. حملات تشهير لتشويه سمعته؛ لينتهي الأمر باغتياله على يد أحد التيارات الدينية المتطرفة التي تُطلق على نفسها إسلامية. إنه المفكر الدكتور فرج فودة الذي أثارت مؤلفاته وما زالت تُثير إلى يومنا هذا جدلًا واسعًا بين التفكير والتكفير.

في يوم الثلاثاء الموافق 7 يناير 1992 أعلنت الهيئة العامة للكتاب برئاسة الأستاذ الدكتور سمير سرحان عن مناظرة في معرض الكتاب تحت عنوان “مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية”، شارك فيها الشيخ محمد الغزالي، والمستشار محمد مأمون الهضيبي، المتحدث باسم جماعة الإخوان حينها، والدكتور محمد عمارة، ممثلين الطرف الديني في مواجهة كل من الدكتور فرج فودة، والدكتور محمد خلف الله، العضو بحزب التجمع؛ لتمثيل الطرف المدني. حضر المناظرة ما يزيد عن عشرين ألف شخص أغلبهم من أنصار الجماعات المتطرفة والإخوان، وسط هتافات ضد فودة الذي لم يكن قد بدأ الحديث بعد.

افتتح الحديث الشيخ محمد الغزالي باعتقاده بوقوع مصر تحت استعمار عسكري وتربوي وتشريعي وكلها ضروب استعمار تبعد مصر عن تراث الإسلام وأن الديمقراطية الغربية لا تتفق مع الديمقراطية الإسلامية، ورأى الغزالي أنه من العبث ألا نحكم بالدين ومن الفتنة من يُردد مقولة لا نريد حكومة دينية. أعقبه الشيخ مأمون الهضيمي بـالتأكيد على أن الإسلام دين ودولة وفقًا لنصوص القرآن الكريم، فإن لم يكن الحكم بما أنزل الله ركنًا من أركان العقيدة الإسلامية أمرًا واجبًا فالخروج عنه كفر وفسوق وظلم.

يؤكد القرآن أن الخلافة الإسلامية قامت على أساس مدني وليس ديني

ثم عرّف دكتور محمد خلف الله في البداية معنى الدولة الدينية والمدنية، فالدولة الدينية هي التي تستمد سلطتها من الله أما المدنية فتستمد سلطتها من الشعب. حيث ذكر القرآن الكريم الملوك على أنهم رجال الدنيا، أما الأنبياء فهم رجال الدين حيث يقول الله في كتابه العزيز “واذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا” وجاء في القرآن أيضًا “إذ قال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكًا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعةً من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء”.

إذًا يستمد الملوك سلطتهم من الله أحيانًًا بينما يستمد الأنبياء سلطتهم من الله دائمًا. وبالتبعية هناك فرق بين وظيفة الملك ووظيفة النبي، فالملك يحكم الناس، أما النبي يحكم بين الناس؛ لذلك تختلف النبوة عن الخلافة ولو وُجد نص عن رئيس دولة أو خليفة بعد النبي عندما اشتد الخلاف بين المسلمين في اختيار الصحابة. فالله لم يختر أبا بكر أو عمر أو عثمان أو علي. فيرى د.خلف أن نظرية الحق الإلهي قد انتهت وحلت محلها نظرية أن الشعوب أو الأمم هي مصدر السلطات وعليه فإن الحكومات الموجودة حكومات مدنية وليست دينية ما دام رؤسائها يستمدون سلطتهم من الشعب. وإذا كان اختيار الناس هو الذي يحقق الدولة المدنية واختيار الله يحقق الدولة الدينية فالواضح من تعاليم القرآن أن الخلافة على هذا الأساس كانت خلافة مدنية.

إعلان

فرج فودة: “وحدة الوطن تأبى الحكم الديني”

جاء دور الدكتور فرج فودة الذي نحن بصدد الكتابة عنه استعرض الكثير من الحجج لعل أولها أن من ينادون بدولة دينية لا يمتلكون ولا يُقدمون أي برامج سياسية للحكم، ودلل على ذلك بقول الهضيبي نفسه في إحدى الصحف حرفيًا “أقول لهؤلاء الذين يطالبون الإخوان ببرامج تفصيلية، الأولى أن تطالبوا السلطات بكف يدها العنيفة عن الدعاة إلى الإسلام حتى يتاح المناخ الصالح للدراسات والأبحاث.

الحجة الثانية خلال أكثر من ثلاثة عشر قرنًا لم يوجد سوى أقل من 1% يناصر الدولة الدينية ونحو 99% يناصرون الدولة المدنية منذ الخلافة الراشدة مرورًا بالأموية وصولًا إلى العباسية دواليك. أما الثالثة: الإسلاميون منشغلون بتغيير الحكم أو الوصول إلى الحكم دون أن يعدوا أنفسهم لذلك، نحن ندعوهم أن يعدوا أنفسهم لذلك ولن يكون هذا إلا ببرامج واضحة ومحددة أما الأقوال والشعارات الطنانة لا تغني.

وانتقل إلى الحجة الرابعة ما نشاهده من الطرف الأخر ونحن على البر ما إلا اسالة الدماء وتمزيق الأشلاء والسطو على المحلات وتهديد القانون وتمزيق الوطن بالفتن إذا كانت تلك البدائية فبئس الخواتيم. الحجة الخامسة تلك المناظرة في حد ذاتها ثمار الدولة المدينة التي تسمح لهم بالمناظرة ثم الخروج ورؤوسهم فوق أعناقهم. الحجة السادسة تأبى وحدة الوطن وحضارة الانسان الحُكم الديني؛ لأن هذا الوطن لا يقبل منا أن ينقسم وأن يشعر فريق من المواطنين -قل أو كثر- بالخوف. هذا الوطن سيظل متماسكًا فالدولة المدنية لا تعرف هوية سوى هوية المواطنة.

يُذكر أنه قبل تلك المناظرة بأيام قليلة أصدرت جبهة علماء الأزهر بيانًا ناريًا ضد فودة؛ وطالبت لجنة شؤون الأحزاب بعدم الترخيص لحزبه الجديد الذي أطلق عليه اسم المستقبل، وزادت في بيانها قسوة عندما اتهمت فودة بالكفر وأوجبت قتله ونشرت صحف موالية ذلك البيان وتلقفته أيادي أنصار الجماعة الإسلامية وأعدوه كمنشورات وزعوها في المناظرة.

حملة التشهير بفرج فودة

تعرض د.فرج فودة لحملة تشهير وسيل جارف من الافتراءات والكذب من أبرزها تشهير كل من جريدة «الوفد» مرورًا بجريدة «الأحرار» وصولًا إلى جريدة الشعب عن كونه غير حاصل على شهادة الدكتوراه حيث وصفته بالنصّاب المُدعي لقبًا لم يحصل على شهادته، وتساءل فودة ما علاقة مواجهته للتطرّف والإرهاب الديني السياسي بالحصول على دكتوراه الفلسفة فى الاقتصاد الزراعى، ولم يجد فى نهاية الأمر بدًا من أن يرد على ذلك فى حديث نُشر فى «آخر ساعة»، نشر فيه صورة شهادة الدكتوراه، التي حصل عليها من جامعة عين شمس مع ذكر أسماء المشرفين على الرسالة والمناقشين لها.

كما نشرت جريدة الشعب على مدى أسابيع متتالية من أخبار مختلفة عن تعاون «علمي ومادي وثيق» مع إسرائيل، دون تقديم بينة أو دليلًا على ما يدّعون لكونه -غير صحيح- لكنهما التطرُّف والتخلُّف، العجز عن المواجهة، والفشل فى الرد، والقصور فى التصدى الغثاء الذي لا نفع فيه والتطاول الذي لا رد عليه، والتدني الذي فشلوا في استدراجه إليه، وغيرها الكثير من الافتراءات التي نُسبت إليه والتي وصلت إلى أنه يبيح الزنا وهذا غير صحيح بالمرة ولا يخرج عن كونه عبث لتشويه سمعته.

كيف ينجح المتطرفون في استقطاب الشباب؟

طرح فودة في كتابه حوار حول العلمانية مشكلة التطرف السياسي في مصر في صورة بحث قائم على منهج علمي يستعرض فيه تعريف مشكلة التطرف السياسي والتي وصفها بالشمول حيث لا تُنصب على قطاع معين أو جانب من جوانب الحياة بل تتعدى ذلك؛ لتشمل وتستهدف دعوة واضحة لتغيير النظام السياسي للدولة إما بالعنف في مذهب بعض التيارات أو بالسلم في مذهب بعضها الآخر أو بهما معا كما يحدث في مصر. ويرى فودة أنها قضية شرق أوسط وليست قضية محلية حيث أن هدف التيارات الدينية تحويل مصر إلى دولة دينية يحكمها نظام شبيه بنظام الخلافة الاسلامية وما يتبع ذلك من تغييرات جذرية في هيكل الدولة. ويعتقد أن نجاح المتطرفين في استقطاب الشباب قائم على أساس المشاعر الدينية؛ لأن الشعب المصري شعب متدين بطبعه ثم يأتي توجيه الشباب لهدف وحيد مع تبني العنف كأسلوب لا بديل له تحت مسمى الحكم بما أنزل الله.

رفض شعبي عام للتيار الاسلامي المتطرف

تأتي النتائج المترتبة على ذلك أمر من اثنين: تبني الدولة تعريف المشكلة على أنها ذات طبيعية دينية يؤدي إلى دخول الدولة في حوار ديني مع الاتجاه السياسي وهذا يعني نجاحهم في نقل المعركة إلى ساحة هم فرسانها. أما الكاتب فيتبنى تعريف المشكلة إنها الطرح الديني للقضية السياسية مؤكدًا على الطبيعة السياسية للمشكلة أي أن المواجهة يجب أن تكون ذات طابع سياسي بحت. ثم قام فودة بقراءة للواقع الحالي آنذاك من خلال تفتت التيارات السياسية وعدم تجانسها في العمل والفكر. افتقاد التيار الإسلامي للقيادة الواحدة. عدم تمتع أي قيادة اسلامية بقبول شعبي عام. معاناة الإخوان المسلمين من تمزق فكري. ردود فعل مناهضة للتيار الاسلامي من الشعب نتيجة لتطرفهم واستخدامهم العنف الجسدي مع معارضيهم كما حدث في الجامعات على سبيل المثال.

كيف ساعد الإعلام المتطرفيين؟

أما عن السلبيات آنذاك: فتمثلت في منطق الإعلام الخاطيء ومنطق الحوار الديني مع المتطرفين دينيًا والذي يؤدي إلى نتائج عكسية غير المستهدف منها. تؤدي أسلوب الحملات الاعلامية إلى تضخيم حجم المتطرفين لدى الرأي العام. وجود جيش سري إعلامي حيث شن الاعلام اتجاهًا للتمهيد لتطبيق الشرعية الاسلامية والأمثلة كثيرة على ذلك.

وناقش فودة في كتابه الحقيقة الغائبة الفصل بين الدين والسياسة؛ لأنه الضمان الوحيد للوحدة الوطنية في مصر. كما عبر عن رفضه لرغبة التيارات الإسلامية في عودة الخلافة الإسلامية، موضحًا ضعف هذه الفكرة التي يطرحها خصومه. وأوضح أن المجتمع المصري يعتنق الإسلام ومتمسك به، وأن إرادة الإسلاميين بجعل الاسلام دولة كاملة يستوجب تقديم برامج تفصيلية للحكم، ولن يفعلوا.

الخلافة الإسلامية فصلت الدين عن الدولة

كما يُبرهن بالأدلة التاريخية على أن نجاح فصل الدين عن السياسة منذ أيام الخلافة الإسلامية، فمثلًا أبو بكر كان سياسيًا وليس دينيًا حين حارب مانعي الزكاة، وهذا قرار سياسي ناجح أرسى دعائم الدولة، لكنه قرار غير ديني لأنه حارب مسلمين، وبالتالي هنا أبو بكر كان علمانيًا يفصل الدين عن الدولة. أما عُمر فهو الحاكم الوحيد الذي نجح سياسيًا ودينيًا معًا، باجتهاده في الدين واستخدامه في تغير الواقع، وعلينا اتخاذه قدوة. لكن انطلاق كل من عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في البلاد جعلها فاسدة، مما أدى إلى انقلاب الرعية على عثمان حتى قُتل. أما عليِّ فكان رجل دين؛ لذلك انهارت الدولة الدينية التي يقودها حتى خانه فيها وسرق أموالها أهم وزراءه وأصحابه وهو ابن عمه عبد الله بن عباس وذلك يؤكد أهمية فصل الدين عن السياسة.

القاتل:”لا أقرا ولا اكتب لكن كتب فودة تدعو إلى الكفر والإلحاد”.

اعترف القاتل عبد الشافي رمضان أن أبو العلا عبد ربه هو من زوده بالسلاح والأدوات المستخدمة وحدد له طريقة التنفيذ والموعد الذي كان قبل عيد الأضحى بأيام قليلة. وفي يوم 8 يونيو 1992 نفذ المتهمان المهمة؛ وعلم أبو العلا عبد ربه بنجاح العملية وأبلغ قيادة الجماعة الإسلامية بذلك وقال لقد أقمنا عليه الحد.
سأل المحقق القاتل: لماذا قتلت فرج فودة؟
-لأنه ينشر كتبا تدعو الى الكفر والالحاد.
تابع المحقق: هل قرأت هذه الكتب؟
رد القاتل: لا. أنا لا أقرأ ولا اكتب. وبسؤال القاتل عن اختيار موعد الاغتيال قبيل عيد الاضحى أجاب: لنحرق قلب اهله عليه.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.