تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف ندرك الزمن الشخصي ونكسِر حلقة التكرار

مراجعة الفيلم الآسيوي Lost in mobius

الهروب إحدى تقنيات النجاة عند الكائن الحيّ من مفترسيه، فيسارع الجسد لتقديم مساعدته لنفسه بإفراز هرمون الأدرينالين فور إحساسه بالخطر، فتتوسّع الأوعية الدموية لتستقبل الدم والأكسجين فيتوفر أفضل أداء في الهرب، لكن ماذا إذا كانت طريق الهرب ليست مستقيمة؛ وحدودها ليست أمرًا مفروغًا منه؛ إذ تختلط الأزمنة والأمكنة وتحلّ كسرانية التوزيعات محل الحدود الواضحة، حتى يتم التشكيك حتى في مفهوم الزمن نفسه، فالوقت حيث هو خطّ مستقيم يسير من الماضي إلى المستقبل مرورًا بالحاضر هو شيء غير موجود إلا افتراضيًا، فلا يتحقق رهان اللغة على وجود عالم موضوعي خارج عن نطاق الأشخاص، فقد يحلّ محلّ الخط المستقيم شريط موبيوس*. [1]

ربما نعتقد أن رؤوسنا ملوك دقيقة في تفاصيل أوامرها، مطّلعة على كل شيء يحدث في داخل الجسد والفِكر، وما أن تصدر أمرًا حتى يكون علينا التنفيذ، ولكن ما أغفلناه أنها تعمل لصالحها هي لا لصالحنا. عندما يكون الحاكم لا يعمل لصالح الشعب، يكون على الشعب عدم الخضوع التام، بل محاولة إرشاده وشرح الأحوال له، لا يمكننا فعل ذلك إلا بمحاولة الولوج لملفّاته الخفيّة وكل تلك الأسرار المتراكمة في أدراج مكتبه، كل ذلك لا يكون إلا بالاتصال بالذات ورؤية ملامحنا الداخلية بوجه مرآة صادقة جليّة، ليس الوقوف بين مرآتين باحثين عن انعكاس صورنا عليها بين التكرارات اللانهائية، واستمرار العبور من الداخل للخارج ومن الخارج للداخل عبر منفذٍ لا بوابة له، لا تكون المرايا الجلية الصادقة إلا بعيون مُحبّة.

ليس علينا كسر رؤوسنا، بل إخضاعها لتتنازل وترينا أحوالنا الداخلية، فهي في كل مرّة تتلقى عبر الحواس أقل شذرة تشعرها بالخطر تسارع لأمر إفراز الأدرينالين، ويعلق الجسد أو الفكر في حلقةٍ نقطة نهايتها هي نقطة بدايتها، ولا نسأم من التكرار إلا إذا توقفنا واستجمعنا أنفاسنا، ثم لقّناها الأحداث الخارجية بعيدًا عن تحيزاتها وبرمجيتها التي لم تعد تناسب هذا العالم، لن نعطي أصفى الدماء وأنقاها ثم نتلقى أسوأ الأوامر.

العود الأبدي في أكثر تجليّاته رعبًا

الأفعوان يجدد جلده في كل مرة يفوق نموّ جسده جلده الأصليّ، كأنه يرتدي ثوبًا يبْلى ولا يعود يتسع لجسده الجديد، هذا يحدث بالطبيعة في كل مرة يكبُر فيها جسده، لكن ماذا لو قام الأفعوان بتجديد نفسِه بالعودة إلى جلده القديم في كل مرة!

اسطورة الأوروبوروس

الأوروبوروس Ouroborus رمز بدأ في حضارة مصر القديمة ثم انتقل إلى بلاد الإغريق، أفعوان يلتهم ذيله[2] فنقف مشدوهين أمام هذه اللوحة الناطقة ننتظر أن ينتهي من شيء، ربما من التهام نفسه فيختفي، أو من تجديد جلده، لكن هذا الأفعوان العنيد يفترس نفسه باستمرار، يبقى على هذا الحال يُعيد شكله إلى سابق عهده بلا انقطاع، في دورة أبدية من التدمير وإعادة الخلق.

إعلان

“إن أفعوانك ونسرك يعرفان من أنت، يا زرادشت، وما ستكون، فما أنت إلا النبي المعلِن عن تكرار عودة الأشياء إلى الأبد. فأنت تقول بالسنة العظمى المتكررة وهي كالساعة الرملية تنقلب كلما فرغ أعلاها ليعود أدناها إلى الانصباب مجددًا، وهكذا تتشابه السنوات كلها بإجمالها وتفصيلها كما نعود نحن مشابهين لأنفسنا إجمالًا وتفصيلًا في هذه السنة العظمى. سنعود أبدًا”. [3]

“هكذا تكلّم زرادشت”، الإنجيل الخامس كما يُطلق عليه، كتاب نيتشه الذي أُعيد إحياؤه بصورة ملفتة للنظر، كتبه نيتشه قبل قرن من الزمان وبقي يتجدد بين تطبيق وادّعاء بالتطبيق في أيادي الساسة وقادة الأحزاب والحركات الاجتماعية، وبهذا حقّق نبوءة نفسه بنفسِه وأثبت محتواه وكأنه لُغز سحري كلما قرأه أحدهم مشى في طريقه وأعاد تكرار الأفكار.

زرادشت الوارد في رواية نيتشه الشعرية، اسمه مأخوذ عن النبي الفارسيّ صاحب الديانة الزرادشتية، حيث كان للأفعى مكان مميز في الوعي الديني الزرادشتي، وهي تجمع بين النقيضين وذات صلة واضحة بعالم المقدّسات والمدنسات؛ فمن ناحية هي ذات أصل شيطاني إذ يتجسد بها أهريمن* في ملحمة نهاية العالم، فتبتلع هذه الأفعى الشمس ليسود الظلام وينتصر الشرّ، ومن جهة أخرى تخرج أفعى سماوية ضخمة تلتف حول العالم لتلتهمه في لحظة سطوة أهريمن.[4]

لوحة الأفاعي للفنان إيشر

يتجدد العالَم حسب الاعتقاد الزرادشتي بعد نهاية التاريخ والخروج من الزمن، ويعود العالَم لحالة الكمال التي بدأ بها خلق أهورا-مزدا**، حيث كانت سيرورة الوجود صراعٌ بين الخير والشر على طول الزمن، ولكن المفارقة هنا أن هدف الوجود هو الصراع ثم ينتهي العالم إلى السرمدية، فما المعنى من السرمدية هذه؟

أما زرادشت نيتشه فقد كان أمره مختلفًا، حسب رأي مايكل تنر؛ إذ يرى أن قصده هو محاكاة قصص نهاية العالم في الأديان محاكاة ساخرة ليستبدل الجنة والنار والحياة الأخرى بتكرار لاهادف، خلود هذا العالم يكون بخلود اللامعنى في سيرورة الأحداث، مجرد جعجعات مستمّرة تخبو وترتفع، وهذا هو العود الأبدي أو التكرار الأبدي الذي وجد صداه وكرّر نفسه. [5]

انفجار عظيم، ثم انسحاق عظيم، ثم انفجار

الأفكار والطروحات الفلسفية التي جالت بخاطر أحدهم، أحيانًا تعاود الظهور ولكنّ بزيّ علميّ واقفة على أرضية رياضية تدعمها، نهاية الكون لها عدّة سيناريهوات مدعومة بأدلّة، ولكننا لا نعرف بشكل حتميّ ما هو مصير الكون، يقول مارتن ريس (عالم كونيات بريطاني):

“التوسع الكوني يتوقف ويتبعه إعادة تقلّص نحو تحطيم هائل؛ حيث يواجه كل ما نعرفه نفس مصير رائد فضاء يسقط في ثقب أسود”. [2]

هنا نحن بصدد عرض ما يعرف بالانسحاق العظيم، لكن ما مصير المادة التي شكّلت الكون؟ حيث إحدى أهم القوانين التي شكّلت أساسًا للعلوم هي فكرة المادة المحفوظة التي لا تَفنى ولا تُستحدث من عدم؛ فليس ثمة شيء يمنع مادّة الكون التي عادت للانسحاق إلى التضخّم والانفجار مرّة أخرى لإعادة تشكيل الكون، وبما أن الظروف البدئية ستكون متشابهة إذن سينتج كونًا يحمل قدره بيديه مرة أخرى.

الانسحاق العظيم

هذا الكلام ليس حتميًّا طبعًا، لكنه أحد السيناريوهات المقترحة لنهاية الكون، فيه تتحقق الأزلية والأبدية ولكن عن طريق التكرار اللانهائي والسيرورة، وليس عن طريق الثبات. ولكن ماذا عن رأينا نحن في هذا الأمر؟ هل سنشعر بشيء؟ هل سيكون هذا علامة فارقة ذات مغزى؟

وهكذا تكلّم كونديرا

ميلان كونديرا، هو روائي وفيلسوف فرنسي من أصول تشيكية، اشتهر كثيرًا بين القرّاء وتميّز بأسلوبه الروائي الذي لا يشبهه به أحدًا إلا إذا حاول الآخر محاكاته، في إحدى رواياته التي نالت شهرة واسعة وهي (كائن لا تحتمل خفته) يقول

“لنفترض أن هناك كوكبًا آخر في الكون حيث يمكن أن نولد مرة أخرى، وأن نصطحب معنا التجربة التي اكتسبناها في هذه الدنيا، ولنفترض أن هناك كوكبًا ثالثًا حيث يستطيع كل منا أن يبصر النور مرة ثالثة، مزودًا بالخبرة التي اكتسبها خلال الحياتين السابقتين، وأن هناك أيضًا وأيضًا كواكب أخرى حيث يمكن للجنس البشري أن يولد من جديد مرتقيًا في كل مرة درجة أي حياة على سلم الكمال”. [6]

من أول سطر في روايته تلك، يطرح فكرة العود الأبدي لتكون أحد أهم القضايا التي يناقشها، فبين بؤس فكرة أن تعاود الحروب الظهور مرات لانهائية، وقدسية فكرة أن نفكّر جيّدًا قبل التقدم إلى قرار ما سوف نكرر نتيجته مرارًا، قد تكون إدانة الفعل الزائل العابر فكرة تافهة جدًا، في حين أن الإدانة تكتمل إذا ما كانت ستتجدد مع كل التهامٍ لذيل التاريخ.

ولكن في البحث عن جدوى هذه الفكرة، وكما يظهر في الاقتباس أعلاه، إذا كنّا الآن لا نتذكر أننا عشنا حياة سابقة، فهل من المفيد التفكير بالأمر؟ ماذا لو كان بإمكاننا ذلك؛ لو استطعنا حمل تجربتنا من حياتنا السابقة في كل مرة، هل سنحسّن أداءنا أم أننا سنكرر الأخطاء بطريقة أخرى؟

عالم الإبداع اللانهائي

أبدع الفنان الألماني موريس كورنيل إيشر في بداية القرن العشرين مجموعة مميزة وساحرة من اللوحات التي كانت موضع اهتمام واحتفاء علماء الرياضيات تحديدًا، لما تتسم به من إبداع سابق لأوانه، حيث اعتمد على المجسمّات متعددة السطوح والتشوهات الهندسية التي لا نجد لها تفسيرًا في عالمنا ثلاثيّ الأبعاد.

لوحة فوق وتحت

في عالم لم تظهر فيه الحواسيب بعد، وكأن إدراك هذا الفنان العظيم استطاع الولوج إلى أماكن لم تكن مكتشفة في المعرفة والحقيقة، فسبق إلهامه علماء الرياضيات لاستكشاف العالَم الزائدي، والذي أطلق عليه موريس مارجنسرتن (أستاذ رياضيات في جامعة لوران ومؤلف)، “حلم إقليدس”، حيث يحوي العالم الزائدي فضاء أوسع من الذي عهدناه، لذلك يكون عند تمثيله بلوحات مكثّف جدًا وقد يكون غير مفهوم بشكلٍ كافٍ. [7]

نقف متسائلين عن العالَم الذي اعتمد عليه إيشر في لوحاته، كيف كنهه؟ وكيف نلج إليه؟ والأهم هل ثمة سبيل للخروج؟ تتماهى البداية والنهاية منتجة شكلًا عجائبيًا وإن كان غير مألوف لنا في عالمنا المادّي المدرك، ولكن ثمة شعور روحي وجداني بأن هذا العالَم مألوف جدًا لنا، فما يثير شعور الغرابة لدينا ربما هي الأشياء الأكثر عمقًا وتكوينية فينا.

ما هو المشترك بين كل الثرثرات السابقة؟

المعرفة التي نصل إليها هي ما تشكّل واقعنا الغير موضوعي، فنحن كائنات نصنع عالمًا يخصّنا كما ندركه لا كما هو عليه. فما بين أفعوان الأوروبوروس الخالد الملتهم لذيله دائمًا وأبدًا، وبين الملحمة الوجودية في الديانة الزرادشتية التي تطمح للوصول للإنسان الكامل الذي سيحمل في عقله كل المعارف البشرية ويقطف آخر ثمار التفكير والعمل الدؤوب للجنس البشري، حاملًا الإنسانية إلى كسر الزمن والتاريخ والعودة إلى سرمدية الخلق، وبين العودة الأبدية وتكرار الحياة بتفاصيلها كما بشّرت نبوءة زرادشت بطل رواية نيتشه، وبين متعددات السطوح والمساحات أحادية الجانب عند إيشر؛ يكمُن تصوّري عن الفيلم الآسيوي الذي خصصت هذا المقال للحديث عنه، فلنتابع لنرى هذا الرابط العجيب.

الضياع في موبيوس

موبيوس هو اسم العالِم الرياضي الألماني أوغست فردينان موبيوس، وقد ارتبط اسمه بما أصبح يعرَف بشريط موبيوس، وهو شريط دائري متّصل متموج ذو سطح واحد على نقيض الشريط التقليدي ذي السطحين المتقابلين، هذا الشكل الهندسي يتم صناعته عن طريق ليّ أحد جانبيّ مستطيل ورقي، ثم لصقه بالجانب الآخر [8]، رغم بساطة الفكرة إلا أننا نلمس نوعًا من السحر حين ندرك أن بإمكاننا تلوين الشريط كاملًا دون المرور على الأطراف بتاتًا.

الحركة على شريط موبيوس

من خصوصيات هذا الشريط أنه يتم النظر إليه في ذاته بطريقة تجريدية، يعني أننا نتجرّد من العالم المحيط ولا ننظر إلا إلى البنية الداخليّة للشريط؛ هذا الأمر يشبه فكرة أن نرى الفرد بوصفه كائنًا مستقلًّا ينطوي على عالم نفسي داخلي، ناهيك عن اعتباره جزءًا من المجتمع.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: دعاء أبو عصبة

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

الصورة: مريم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.