تطور التشخيص العلمي للجنون بين التحليل النفسي وعلم الأعصاب

قبل ظهور العلوم الإجتماعية في القرن 19م، كان للإضطرابات العقلية والجنون عدة تفسيرات، أسطورية وفلسفية وعلمية. لكن مع تطور هذه العلوم صار يبحث البعض في الدور الذي يلعبه المجتمع والثقافة في خلق الجنون والأمراض النفسية. لذلك سنجد أن أول دراسة سوسيولوجية في فرنسا بالمعنى العلمي للكلمة، لم تكن حول ظاهرة اجتماعية محضة، بل كانت حول ظاهرة نفسية بالأساس، وهي ظاهرة “الإنتحار“. نقصد الدراسة الشهيرة التي قام بها مؤسس علم الإجتماع الأكاديمي في فرنسا إميل دوركايهم (1).

 بعد هذه الدراسة، سوف تتطور في البحث العلمي الخاص بهذه الموضوعات نزعة سوسيو-تاريخية في الأوساط الأكاديمية الغربية، تعزي الجنون والأمراض النفسية والعقلية إلى أصول اجتماعية وثقافية. حيث لا يولي الباحث اهتمامه بشكل حصري صوب المكون البيولوجي في الإنسان لفهم ما يعتله من أمراض، سيكولوجية خصوصا، بل صوب تاريخه وثقافته ومجتمعه الذي فيه معاشه. إذ يصر رواد هذه الرؤية في البحث أن أنماط الثقافة التي يربي المجتمع عليها ناشئته، بشأنها إن وقع فيها اختلال أن تخلق أمراضا واضطرابات نفسية وعقلية واجتماعية. هكذا فبالإمكان حدوث اضراب في سيكولوجيا الفرد، كما يمكن أن يحدث اضراب في نظام المجتمع.

 من بين الدراسات التي توضح هذا الأمر بجلاء، بالتزام بهذا المنطق في البحث، نجد دراسة جوديث بتلر المعنونة بـ“اضطراب في النوع- النسوية وتخريب الهوية Trouble dans le genre, Le féminisme et la subversion de l’identité“. توضح بتلر بأن اكتساب هوية جنسية معينة (الجندرة) يحدث في “سياق معياري محض  ”Un contexte normatif (2ء). ذلك أنه ولغرض قيام حياة اجتماعية، فإن الأمر يحتاج إلى نظام، هذا الأخير لا يمكن إلا أن يتأسس على تنظيم ما للعيش المشترك. لتحقيق هذا الهدف تنتقي الجماعة مجموعة من القواعد والقوانين والمعايير التي تُحدد هويات الأفراد وتوجه سلوكهم، ثم تصنع لذلك “سلطة” تثبت وتفرض هذه المعايير على الأفراد، وتعاقب المنحرفين عنها ماديًا ورمزيًا (3).

بعض هذه المعايير تحمل ضمنيًا تعريفًا ما للإنسان! بما في ذلك جِندره أو هويته الجنسية (4). هكذا فإن الذات تولد جندريًا عقب استدماج معايير الجماعة لا معاييرها الذاتية (5)، أي “إنها تولد خارج نفسها منذ البداية”، بذلك “تجد الذات نفسها خارج نفسها باستمرار”  (6).  حيث تعتمد “الأنا” بشكل أساسي على معيار اجتماعي يتجاوز “الأنا ذاتها”، غالبا ما يضعها خارج نفسها، مموضعًا إياها كعضو في جماعة.

إن هذا ما بشأنه أن يخلق اضطرابًا مزدوجًا، إما أن يقع “اضطراب في المعايير الاجتماعية” إذا لم تستدمج الذات هذه المعايير، حيث يتعرض نظام المجتمع لخطر الاختلال والتفكك. أو يقع “اضطراب في الذات Trouble dans le sujet” إذا ما وُلدت هذه الذات خارج نفسها عبر إكراهها على ذات من صنع الجماعة (7).

إعلان

إن الإضطراب المذكور بواجهتيه يثير مضاعفات سيكولوجة عند بعض الأفراد، حيث يرافق وعي الفرد بأن مجتمعه يفرض عليه هوية جنسية وإثنية ودينية، ثم رغبته في التخلص من هذه الهوية، الكثير من الإضطرابات والضغوط النفسية، قد تصل إلى الإنتحار أو “الجنون”، خصوصا في حالة رفض المجتمع اختيار هذا الفرد التخلص من الهوية التي أنشأه عليها مجتمعه. ولنا في الحالة الذهنية والنفسية والاجتماعية للمثليين الجنسيين في المجتمعات الإسلامية خير مثال.

كتاب استثنائي

يمكن إزاحة كلمة “جنذر” و وضع مكانها كلمة “جنون”، كي نفهم خلاصة ما يريد أن يقوله الطبيب النفسي الفرنسي إدوارد زاريفيون في كتابه الجميل “بستانيوا الجنون Les jardiniers de la folie“. فكما يؤدي المجتمع في بعض الحالات والسياقات إلى الإنتحار على غرار ما وضح إميل دوركايهم، وكذلك كما يخلق المجتمع الهوية الجنسية لأفراده كما فسرت جوديث بتلر، بنفس الطريقة يُنشئ المجتمع الجنون أو بكلمة أدق “يُجنِّن” بعض أفراده.

يستحضر زارفيون موقفي كلود ليفي ستروس و مشيل فوكو في هذا الصدد، ليوضح بأن المجتمع يحتاج كي يحافظ على نظامه القيمي والمعياري تجنين بعض أفراده (إلى جوار أشياء أخرى طبعا). وذلك استجابة لـضرورة رسم حدود معياريته المُوجِّهة لسلوكات أفراده (8). فبما أن الأمور تتميز وتعرف بأضدادها، فإن الجنون بما هو شذوذ (Anormalité) يعزز ويقوي ما يعتبره المجتمع سوياًّ وطبيعياًّ (Normal)، حيث يتجذر أكثر معيار العادي والطبيعي في وعي الناس ليس حينما ينسجم سلوك الجميع معه، بل حينما ينحرف عنه بعض الأفراد. ذلك بالضبط ما يقوي المعيار ويجدد حياته، أي بالإنحراف عنه بشكل مثير.

 هذا الإنحراف هو الآخر ليس له أي محدد موضوعي، بل دلالته و ما يشير إليه يحدده المجتمع أيضا، كما وضحت دراسة هوارد بيكر الشهيرة “Outsiders”. ذلك أن الإنحراف هو مضمون حكم تصدره الجماعة اتجاه أي سلوك أو فعل أو طريقة تفكير أو نمط شخصية تعتبرها غير سوية. الشيء الذي يميز أكثر ما يعتبر “سويا” في وعي أعضاء هذا المجتمع عن ما يعتبر شاذا (9). فالمسالة كلها ترتبط بأحكام جماعية أو اجتماعية، لا بحقائق موضوعية.

هكذا يظهر بأن المجتمع يحتاج إلى تحديد سلوكات منحرفة و شخصيات شاذة كي يعمق جذور وسطوة معياريته في وعي الأفراد الذين يشكلونه، بذلك يخلق كل مجتمع شخصياته المجنونة، لإنفاذ أمر معياريته على أعضاءه، كي يضمن التزام سلوكهم بما تُجمع الجماعة على أنه طبيعي وأخلاقي و أصيل وديني وفطري وحقيقي، و إلخ.

 يخصص المجتمع لكل ما يعتبره شاذا ومنحرفا عن معاييره وقيمه، أشكالا مختلفة من العقاب، كـ: الوصم، التمييز، التكفير. أو التعنيف، النفي، الحجر، السجن، وفي أقصى الحالات القتل. في حالة الجنون، يشير إدوارد زارفيون أن نصيب المجانين من عقاب المجتمع كان هو حبسهم في سجون توصف بأنها علاجية، وهي مصحات الأمراض العقلية (Les asiles)، ذلك لعزلهم عمن يُعتبرُون أسوياء، بهدف تمييز الحدود مرة أخرى بين الشاذ والسوي، التمييز الذي يعتبر ضروريا لإستدامة النظام الإجتماعي (10).

 الوعي بهذه الحقيقة سوف يؤدي إلى الإنخراط في سيرورة نزع الطابع العلاجي والمؤسسي على مصحات الأمراض العقلية، والمطالبة بإغلاقها و وقف العمل بها، ذلك نتيجة لإعتبارها سجن و مؤسسة عزل وعقاب (11). هكذا سيصبح -في أثر هذا المنظور التفسيري- علاج المجانين أو المرضى العقليين أو من يعانون من أمراض عقلية واضطرابات سيكولوجية، لا يتم عبر عزلهم في سجون يحرسها أطباء، بل يحصل علاجهم من خلال إعادة إدماجهم وإعادة تأهيلهم إجتماعيا (12).

 تأسيسا على ذلك، يخرج زارفيون بخلاصة التفسير السوسيولوجي للجنون في هذا الفصل، التفسير الذي يفيد بأن: الجنون ليس واقعة طبيعية (Un Fait)، بل هو حكم اجتماعي (Un Jugement). و لغرض علاجه لا يُلتجؤُ إلى أدوية وعقاقير وعمليات جراحية بالضرورة، بل يجب إعادة إدماج صاحبه في المجتمع بشكل رئيسي. ذلك ما يطرح السؤال التالي: هل فعلا هذا التفسير السوسيو-أنثروبولوجي شامل وكافي لفهم وعلاج ما يسمى جنوناً ؟

صراعات علمية على غرار الحروب دينية:

    يستعمل زارفيون استعارة “الحروب الدينية” كي يصف الحرب التي تدور بين تفسير كل من التحليل النفسي وعلم الإجتماع وعلم الأعصاب لظاهرة ولمرض الجنون. وقد يتسائل المرء ما وجه القرابة بين الصراعات العلمية والحروب الدينية؟

 هذا الوجه يتبدى في كون أن الحروب الدينية تتميز بشيء معين هو عين ما تتميز به صراعات التفسيرات العلمية كذلك، وهو أن الأطراف المتحاربة تجرد بعضها بعضا من “الحقيقة”. ففي حالة الحروب الدينية يجرد أتباع الدينين المتصارعين بعضها بعضا من الحقيقة الدينية، أما في حالة الخلافات العلمية فنجد أن  المتصارعين يجردون بعضهم بعضا من الحقيقة العلمية. يشير زارفيون في هذا الإطار إلى أن علم الأعصاب لا يعترف بالصفة العلمية للتحليل النفسي (13).

ان لمما يستأثر بالملاحظة في هذا السياق، أنه حينما يرفض تخصص علمي ما الإعتراف بعلمية تفسيرات تخصص آخر لظاهرة معينة، إنما يجرده من أهلية التحدث باسم العلم. وبالمقابل يمتع نفسه بالحق الحصري في  التحدث باسم العلم، أي باسم الحقيقة.

 إن هذا الإحتكار للحق في فهم الظواهر المدروسة من طرف بعض العلوم، يحولها رأسا إلى آيديولوجيات حسب زارفيون (14). ذلك أن فقط الآيديولوجيات هي من تعتقد بوهم الإكتفاء بقدرات مرجعية أحادية وخاصة -سواء علمية أو فلسفية أو غيرها- في فهم كل الظواهر، وفي حل كل الإشكالات المعروضة على البحث العلمي.

 إدعاء علم الأعصاب بأنه هو التخصص الوحيد والحصري الذي يستطيع أن يفهم الجنون، هذا بالضبط ما يحوله إلى آيديولوجيا، بل إلى ما يشبه “معتقد إيماني” (15) لا يتشارك الحقيقة مع أشكال أخرى من الإيمان. في هذه الحالة لا يتقاسم الحقيقة مع أشكال أخرى من العلم. وقس ذلك على إدعاءات التحليل النفسي وعلم الإجتماع في هذا الصدد.

  ولعل أهم ما يطبع العلاقة بين الآيديولوجيات هي الصراع والتنافر وعدم الإعتراف المتبادل، وهو نفس ما يميز العلاقة بين أتباع التفسيرات السوسيولوجية والتحليلية النفسية والعصبية للجنون. هذا ما يقرِّب طبيعة الصراع بين تفسيرات هذه التخصصات العلمية -حول الجنون وغيره- من طبيعة الحروب الدينية.

 كحال أي آيديولوجيا، تنطلق بوعود ضخمة في البداية، ثم ما تفتئ تتقلص هذه الوعود شيئا فشيئا كلما احتكت أكثر بالواقع. ذلك ما ميَّز مسار محاولة فهم علم الأعصاب للجنون، إذ انطلق معتداً بتصور سوف يتضح فيما بعد أنه ساذج، ويتلخص في الإعتقاد بأن مجرد فهم كيفية عمل الدماغ كجهاز عصبي، كفيلة بفهم شامل وكامل لكل ما يعانيه الإنسان من أمراض عقلية و اضطرابات نفسية (16). ما عزز هذا الإعتقاد هو تطور التكنولوجية الطبية والعلمية، التي أصبحت قادرة على تصوير الدماغ وهو في حالة نشاط (نفسه)، وبالتالي كل ما يمكن أن يَعتلَّ بواسطته عمل الدماغ الطبيعي صار قابلا للرصد التجريبي. الشيء الذي فتح أفقا من الآمال والمتمنيات التي غرضها فهم ثم علاج معظم الأمراض التي تلم بالإنسان، سواء كانت فيزيولوجية أو سيكولوجيا.

   بإغواء من هذا التصور لعلم الأعصاب، سوف يحدد الأطباء النفسيون هدفين أساسيين لاستراتيجية تعاملهم مع الجنون، هما: أولا محاولة اكتشاف الأسباب البيو-كيميائية للإضطرابات العقلية، ثم ثانيا صناعة أدوية معالجة لهذه الإضطرابات على المستوى البيو-كيميائي أيضا (17). ولعل هذا ما يوضح أن تصور الأطباء النفسيون للجنون المتأثرين بمنظور علم الأعصاب، قد صار يتعامل مع الإضطرابات النفسية في بعدها المادي المحض، أي البيولوجي و الكيميائي، في عدم اعتبار بل في تجاهل للعامل السيكولوجي و الإجتماعي في عملية خلق و علاج الإضطرابات العقلية.

   هذا الطريق لن يوصل علماء الأعصاب و الأطباء النفسيين إلا إلى نتائج باهتة وغير مرتقية إلى آمال وتطلعات الجماعة العلمية اتجاه المشكل المطروح. بعد سنوات من البحث، يلاحظ زارفيون أن “آيديولوجيا علم الأعصاب أصبحت متواضعة” سواء في قدرتها على الفهم أو العلاج (18). إذ لم يتوصل هذا العلم إلى أي فهم بيو-كيميائي مكتمل للإضطرابات العقلية، كما لم يسهم أيضا في أي اكتشاف لدواء ناجع في علاج هذه الأمراض.

    سقوط يد علم الأعصاب في التراب سوف ترفع رأسه كي يحدق جيدا في طبيعة الإنسان، وليس فقط في طبيعة الأمراض العقلية. إذ أن الظَّن بأن الإنسان آلة يتحكم فيها جهاز عصبي ويبرمجها بطريقة ميكانيكية، لم تكن لتؤدي سوى لنتائج مخيبة للأمل (19). ما سوف يحتم على بعض الأطباء النفسيين -وأبرزهم إدوارد زارفيون وهو ما يعبر عنه كتابه هذا- تغيير رؤيتهم ومقارباتهم العلمية للإضطرابات العقلية.

     المشكل المركزي يتمثل في سوء التشخيص العلمي، إذ ما إن يفسد التشخيص حتى يفسد كل شيء. يقول زارفيون فيما يتصل بسوء تشخيص الأطباء النفسيون للأمراض العقلية: “نحن دائما ما نخلط بين البنية و الوظيفة، السبب و النتيجة، العامل الكمي و العامل الكفي” (20). ذلك يحصل كنتيجة حتمية لتراكم “الآيديولوجيات الإختزالية” الأحادية (21)، وعلى رأسها المقاربة البيو-كيميائية لعلم الأعصاب. الآيديولوجيات التي تمتلئ بمفاهيم لا تعبر سوى عن ما لا يعبر عن أي شيء، كما تكون محشوة بعوامل كمية وأخرى كيفية، دون تحديد دقيق لوجه العلاقة بينهما، أو لنمط التأثير والتأثر الذي يقع بينهما اتصالا بما يسبب أو يشفي المرض.

    من المسببات المركزية كذلك لفشل العلوم في الفهم بشكل عام، هو تجزيء موضوعات البحث إلى وحدات محددة، واختصاص كل علم بدراسة كل جزء من الموضوع المدروس، دون أي اتصال أو تواصل بين الأجزاء أو ارتباط بين المقاربات البحثية الخاصة بكل تخصص علمي. هذا الإشتغال المنعزل يؤدي إلى تقوقع كل تخصص علمي على نفسه، ما يؤدي بدور إلى “سوء فهم متبادل” وكبير جدا بين التخصصات العلمية. الشيء الذي ينتج عنه فشل متبادل أيضا، يتمثل في عدم القدرة على تحقيق الأهداف المشتركة لهذه العلوم. يقول زارفيون في هذا الصدد: “انتشرت آيديولوجيا علم الأعصاب البيولوجي على يد أطباء نفسيين لا يفهمون أي شيء في علم الأعصاب، وعلى يد علماء أعصاب لا يفقهون أي شيء في الطب النفسي” (22). ذلك لأن الأطباء النفسيين يدرسون ويبحثون لوحدهم، و قل نفس الشيء عن علماء الأعصاب، الذين لا يجتمعون سوى لإملاء النصائح على بعضهم البعض. فهم لا يكادون يعرفون عن تخصصات وطريقة بحث بعضهم البعض سوى النزر القليل، ما يخلق سوء فهم متبادل، ليس بيده سوى السير بهم بخطوات متسارعة نحو الفشل، في فهم و علاج الإشكالات التي يتصدون لدراستها.

   ما من حل لهذا المشكل حسب زارفيون سوى وصل ما انفصل، و تجميع ما تجزء، ورأب ما تصدع بين التخصصات والمقاربات العلمية. يدعوا الرجل إلى “الإقبال على استغلال كل الإمكانات المتاحة: البيولوجية العصبية، السوسيولوجة و التحليلية النفسية، قصد مواجهة الأمراض العقلية” (23). بكلمة أخرى، إن ما نحتاج إليه هو “المقاربات العلمية العابرة للتخصصات L’interdisciplinarité Scientifique“، كي نأخذ بعين الإعتبار كل الجهات والعوامل التي من المحتمل أن تخلق المرض أو الإضطراب العقلي. والحديث هنا عن الثلاثي: الوسط الإجتماعي – الدماغ – النفس، أو الأبعاد البيو- بسيكو-سوسيوجية للإضطرابات العقلية (24). حسب الدكتور زارفيون هذا هو الطريق الوافر حظًّا الذي يمكن أن يثمر فهما شاملا و مكتملا، وبالتالي علاجا ناجعا لهذه الأمراض والاضطرابات.

بستانيوا الجنون:

   يتميز البستان بـثلاثة أشياء: شيء يزرع (نباتات) – و ينموا – وشخص يعتني بالنبتة (البستاني Le jardinier) حتى تنموا بشكل جيد. يستعير زرفيون أمثولة “بستانيي الجنون”، كي يوضح بأن علاقتنا بالجنون تشبه علاقة البستاني بالنباتات، فكما يزرع ويعتني البستاني بالنبتة حتى تسمق، فإننا نزرع ونعتني بمشكل الجنون حتى يكبر ويتضخم، ويتفاقم إلى حالات حرجة أحيانا غير قابلة للحل. وهنا تتجسد المفارقة المثيرة للتعجب بل للسخرية، فبدل أن نساهم في منع تضخم مشكل الجنون، فإننا نزرعه في تربة المجتمع، بل نحرص على تفاقمه، وبلوغه مستويات متقدمة من التَّأزم (25). هكذا نجد أنفسنا أمام بستان (المجتمع)، نزرع فيه نبتة (الجنون)، كما يوجد بستانيون يرعون نمو هذه النبتة -الطفيلية- بحرفية (الأسرة- الأطباء- الباحثون- الأقرباء- المعلميون- الجيران- الاعلام…). لهذا يستحق هؤلاء الأشخاص لقب “Les jardiniers de la folie بستانيوا الجنون“.

    هذه الإستعارة اللطيفة توضح إلى أي حد يكمن المرض ليس فقط في المريض، بل حتى في طريقة تعامل محيطه الإجتماعي معه. وهذا يطفئ شمعة تفرد شخصية ومواهب وقدرات وكفاءات من يشار إليه اجتماعيا على أنه “مجنون”. يستحضر في هذا الصدد زارفيون دراسات سيكولوجية توضح العلاقة الفريدة بين الجنون والعبقرية (26)، ما يثبت أن لمن نصفهم بالمجانين قدرات ذهنية استثنائية. غير هذا، ألا يربط الكثير من الناس بطريقة عبيطة بين الفلسفة و الجنون، ألا يتهيئ للكثيرين أن الفلاسفة -وهم صفوة أذكياء البشر- مجانين. إن الكثير من الأمثلة توضح أن المجتمع بأحكامه الجاهلة والنمطية، يُجنن ويُمرِّض الكثير من الناس الأسوياء، بل يتمادى إلى درجة تجريد من يوصمون بالجنون من شخصياتهم الخاصة وهويتهم الفردية Dépersonnalisation، وبالمقابل فرض شخصية وهوية أخرى عليهم، ناتجة عن حكم الآخرين النمطي اتجاههم (27). الشيء الذي» يهدم كيان الذات « عند المرضى (28)، وهو أمر لا يشعر بألمه إلا المجانين، أو من تم تجنينهم.

هذا  ما يوضح أن المجتمع بيئة خالقة و مسببة في تفاقم الأمراض والإضطرابات النفسية والعقلية (29). ولعل هذا الداعي إلى احتياج أفراد المجتمع إلى دعم نفسي واجتماعي مستمر.

يشير زارفيون إلى أن التواصل أداة مهمة للفهم وللتعرف على “احتياجات المريض”، غير أن مرضية تَمثُّل وتعامل المحيط الإجتماعي مع من يوصف بأنه مجنون، تتسبب في» تدهور القدرات التواصلية للمريض «مع محيطه، ما يساهم في تأزيم وضعية المريض أكثر. ذلك نظرا لشعوره بعدم وجود من يفهمه، ويتواصل معه بفاعلية، وهو أمر يدمر الحالة النفسية للمريض، ويدفعه أكثر “للتقوقع على نفسه”، الشيء الذي ليس في صالح عملية العلاج.

إن تدهور قدرة المحيط خصوصا الأسرة على التواصل بشكل فعال مع المريض، لا يأزم وضعيته فقط، بل تنسحب هذه المرضية حتى على باقي أفراد الأسرة. إذ يشير الدكتور زارفيون استحضارا لعدة دراسات إلى أن المرض يُمرّضُ المحيط الذي يوجد فيه (30)، هكذا فخاصية المرضية تسير في اتجاهين: من المحيط صوب المريض، وأيضا من المريض اتجاه محيطه. لهذا نجد الكثير من أفراد الأسر التي تحتوي مجانين عدد لا بأس به من المصابين بأمراض متنوعة، ما يحول الأسرة إلى كيان مُعتل. لهذا يشير زارفيون إلى ضرورة إدراج الأسرة في استراتيجة علاج المريض، إذ هي الأخرى تحتاج إلى علاج ودعم نفسي واجتماعي، فلا عافية للمريض دون أسرة متعافية (31).

يقدم صاحب الكتاب عدة توجيهات منهجية في غاية الأهمية للمعالجين النفسيين، يمكن اختصارها في النقط التالية:

  • يشدد إدوارد زارفيون على أن الاهتمام والتعاطف وإحترام الشخص البشري بما هو إنسان (وليس مريض)، هو الذي يرسم طرق الشفاء قبل كل شيء.
  • يجب التعامل مع الإنسان كـكيان كلي وشامل ومركب (تستحضر في هذا السياق بقوة فلسفة ادغار موران E.Morin)، وليس ككتلة مفتتة أو قابلة للتفتيت والتجزيء. لا يجمل بالمعالج او الداعم الإجتماعي والنفسي تفتيت المركبات النفسية الإجتماعية البيولوجية المكونة للإنسان عن بعضها البعض (32).
  • يجب تفادي التشخيص الإختزالي، الذي يعتد بالقدرة المتخيلة لتخصص علمي واحد على الفهم، وبالتالي ابتكار الحلول العلاجية للمشاكل المطروحة، سواء كانت اجتماعية او نفسية.
  • أصبح من الضروري -وليس من الترف- اعتماد مقاربة اشتغال متأسسة على تعددية في التخصصات العلمية Une pluridisciplinarité، من أجل الفهم و التدخل والعلاج.
  • يستحسن الإشتغال ضمن فريق متنوع المتدخلين، مع الحرص على إشراك كل هؤلاء في مختلف مراحل العمل و التدخل، مع تثمين مساهماتهم و إلتزامهم المهني والإنساني (33).
  • في التعامل مع الشخص الذي يعانى من أي اضطراب سواء كان سيكولوجي أو غيره، لابد من التعامل معه كـكان فردي شخصي، وعدم محاولة تجريده من شخصيته الفردية. إذ كما يوضح الكتاب فالكثير من الإضرابات تنشأ حينما يحاول محيط الفرد تجريده من خصوصيته الفردية، وكمقابل لذلك فرض هوية وشخصية أخرى عليه.
  • من الضروري عدم محاولة عزل المُضطرب أو من يُعاني من مشكل نفسي اجتماعي، بل يجب البحث باستمرار عن ما يَشدُّه إلى بؤرة النشاط و التفاعل داخل وسطه الإجتماعي، بما في ذلك الوسط المدرسي والمهني.
  • يجب البحث عن السبل التي تعيد تأهيل و دمج اجتماعيا المضطرب أو المتعثر، دون أن يكلفه ذلك فقدان ذاتيته و فرادته الشخصية.
  • يجب تطوير المهارات التواصلية للمريض، كي لا ينغمس و يتقوقع في عالمه الخاص.
  • يُصر زارفيون على ضرورة المحافظة على ذات المريض المستقلة، بل يجب احترام وتقدير و تثمين هذه الإستقلالية.
  • لابد من الإشتغال مع الأسرة ومحيط الشخص المضطرب، وهذا الإشتغال لا يعني التعامل مع الأسرة كخزينة معلومات حول المضطرب فقط، بل يجب تقديم الإستشارة والعلاج و المواكبة والدعم النفسي والإجتماعي أيضا للأسرة، ومحاولة تجويد مناخ العلاقات بين أفرادها، بما في ذلك بشكل خاص علاقتها مع الفرد المُعتَل (34).
  • تمس الحاجة كذلك إلى القيام بمحاولة الحد وتغيير أحكام القيمة و التصورات الإجتماعية النمطية و التمثلات الفاسدة، حول الأمراض و المريض، خصوصا حول الأمراض و المرضى النفسيين والعقليين.
  • ضرورة السعي إلى عدم السماح بانسحاب مرضية الكيان البيولوجيا للمضطرب، على نمط حياته الفردي والإجتماعي.
  • من المهم السعي إلى مرافقة ومواكبة وعلاج المضطرب، مع تجنب أي سمة تطبع سلوك التدخل بالإستعلائية والتكبر والنفور من الشخص الذي يعاني من مشاكل سوسيو-سيكولوجية.
  • لا إمكان للقيام بالعلاج والدعم النفسي وإنجاحه دون مزاوجته مع الدعم الإجتماعي، والعكس صحيح.
  • أشار زارفيون في كتابه هذا إلى إطارين مؤسسيين ينتزعان الإعجاب بطريقة اشتغالهم مع المرضى. الإطار الأول هو “مركز المساعدة من خلال التشغيل“، إذ يذكر الكاتب أن الكثير من الباحثين لاحظوا أن عدد مهم من الأشخاص يصابون باضطرابات متنوعة، نتيجة عدم وظفيتهم أو عدم قيامهم بعمل يشعرهم  بأن لهم قيمة مضافة لجماعة معينة. لهذا توفر هذه المراكز أعمال للمضطربين حيث يتم إشعارهم وتحسيسهم بشكل مستمر بأنهم وظيفيين، وأنهم يقدمون خدمة استثنائية وجوهرية تتوقف عليها حياة الكثير من الأفراد الآخرين في المجتمع، ما يجعل وجودهم ضروري وقيمة مضافة لمحيطهم الإجتماعي (35).
  • أما الإطار الثاني فهو “مراكز قضاء يوم سعيد“، سماها زارفيون “Centre de jour” (36ء). تكون في فيلا أو فضاء مفتوح، يتم استقبال فيها المضطربين ليوم كامل (يأتي في الصباح و يعود لمنزله مساءا)، يشاركون في عمل تطوعي لصالح المدينة أو مؤسسة ما، بغرض تنظيم أو تزيين فضاء معين، أو مساعدة العجزة أو الفقراء أو كل من يحتاج لمساعدة اجتماعية أو مالية أو لامادية. أو للمساهمة في تأطير ورشات فنية في الرسم- في الموسيقى- في المسرح- في الطبخ- في الكتابة الابداعية- في البستنة- في البناء أوالتشييد، أو مشاركتهم في تخطيط و تنفيذ مشروع جماعي. هدف هذا النوع من المراكز العلاجية هو تحسيس المضطرب بأنه إنسان عادي، وليس مريض، أو بشكل أدق لتحسيسه بأن الاضطراب النفسي شيء يرافق الحياة بشدة تختلف حسب السياقات، وبالتالي فهو أمر ملازم للحياة، الشيء الذي يترتب عليه الوعي بعدم تحول الاضطراب الى عائق للإقبال على الحياة، أو لعيشها بطريقة طبيعية. لهذا لا يحتفظ بالمستفيدين من خدمات هذا النمط من المراكز سوى ليوم واحد، كي لا يشعرون بأنهم نزلاء في مؤسسة علاجية، أي مرضى.

في الختام، نذكر بأن المنظور الذي تحمله دراسات إدوارد زاريفيون لا زال ينقص أغلب تصورات الممارسين لهمن العلاج والعناية والدعم النفسي، خصوصا في العالم العربي (المغرب تحديدا) حسب معرفتنا الشخصية بـعالم هذه المهن. بالتالي، فالتشبع بالثقافة السيكولوجية والإكلينيكية وفق المنظور التكاملي الذي يبسط معالمه الكبرى هذا الكتاب، من شأنها تطوير الكفاءة التدخلية للمشتغلين في هذا الميدان، بعمق يقتضيه حجم تعقيدات الإضطرابات النفسية.

_____________________________

مراجع:

Émile Durkheim, (1985), Le suicide, Paris, Presses universitaires de France (1)

(2) Brugère Fabienne, Le Blanc Guillaume, (2009). “Judith Butler Trouble dans le sujet, trouble dans les normes“, Paris, Presses Universitaires de France, p 81

(3) Fœssel Michael, (2009). “Malaise dans l’identification- La mélancolie du genre“, in Brugère Fabienne, Le Blanc Guillaume (ed), “Judith Butler Trouble dans le sujet, trouble dans les normes“, Paris, Presses Universitaires de France, p 91

(4) Butler Judith, (2006). “Trouble dans le genre; Le féminisme et la subversion de l’identité“, trad. C. Krauss, Paris, La Découverte, p 47

(5) Fœssel, op.cit: 90

(6) Butler Judith, (2006), op.cit, p17

(7) Brugère Fabienne, Le Blanc Guillaume, (2009). “Judith Butler Trouble dans le sujet, trouble dans les normes“, Paris, Presses Universitaires de France, p 13

(8) Zarifian Edouard, (1999). «Les Jardiniers de La Folie», Paris, Éditions Odile Jacob, p 170

(9) Becker Howard, (1963). «Outsiders: studies in the sociology of deviance», New York, The Free Press of Glencoe

(10) Zarifian Edouard, (1999), op.cit, p 174

(11) .Ibid, p 175-177

(12) .Ibid, p 181

(13) .Ibid, p 191

(14) .Ibid, p 193

(15) .Ibid, p 196

(16) .Ibid, p 197

(17) .Ibid, p 198

(18) Ibidem

(19) .Ibid, p 199

(20) Ibidem

(21) .Ibid, p 200

(22) .Ibid, p 201

(23) .Ibid, p 202

(24) .Ibid, p 208

(25) .Ibid, p 210

(26) .Ibid, p 212- 213

(27) .Ibid, p 219

(28) .Ibid, p 212

(29) .Ibid, p 214

(30) .Ibid, p 224

(31) .Ibid, p 225

(32) .Ibid, p 226

(33) .Ibid, p 181

(34) .Ibid, p 225

(35) .Ibid, p 181-182

(36) .Ibid, p 184

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مهدي جعفر

تحرير/تنسيق: خالد عبود

الصورة: سارة عمرو

اترك تعليقا