تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف أتعافى من خيبات الحب؟

تخيل معي أن بعد انتهاء قصة حب صعبة أثرت في حياتك، قررتَ أن تأخذ إجازة من عملك –أيًا كان نوع العمل– وأن تكتب ما حدث معك بكل تفاصيله، من البداية للنهاية، مفسرًا ما حدث من وجهة نظرك، اكتبه على شكل رواية.
جرب مرة واحدة في حياتك مغامرة أن تصبح روائيًا لمدة شهر واحد فقط. قد يعترض على كلامي محاسبٌ وقور، اعتاد طوال حياته على عد البراميل وإحصاء بكرات حفاظات الأطفال ويدونها بدقة في الميزانية، يقول:
“- معذرةً يا سيدي، ماذا عن الذين لايعرفون القراءة والكتابة؟ هل توجه كلامك للنخبة البرجوازية؟- حسنًا لا بأس، الذين لا يعرفونها ولا طاقة لهم بالكتابة، يمكنهم التردد على مجموعة من الأصدقاء (بدلًا من القارئ الافتراضي في حالة الرواية) وحكى ما حدث من الذاكرة مباشرة، هذا هو الشكل القديم للرواية أصلًا.

– يا سيدي هذه مجرد ثرثرة نساء! ونحن لدينا أعمال وأشغال وغير متفرغين لهذا الكلام الفارغ، انظر يدي المعفرة بالتراب!
هنا يأتي الاعتراض الرئيسي: إذا لم يكن الشخص معترفًا بأن الجهاز النفسي له وجود مادي في جسمه، مثل الجهاز الهضمي وفتحة الشرج التي يهتم بصنع الحفاظات لها، ليس لنا أن نجادل معه، ويجب أن نعترف أمامه بالهزيمة.

نعود إلى الموضوع الرئيسي: تخيل أنك تكتب ما حدث على شكل رواية، أو تسرده من الفم، ما الذي تتوقعه في المرات الأولى؟
بالطبع بعدما تسرد كيف بدأت القصة –مع بعض التفاصيل التي اتضحت مؤخرًا– وتسلط الضوء على ما سبق، بناءً على ما آلت إليه الأمور، ستفتح أول عشرين دقيقة/ صفحة بشكل غاضب، وتوضح كم أخلصت، وكم كنت خاليًا من النوايا الشريرة، وكم تحملت، وكيف كانت النهاية مخزية لا تليق أبدًا بما قدمته.
على القارئ/ المستمع في مثل تلك الحالة أن يتحلى بالحُلم، حذار أن يكون الجرح ملتهبًا، ويقول له مثل تلك العبارات السخيفة:
– “لقد قلت لك. ولم تسمع نصيحتي!”
– “كان هذا متوقعًا، لقد توقعت ذلك وأخبرتك!”
– “لا أتوقع أبدًا أن يكون قد فعل معك كذا، لابد أنك تبالغ قليلًا!”

عبارات كهذه قد تكلفكم صداقته، ولن يغفر لكم تلك المحاكمات المنطقية، والتأنيب، وإظهار حماقته وغفلته، في الوقت الذي يطلب فيه رصيدًا من سعة الصدر والرحمة، وحسن الإنصات، يمكنني أن أقول لكم: “قد يكون كلامكم هو عين الصواب، في توقيت هو عين الخطأ!”
عندما يكرر الشخص روايته عدة مرات فإنه ينشط الذاكرة، ويلتقط التفاصيل التي كنسها تحت السجادة، وتلك التي ألقاها من الشباك، وتلك التي تعامى عن رؤيتها وغطّاها بالورود والنوايا الطيبة، يبدأ في توسعة الرواية من الداخل كما ينمو النخيل من الداخل ويكوّن طبقاته، ولكن بعد عدة مرات يجد القارئ/ المستمع نفسه مشوشًا، فيقول:
– “معذرةً، لماذا تبدو أفعال الشخص الآخر شيطانيةً إلى هذا الحد؟”
– “معذرةً، هناك بعض النقاط غير المفهومة في حكايتك، بمَ تفسر فعله كذا وكذا؟”

وبين هذا الشد والجذب والصراع والدفاع، قد يجد نفسه (تجد نفسك) محاصرًا، وتقول: “أنا أعرفه، أنا أفهمه، أنا أحفظه حفظًا.”
ولكن هذه الأفعال غير قابلة للقياس ولا ترضي القارئ/ المستمع، يجب أن تكتب ما تعرفه وما تفهمه -أو تظن أنك تفهمه- بشكل أكثر موضوعية، وطبعًا وجود (الآخر) يعيد ترتيب أفكارك، خاصةً مع التنوع الفريد للبشر حسب نشأتهم وظروف عملهم وخبرتهم، فإنهم سيجبرونك في النهاية على الخروج رويدًا رويدًا من الذاتية، وستعرف صدق المثل الصيني الذي يقول: “إذا كانت الرياح تأتي من جهة واحدة، فلا مفر أن تنمو الشجرة مائلة معوجة.”

إعلان

وكما يحدث حين يمزق الروائي ورق مسوداته الأولى عدة مرات، ويتعصب ويغضب ويعيد الكتابة ويُرهق تمامًا، يبدأ سرد روايته بشكل أبعد من النهاية والبداية، هل هناك ما هو أبعد من نهاية القصة ونهايتها؟
نعم، فنحن لسنا ذرات متفردة تسبح في الفراغ وتتفاعل مع بعضها، نحن عبارة عن أسماك تسبح في محيط واسع ضخم جدًا، فلا بد أن نعرف من نحن؟ ومن أين أتينا؟ وماهو الدافع للحب؟ وما هي العوامل التي تدخلت فيه؟
ومهما نصحنا الشخص النصيحة الفارغة “عليك بالخروج من الموضوع كي ترى الصورة كاملةً”، فإنه سيظل جزءً من الموضوع والرواية، ولن ينقذنا إلا الوجود المادي/ الافتراضي للآخر دائمًا، وكما يقول المثل الشعبي في بلادنا: “إذا كان المتكلم مجنونًا، فالمستمع عاقل”.

1- من أنا ومن هو الآخر؟

عندما وقف زعيم العصابات (فرانك لوكاس) وجهًا لوجه أمام المحقق (ريتشي)، وقد طلب منه الأخير أن يدلي باعترافات ووشايات تساعد العدالة والشرطة، كي يعود كل شيء “طبيعيًا” كما كان؛ أخذ (فرانك) منه طرف الخيط وقال له:
– “أتعرف ما هو الطبيعي يا ريتشي؟
– …
– أنا لم أرَ ما هو “طبيعي” مذ كان عمري ست سنوات، رأيت “الطبيعي” هو أن ضابط شرطة من قبل العدالة يقتحم منزلنا ويضع مسدسًا في فم أخي ويخلع أسنانه، ويفجر رأسه، ويسيح جزء الدماغ والدماء على الحائط أمام عيني، ذلك هو الطبيعي بالنسبة لي، أنا لا أهتم بما تسميه “طبيعيًا” كما تظن!”
حقاً ما هو “الطبيعي”؟ هل الطفل الذي تربّى في ظل أب قاسٍ غضوب، كالذي تربّى مع أب يخاف من أمه، كالذي تربى مع أب زير نساء خليع، كالذي تربى يتيمًا ولم يرَه؟
هل البنت التي تربّت في ظل أم متزمتة، كالتي تربت مع أم خليعة، أو التي تربت في ملجأ أطفال، كالتي ارتكبت جرمًا صغيرًا ولم يرحموها وألقوا بها في الإصلاحية؟ هل الطفل الذي تربى في أحياء فقيرة يقف على ناصيتها مروّجو المخدرات، كالذي لا يعرف شكل الحمار والبقرة إلا في كتاب المدرسة، ويقابله ضابط الشرطة بالابتسامات من باص المدرسة؟ هل التكوين النفسي لشخص قصير القامة مثل فارع الطول؟ هل من يتعرض لتنمر وعنصرية بلون البشرة والأصل الاجتماعي، كمن يظن الإنسانية واجب مقدس ويرتحل مع بنك الدم ويرتدي قفازًا وهو يقدم الخبز للأطفال الجوعى؟

مستحيل طبعًا، مهما قال لنا الدجالون البشر يولدون متساوين، فإنهم ليسوا متساوين، لا حسب الجينات ولا تربية ولا طباع ورثوها، ولا أمراض اكتسبوها، وأغلب البشر لا يسعون لتغيير ما هو “طبيعي” بالنسبه لهم، بل يظنون “الطبيعي” عند كل شخص مثل الآخر.
حينما نقول إن زواجًا ما فسد بسبب بلادة زوج، أو بخله، أو طبعه الفظيع، أو عدم نظافة زوجتة وكسلها وبلادتها، أو عدم تحمل المسؤولية، أو افتقاد روح المرح والخفة، أو ما فطرت عليه الزوجة من حقد مشتعل، أو خيانة زوج، كل هذا لا يتعلق بالحب ذاته، بل بعوامل أكبر منه تهزمه.

إن فهم تاريخ الإنسان، يسد فراغ أول بناء في الحكاية، يعرفنا الشخص (كما هو عليه) سواء أنا أو الآخر، أما ما نرغب أن يكونه، أو يرغب هو أن يجده فينا، فهو يأتي من دوافع الحب.

2- الدافعية للحب

يرفض الغالبية من البشر حين يقعون في الحب الاعتراف بأن لديهم دوافع وأسباب لذلك، ويقولون ببساطة: “هكذا حدث الأمر دون أسباب!”
هذا يرجع لنفي الصفة “النفعية” التي نتعامل بها في حياتنا اليومية مع الناس، وإضافة نوع من التميز على علاقتنا بالشخص المرغوب فيه، وهذه النزعة الرومانسية في العلاقة لا نأمل أن نعكر صفوها، إذا كانت العلاقة تسير على ما يرام.

أما إذا وقعت الأزمات، فعلينا أن نزيح الخرافات جانبًا، كما استغنى البشر عن خرافات المنجمين حول مواقع النجوم، والعرّافين في معرفه متى تمطر، ورجال الدين في معرفه رضا الله وعدمه عن حياتنا، واستبدلوها بهيئة الأرصاد الجوية والتلسكوبات، الآن علم النفس التطوري يغزو ويهدم قلاع السحر الرومانسي القديم المصبوغ على الحب، ويضيف لنا أوصافًا دقيقة لما نختار هذا الشخص دون ذاك، وإن كانت محاولاته قابلةً للفشل والنجاح، فإنها أرحم علينا من يقين الخرافات، فهو يجيب عن: ما الذي تراه في هذا الشخص كي تحبه؟

خذ مثلًا حين يرشح لك أحد أفراد الأسرة أحدهم كي ترتبط به، فإن عقلك يتجه بعاطفة عدوانية تجاة الشخص كي تفحصه من شعر رأسه لأخمص قدمه، وتكون ملاحظات دقيقة جدًا أشبه بملاحظات العلماء في تشريح الضفادع والفئران. أما حين يكون القرار قرارك، يقع العقل تحت وطأة اللاوعي مسلمًا إرادته له، وحينما تجد الشخص فيه أشياء قليلة كما (نرغب أن يكون) يكمل من تلقاء نفسه الناقص، ويقع في الحب بطريقة سحرية!

سآخذ مثالًا من تجربتي الشخصية: لقد وقعت في غرام فتاة من المحادثات الإلكترونية الكتابية والصوتية التي بيننا، رغم أنني لم أرَها في حياتي أبدًا، واستمر هذا الموضوع سنة ونصف. ألم أكن مغفلًا؟ كلا، إنني عندما تصرفت بطبيعتي وطلبت رؤيتها في المرات الأولى، قالت لي إنها فتاة محترمة، ولا ترسل صورها لأحد، وترجم عقلي هذا على الفور -آنذاك- أنها فعلًا فتاة تحظى بتربية محكمة، وأنها لو أعطتني صورتها فإنها رخيصة! في الوقت ذاته قالت لي إنها تعمل طبيبة، فترجم عقلي هذا على الفور أنها ذكية وقد حصلت مجموع في الثانوية لم أحصله، وكان صوتها مغناجًا ورقيقًا، وصوتي خشنًا، وقالت إنها بيضاء حليبية، صهباء الشعر، متوسطة الطول، وعيناها خضراوتان. وأنا كنت فارع الطول ضخم الجثة، أسمر البشرة، وعيناي عاديتان، ولنا اهتمامات مشتركة بالقراءة وآراؤها توافق آرائي مهما اختلفنا في النقاش. فلِمَ لا؟
وتحت هذا الانجذاب تقبلت كل المبررات السخيفة كي لا تقابلني ولا أراها، بل كانت تستخدم الدموع والهجر لو لزم الأمر، كنت أقول لها أنه ليس عدلًا أن تعرف عني كل شيء وتراني تمامًا، وهي لا تعرّفني عنها إلا ما تريد أن أعرفه، وكأنني أكلم شبحًا، ومع ذلك كنت واقعًا في غيبوبة الحب، وأتقبل هذا!

واكتشفت في النهاية أنها مجرد امرأة بدينة، تعمل ممرضة، متزوجة، وتخترع شخصية إلكترونية توازي حياتها البائسة، كنت قد سألتها ذات مرة عما إذا كانت لن تحبني إن لم أكن ممارسًا لرياضة قتالية وجسمي مقسم بالعضلات، وكوني قصير القامة وبكرش وصلعة، فقالت: لا طبعًا، ولكن لا أنكر أنني كنت سأعجب بشخصك، ولكن لن أرتبط بك!
فما بالك لو كانت قد تناثرت قطعة زجاج دون قصد في عيني، وأصبحت أعور، أو أكتشفت أنني عقيم أو في تحليل بولي ظهر فشل كلوي، أو فعلت معها نفس الشيء وكلمتها من وراء شاشة، واكتشفت فجأة أنني عاطل بكرش أفعل نفس الشيء مع غيرها، أو حتى شخص كفيف يجيد المحادثات بالتكنولوجيا الحديثة؟
هنا يأتى السؤال: هل هي كذبت عليّ؟ كلّا، لم تكذب علي. وسأقولها بعبارة فصيحة: “لقد أعطتني ما كنت مستعدًا لأخذه.”

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.