تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف أتعافى من خيبات الحب؟

ربما قابلنا شخصًا ما صدفةً، وقال نفس الأشياء ونفس الحجج ضد من جرحوه، أو ربما لم يكن ضميره يؤلمه عمّا قد حدث، بل كان سعيدًا بالتخلص من علاقته المشؤومة، واكتشفنا في النهاية -بالصدفة- أنه يتحدث عنك أنت، رغم أنك قلت نفس الكلام عنه، ولم نكن نعرف إلا من باب الصدفة أنك تعنيه هو بهذا الكلام، فمن منكم على حق؟
عندما نقع في حب شخصًا ما، فإننا في الواقع لا نحب شخصًا واحدًا، بل ثلاثة أشخاص: الشخص كما هو عليه، نفس الشخص كما نرغب (نحن) أن يكون عليه، ونفس الشخص كما يرغب (هو) أن يكون.

وإذا كانت علاقة الحب والمودة تسير على ما يرام، مع قدر قليل من المشكلات التي يمكن تجاوزها، فإن الثلاثة أشخاص المذكورين سلفًا لا تصبح الحدود بينهم واضحةً وحادةً وصلبةً، بل تصبح سائلةً ومرنةً وعائمة، بل إن هذا السيلان هو ما يساعد على ازدهار العلاقة واتزانها بين كافة الجوانب. أما إذا فشلت العلاقة في تجاوز مشكلاتها، وكانت تتعثر باستمرار، فإن السيلان يتبخر ببطء، وتبدأ الحدود تظهر، ولكي ينجو الإنسان بنفسه يجب أن يجمد هذا السيلان، ويحدد بشكل صارم: من هو هذا الشخص أصلًا؟ وماذا يريد؟ وماذا أريد أنا منه؟

تذكر كم عدد المرات التي قدمت فيها شخصًا تحبه لأحد المعارف السابقين لك أو دائرة المقربين، وبعد التحيات والأحاديث الترحيبية الروتينية، همس لك بتعليقه عن الانطباع الأول أو الثالث عن الشخص: ما الذي تراه فيه كي تحبه؟

أو حتى يقال في ظهرك هذا الكلام: ما الذي أعجبه في تلك الشخصية كي يحبها؟ أو لقد كان محظوظًا بهذه الإنسانة! أو أنها محظوظة لأن قلبها أحب ذلك الإنسان!

هذه التعليقات تعبر عن أشياء عديدة: ذوقهم الشخصي في اختيار إنسانٍ موضوعًا للحب، أو رأيهم الخاص فيك وما تستحقه، أو رأيهم في الشخص الذي قدمته، وما يستحقه.

إعلان

نستنتج أيضًا من هذه المتاهات الكثيرة أشياء بديهية للغاية:

لا توجد طريقة واحدة للنظر لشخصٍ واحد، ومهما كتب الشعراء والمحللين والفلاسفة والأدباء عن الصفات التي ينبغي توافرها في الشخص المحبوب، والطريقة المثالية للحب والتعبير عنه، سيظل هذا كله تنظيرًا بعيدًا عن الواقع ولا يتماس معه إلا قليلًا، طالما سينتهي الأمر بسؤال كل واحد منا الآخر: ما الذي تراه في هذا الشخص كي تحبه؟

وتوجد عدة طرق ووسائل وغايات للحب، بعدد كل مولود ذكر أو أنثى يقع في الحب، حسب ما شكلته الظروف والبيئة، وكونته التربية والمجتمع وأهدافه التي يسعى إليها.

شيءٌ آخر: لقد تقاطع كل واحدٍ منا في حياة الآخر مصادفةً، مهما بلغ كمية الجمال في التعبير عن قدرية الموقف، وإصباغ معانٍ دينية سماوية وفلسفية عليه، ومهما مالت عقولنا لتصديق أن الموقف مُعد سلفاً، فإنه يظل مصادفة! فنحن –مثلًا- نظن أصدقاء العمر الذين قابلناهم في المدرسة وظلوا معنا سنوات طويلة، قد قُدر لنا أن نقابلهم، مع أن حبات قليلة وتافهة من الحبر الأزرق، من قلم مدير المدرسة الذي وقع على ورقة قبولهم من حوالي عشرين سنة مضت، بدون قصد، قد لا تجعل لهم وجودًا أصلًا! بما يحمله هذا الوجود -بالنسبة لنا- من ذكرياتٍ ومعانٍ وتجارب ومشاعر وحتى خبرات اكتسبناها منهم.

مثال آخر: مجرد إصابتك بالحمى في بداية السنة وما ترتب عليها من عدم إكمالك الدراسة، جعل دفعة أخرى من الزملاء مختلفة تمامًا عما كان مقدرٌ لك، حتى حبك الأول الذي تظنه جاء بالتنسيق والترتيب، فقد كان خاضعًا لظروف عشوائية تمامًا، فكل منا له مسار في حياته قبل وجود من قابلهم، ومسار أيضًا بعد رحيلنا من حياتهم، وتقاطعنا معهم مصادفةً في الطريق.

وإذا كنت تتفق معي أن عبارة (كان من المفترض أن يحدث كذا وكذا) بخصوص قصة حبك هي عبارة فارغة من المعنى، ولديك استعداد لتقبل ما حدث كما هو، بدون أي أبعاد دينية وفلسفية وميتافيزيقية أكبر من حجم الحدث، فأكمل قراءة المقال.

أيضًا إذا كنت تتفق معي أن كل قصة لا تشبه الأخرى، ولها ظروفها ومسارها الذي اتخذته، وأن ما حدث كان لا بد له من الحدوث ولا حيلة لنا فيه، يمكنك أيضًا قراءة المقال.

توجد طريقة واحدة – من وجهة نظري– لتجاوز فشل علاقة عاطفية، وهي طريقة صعبة للغاية، وهي تتبع المثل الصيني الذي يقول أن كل باب للدخول هو أيضًا باب للخروج، وتوجد طرق أخرى أسهل بكثير، وأكثر شعبية وانتشارًا، وأُفضّل أن أبدأ بهذه الطرق.

1- تجنب الألم:

يُعرّف أتباع مذهب اللذة (كأبيقور) والفلسفات المتفرعة من شجرته الكبرى كالنفعية والبرغماتية الإنسان (كماهية وهدف) ببساطة كالآتي:

هو كائن يتجنب الألم، ويسعى نحو اللذة/ السعادة -ويضيفون- لا أحد يرفض اللذة/ السعادة في حد ذاتها لأنها لذة، وأن لا أحد يرغب في الألم.

يتنبأ علماء المستقبليات بأننا سوف نصل إلى أجهزة دقيقة جدًا، قد تستطيع نزع التجارب والذكريات المؤلمة من مراكز المخ والشعور، من جهتي ليس لدي اعتراض إن كان حجم التجارب بشعًا، ولكن هل سيحل العلم كل الكوارث كي يبقينا في جنة السعادة؟ سيحل مشكلات مثل المرض والموت والحوادث البشعة؟ هل يستطيع زرع المعلومات فينا (كأجهزة الكمبيوتر) بكل الخبرات التي يمكن أن نكتسبها من معايشة الألم؟ هل ننسى دور الألم وأثره في إعادة فهم العالم بالنسبة للإنسان؟

ماذا أيضًا لو اكتفى الإنسان بما يعرفه –أو يظن أنه يعرفه– دون الشعور بالفضول! ومن الذي يحدد المعلومات التي نرغب فيها؟ كل هذه الأسئلة سيواجهها الناس في المستقبل، وستصبح صناعة نزع الذكريات المؤلمة والبرمجة كأي صناعة يدور حولها صراعات دامية تكذب هذا الحلم المبتذل بالسعادة، وإن كان سيتحقق جانب منه.

عندما يتعرض الإنسان لحوادث العالم الخارجي التي لا يد له فيها، أو لا يرغب أن تسير الأمور على هذا النحو، يتمزق داخليًا، ويتحول إلى قطع متناثرة كالزجاج المكسور الذي يقعد فوقه لحمه وعظامه، وعلى الرغم أن ما حدث أصبح أمرًا واقعًا، إلا أنه يظل غير مُستوعب، غير مُصدق، وغير مُنتظم داخليًا، فيتجه الإنسان –بشكل غريزي– لميكانيزم تحاشي التجربة، تجنب تصديقها، جعلها خللًا مؤقتًا وسيعاد النظام عما قريب.

إن الألم يبدأ على مستوى الجسد أولًا (صدمة، بكاء، صراخ، تحطيم أشياء، اعتصار، دموع ساخنة) وعلى مستوى العقل (تشتت، قلق، صدمة، بعثرة) ويظل هكذا، ويكوّن ندوبًا داخلية حساسة جدًا، كلما هبّت عليها نسمة ريح أو لمسة رقيقة تهيجها في الحال.

يبدأ الإنسان برؤية كل شيء من زاوية الحزن، أغانٍ، موسيقى، أفكار، مشاعر، وتبهت الصور الجميلة التي كانت مصدر بهجة في السابق، وكما قال الشاعر “روكا” الياباني:

“أمطار الشتاء تحفر الكتابة المنحوتة
على شواهد القبور المنثورة
وتبرز أحزاني القديمة المطمورة”

إن الشاعر هنا مستعدٌ للنزيف، في حين يقفز الأطفال فرحًا بالمطر، لكن جرحه متهيج، إن الشخص الذي تعرّض لخيبة حبٍ يظل في نفس الأماكن، والعادات القديمة، والذكريات، مع اختلاف واحد؛ لم تعد كما كانت.

هناك طريقة؛ هي دفن كل هذا داخل طبقات اللاشعور والعقل، باعتبار أنه لم يحدث أصلًا، أو أن الأمر مزحة!

قد يصل حال الإنكار لانفصال الشخص عن الواقع، وحدوث أمراض ذهانية عديدة، وقد يتحمل الشخص الكوابيس والأوجاع في صبر، لكن هناك عدة طرق لدفن الألم، كالعلاقات الجنسية المستهترة أو شرب المخدرات والخمور أو غيرها، وكلها لا تعالج الأمر كما ينبغي أن يكون، ولكن يظل الشخص قابعًا هناك مع ممارسة حياته العادية.

2- الإلحاح على التعافي:

يتعرض الأشخاص الذين منوا بفشلٍ في الحب إلى إلحاحٍ مباشر أو غير مباشر على التعافي، سواء من داخل الذات منبعه الكبرياء، والتشامخ، وعدم إظهار شماتة الآخرين، واحتقار الضعف وعدم إظهار ذلك للطرف الآخر، أو من قبل المحيطين به كالأصدقاء ومديري الأعمال والمطالب الحياتية، لأنهم يريدون منه إنتاجًا أو أشياءً أخرى متعلقة به، في مسار حياته الطبيعي.
كل هذا هدفه أن يؤكد الشخص أنه على ما يرام.

إننا في عصرنا الحالي -وهذه شهادة للأجيال اللاحقة- نواجه احتقارًا مبالغًا فيه لأدنى المشاعر البشرية وحقها في التعبير عن نفسها، حقًا إن للعالم الخارجي متطلباته ولا يقدم شيء هكذا، ولكن لماذا لا يوفر لنا مساحة كي نقع؟

إن التشامخ، وادعاء القوة، والتعافي المبكر، له ثمراته، يمارس الشخص حياته العادية، يؤكد لنفسه أنه بخير على ما يرام، يشارك في أنشطة اجتماعية كي لا يقولوا عنه منعزل أو خجول أو مجروح وهكذا، ولا يجد من يتحدث معه عن مأساته المملة إلا لو دفع للطبيب النفسي مالًا، أو لساقي الخمر، أو لعاهرة لا تهتم بما يقول، وينتهي الأمر بانتحارٍ مفاجئ، أو أعراض هستيرية.

لا أقول طبعًا أن كل شخص له الحق في المبالغة في مأساويته، لأن أغلب الناس يتصنعون هذا الوضع لجذب الانتباه وأن يكونوا محور الأحاديث والتعاطف، ولكن الشخص الذي لا يخصص وقتًا كافيًا لحزنه، لا نستطيع فعل أي شيء له.

3- المظلومية:

لا يوجد أحدٌ عاش الحياة ولم يقابل هذا الشخص الذي يدّعي باستمرار أنه قد ظُلم، وأنه تحمل ما لا يُحتمل، فإن اتخاذ وضع المظلومية يعفيك من تحمل المسؤولية تمامًا، ويلقي بالمسؤولية على الآخرين، إن وضع المظلومية يوهم الآخرين بأن الشخص الذي يشكي لو كان محل من ظلموه فإنه -قطعًا- لن يفعل ذلك، وهذا كلام لا توجد ضمانات عليه!

إن مرحلة المظلومية في حد ذاتها جيدة، لأن الشخص ينتقل من آلام الجسد إلى آلام العقل، وهذه علامة طيبة؛ إن أرضية الشخص بدأت تتشرب ما حدث، وبدأ يستوعب ما يدور حوله: لقد قدمت حبًا وقوبلت بخيانة وخذلان، لماذا؟

فإن البداية دائمًا –بحكم طبيعتنا الأنانية المشفقة على ذاتها– تأخذ هيئة الدفاع أمام المحكمة العقلية، إن عقلنا يحاكم، وشعورنا يُدافع، إن عقولنا تمشت قليلًا نحو ناصية المحكمة وجلست، وبدأت تستأنف عملها بعد الإجازة الإجبارية من الألم.

يبدأ الإنسان بالدخول في أزمات دينية وفلسفية: لماذا كل هذا الشر؟ ويبدأ بالتساؤل عن الإنسان الذي كان معه: هل فهمته حقًا؟ ما هي طبيعته؟

إن هذه المرحلة تعيد كل المفاهيم السابقة وتفككها وتجزئها، ثم تعيد تركيبها، كما قال سيوران:

“إن حبًا يخيب، هو تجربة من الثراء كفيلة بجعل حلاق نظيرًا لسقراط”.

يوجد أناس متدينون يحلون هذه المعضلات هكذا: يوجد في العالم نوعان من الناس: أشرار وأخيار، نحن وهم، لقد قُفلت القضية، إن مصير الآخرين هو الجحيم، أو ننتظر المحاكمة النهائية. أنا لا أكتب المقال لمثل هؤلاء، أنا أثق في المحاولات المتواضعة والخاطئة للفهم البشري ولا أقفل أبدًا أي قضية.

يقبع أناس كثيرون جدًا، كثيرون جدًا جدًا في مرحلة المظلومية، ويخفونها في طيات شعورهم، يتحولون إلى كارهين للجنس الآخر، أو كارهين للبشرية في العموم.

يتحول ضعاف الإرادة إلى أشخاصٍ مؤذيين، ويتحولون إلى منتقمين من آخرين لا ذنب لهم فيما حدث، لا ننسى أن مرض البارانويا (جنون العظمة) هو في الأصل ناشئٌ عن شعورٍ حاد بالاضطهاد، والاضطهاد شعور منبثق من رحم المظلومية.

إن هذه المرحلة يجب أن نحترمها، لكن نوقف تعاطفنا إلى ذلك الحد الذي نجد الشخص فيه منغمسٌ تماماً فيما يسميه “نيتشة” حقد العبيد، وبدأ يكيل اللعنات لكل شيء وأي شيء، ويستولي عليه انتقام العاجز ويشكل باقي حياته ونظرته للحياة، ويقول مع شكسبير (الجحيم فارغة، الأوغاد كلهم هنا.

يمكننا أن نقول لشخصٍ مثل هذا بضمير مرتاح:

“لقد قابنا شخصًا ما في رحلةٍ في قطار، أو في موقف باصات، أو في انتظار مقابلة عمل أو وجبة طعام في مطعم بالصدفة، وتكلم عن تجربة حبه من باب الدردشة الودية، وكان يتكلم بحزن وشجن أتبعه غضب شديد! ويسوق حججًا قوية ضد المظالم التي ارتكبت في حقه، والأسى الذي ذاقه، وبعد المقابلة اكتشفنا -بالصدفة- أنه نفس الشخص الذي كنت تتكلم عنه أنت بأسىً وغضب، وتسوق ضده حججًا قوية، وتظن أن ضميره يؤلمه، ولا يعيش حياته على ما يرام هانئ البال بسبب ظلمه لك، لقد قال نفس الأشياء عنك، وصدق أو لا تصدق؛ لقد كان سعيدًا بأنه قد تخلص منك!”

4- اعتبار الآخر مريضٌ أو شرير:

في تلك المرحلة يحاول العقل الجلوس على مقعد المحاكمة بطريقة أكثر عقلانية، ولكنه يبدأ على نحو متطرف –بضغط من الشعور بالألم– ويسأل نفسه: هل قصد الشخص إيذائي بشكل متعمد؟

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.