الدّماغ والصدمة النفسية -مترجم-

تنويه  من المترجم : تمّت ترجمة هذا النصّ نقلًا عن اللغة الانكليزيّة، وهو في الأصل ورقة علميّة حول الصدمة النفسية من منظور التحليل النفسي العام، والفروق الفردية في الاستعدادات الجسميّة والوراثيّة لهضم الصدمة مقابل أفراد آخرين يتأثرون مباشرةً بها. كذلك تأثير الصدمة على الدماغ و تقاطعها مع الاضطرابات السلوكية والشخصية للأفراد المعرّضين للصدمة.. إضافة إلى طرق العلاج من خلال التحليل النفسي . وقد اخترتُ تناول هذا العنوان وسط كلّ هذه العناوين بناءً على العلوم العصبيّة التي تعمل و تتقاطع  مع التحليل النفسي منذ عام 2000 على يد، Mark .Solms و هي في تقدّم ملحوظ جداً حتى يمكن القول اليوم، أنّ المدرسة النفسية الرائدة هي “التحليل النفسي العصبي”، لكم المؤتمرات والأوراق البحثيّة والكتب التي تناولتْ إمكانية تفسير الظواهر العصبيّة للسلوك وعمل الذاكرة والدماغ على ضوء أبحاث فرويد. و لاحقاً في 2019, John Dall’Aglio أطلق ورقته البحثية Of brains and Borromean knots: Lacanian metaneuropsychology، وهي برأيي خطوة في المسار الطبيعي الّذي رسمه فرويد عندما قال أنّه في يوم من الأيام سيتم تفسير هذه الأفكار على أساس العلوم العصبية.

ملاحظة: إن الكلمات المكتوبة بشكل مائل ضمن النص هي من إضافة المترجم بهدف الإيضاح. كذلك الأمر بالنسبة للحواشي المذكورة.

النص المترجم:

سأقدّم مسحًا موجزًا للأبحاث العصبيّة والنفسيّة الحالية المعقولة حول الذاكرة، ذات الصّلة بالتفكير في هذه المشكلة . (مظاهر الصدمة النفسية في الدماغ)

لغرضنا هذا سأناقش نظامين للذاكرة:

إعلان

الأولى: تشارك الذاكرة الصريحة (explicit) (العرضية، السيرة الذاتية) في الاسترجاع الواعي للمعلومات، وتتعلق بتذكّر الأحداث. هذا يتعلق بذاكرة السيرة الذاتية لحياتنا. (على سبيل المثال رأيت لأوّل مرّة زرافة في حديقة الحيوان عندما كان عمري 4 سنوات). الثانية:الذاكرة الضمنيّة (implicit) (الإجرائية) خاليّة من المحتوى ويمكن استرداد المعلومات دون تجربة التذكّر .المثال الذي غالبا ما يُعطى هو ركوب الدراجة، الغرض من هذا الحديث؛ أنه من المثير للاهتمام الاعتقاد بأن هذه (الذاكرة الضمنية) تتضمن أيضا تذكر المواد من وقت مبكر جدًا في حياتنا العاطفية – ما قبل عمر السنة – قبل أن يكون لدينا كلمات لتشفير مثل هذه الأحداث ( coding). قد يتم ترميز التجارب العاطفية للعلاقات المبكرة داخل نظام الذاكرة هذا ،وقد تمّ صياغة عبارة تصف هذا النظام: (المجهول/ المعروف). هذا يجسّد الإحساس بتلك الأشياء التي نعرفها ، والّتي لا ندرك حتى معرفتها.

تشير الأبحاث النفسية العصبيّة إلى أن النظامين (الصريح والضمني) مستقلان عن بعضهما البعض،يشارك الحُصَين (hippocampus) والفص الصدغي  (temporal lobes) في تسجيل ذكريات أحداث السيرة الذاتية – الذكريات التي يمكن استدعاؤها وتذكرها-.

لا تظهر الذاكرة الصريحة في مرحلة الطفولة المبكرة، وذلك ببساطة لأنّ الحُصَين غير متطوّر وغير ناضج. وبالتالي؛ فإنّ فقدان الذاكرة في مرحلة الطفولة المبكرة (قبل 18 شهرًا) هو حقيقة لأسباب عصبية سليمة.

يتم تطوير النوى داخل الدماغ التي تُسمى العِقد القاعدية واللوزة بشكل جيد عند الولادة، وهي تشارك في التعلّم الضمني/المجهول، يتم وضع الذكريات المتعلقة بالعلاقة في الذاكرة الضمنية (implicit memory) في وقت مبكر، وهي غير متوفرة للاستدعاء الواعي لأن نظاميّ الذاكرة غير مرتبطين، وبالتّالي فإن هذه الذكريات غير متوفرة للاستدعاء الواعي في نظام ذاكرة السيرة الذاتية، لذلك نحن لانتذكر تفاصيل السيرة الذاتية في وقت مبكّر ،أو الأحداث التي حصلت ولكن لدينا ذاكرة من الشعور العاطفي لأنفسنا في تلك السنوات الأولى. ويمكن إعادة تجربتها في علاقة التحليل النفسي1 ، والتي قد تكون قادرة على فهمها. (على سبيل المثال ، الشعور بالإحباط أو عدم الأمان).

أعتقد أنه في اضطراب ما بعد الصدمة الشديد (PTSD) ، مثل الذي يعاني منه المرضى اللاجئين – عينة كان يعمل معها– هناك احتمال قوي بأن يكون هناك ضمور في الحُصين ، وتغيير الوظيفة الطبيعية لهذا الجانب من ذاكرة السيرة الذاتية ، كما لو أن الذكريات يتم إعادة تشغيلها على بكرات لا نهاية لها من الشريط.

قبل بضع سنوات كان هناك جدل حول عمل ” معالجين الذاكرة المستعادة 2 ” التي تدعو  إلى استعادة الذكريات المكبوتة من سوء المعاملة الأبوية الماضية، أذكر ذلك هنا لأنّ العمل المنجز في توضيح العلاقة بين الصدمة والذاكرة له صلة بحديثي. فقد أصبحت بعض هذه الذكريات المستردّة أساسا في حالات قليلة للمطالبات القانونيّة المثيرة ضد الآباء المسيئين المزعومين.

كما قرأتها ،يبدو أن الأدلة تشير إلى أن الذكريات المستردّة لا يمكن الاعتماد عليها، وبداية القدرة اللفظية يوازي القادمة على خط الحُصين في عمر 18 شهرًا. وربما التفاعلات السّردية بين الوالدين والطفل خلال السنوات اللاحقة (هل تتذكر متى؟) قد يعزز معالجة الذاكرة الصريحة ،أي يمكن تحسينها مثل: ذاكرة أحداث معينة عندما يتم ترميزها ضمن علاقة آمنة بين الوالدين والطفل. لكن الأدلة من المرضى المصابين بصدمات شديدة تشير إلى أن المستويات العالية للغاية من الإثارة العاطفية يمكن أن تُضعف الذاكرة بالفعل،مستويات عالية جدا من هرمون الإجهاد المتداول الكورتيزول قد يسبب ضرراً للحُصَين،وبالتالي التدخل في الذاكرة الصريحة. وبالتالي يبدو من المحتمل أنّ ذاكرة الأحداث التي تمرّ تحت ضغطٍ عالٍ قد تكون مشفرةً بشكل سيءٍ في العقل.

يذهب فوناجي 3(1999) إلى حد القول إنه :”ربما يكون أحد أهم علامات الصدمة الفعلية هو الضرر الذي لا يمكن علاجه لعمليات الذاكرة”.

يستعرض هدفنا هذا الأدبيات النفسيّة حول الذاكرة ويستنتج من بين أمور أخرى إلى أن عملية إعادة بناء ذكريات الصدمة لا يمكن الاعتماد عليها وتتأثر بشدة بالدافع. (على سبيل المثال لإرضاء المعالج الإيحائي.) تشير إلى أن الآلية الدفاعيّة المرتبطة على الأرجح بالصدمة في مرحلة الطفولة هي الانفصال،(Dissociation) (وهو انفصال عن العاطفة ) بدلًا من ال  (Repression) كبت.

يُعتقد أنّ الكبت عمليّة دفاعية أكثر نضجا فالعقل غير الناضج وغير المُنظم للرضيع لا يلجأ إلى الكبت كوسيلة لإبقاء المواد غير السارّة بعيدة عن الوعي .

الحالات المستهدفة: الأشخاص الذين تعرضوا لصدمة نفسية خطيرة في مرحلة الطفولة المبكرة هم أكثر عرضة لتوليد ذكريات كاذبة عن الصدمة؛ يشعرون أن شيئًا ما حدث وقد يشعرون بضغط للتذكر ، ولكن من المرجّح بشكل خاص أن تكون عمليات إعادة البناء الخاصة بهم خاطئة ، على سبيل المثال قد يتم تحديد الشخص البالغ الخطأ على أنّه المعتدي،أو قد يتم تذكر العلاج الطبي على أنه اعتداء جنسي.”

إنّ البنية النفسيّة الأولية للإنسان تبدأ بالتشكّل منذ ولادته إلى حين بلوغه السبع سنوات تقريبًا. خلال هذه الفترة العمريّة يكون الطفل قيد التحصيل والتثبيت لخبرات سلوكية ونفسية وأخلاقيات و عادات،ليعود و ينقّحها لاحقًا خلال مسار حياته، فإن أصابه صدمة نفسية في تلك المرحلة الأَوليّة فأنها تترك عليه أثرًا بالغًا من التركيب الإشتراطي و رسم المسار العصبي في الذاكرة ليعود له لا إراديًا عندما يواجه المُحفّذ الذي يرتبط بالذكرى الصدمية. وهكذا يعيش النمطيّة pattern في السلوك التكراري لمحاولة دائمة منه لأصلاح الحدث .

————————————–

1-  يعمل التحليل النفسي  على استعادة تجربة ما لتطهيرها من تجاوزاتها العاطفية كنوع من التفريغ الحرّ. وفي بعض الأحيان تكون وسيلة لإدراك الأحداث المؤلمة المكبوتة وذلك من خلال عملية التداعي الحرّ وما تحمله من خطاب لاواعي.

2- مصطلحًا علاجاً نفسيًّا باستخدام طريقة أو تقنية أو أكثر لغرض استرجاع الذكريات.[1] إنه لا يشير إلى طريقة علاج محددة ومعترف بها، بل يشير إلى العديد من تقنيات المقابلات المثيرة للجدل أو غير المؤكدة، مثل التنويم المغناطيسي والصور الدلالية، واستخدام العقاقير المهدئة والمنومة، التي نادراً ما تستخدم في العلاج المسؤول عن اضطرابات ما بعد الصدمة النفسية واضطرابات الانفصام الأخرى. يدّعي أنصار العلاج أنّ الذكريات المؤلمة يمكن أن تدفن في العقل الباطن وتؤثر على السلوك الحالي، وأنه يمكن استعادتها.

3-  Peter Fonagy، عالم نفس ومحلل نفسي إنجليزي، قام بتطوير نموذج الذهنية،( metallization) أو ما يعني القدرة على تفسير سلوك الفرد نفسه أو سلوك الآخرين من خلال إسناد الحالات الذهنية.

———————————————–

عنوان البحث الأصلي :

TRAUMA: A PSYCHOANALYTIC PERSPECTIVE

A Public Lecture by Rick Curnow, Adelaide, 22/3/07

تم انتقاء عنوان من العناوين المطروحة في البحث وهو : The Brain And Trauma

إعلان

فريق الإعداد

تدقيق لغوي: علا أيوب

ترجمة: محمد الأمين

اترك تعليقا