تأخذك إلى أعماق الفكر

كورونا: نقطة فارقة

لم يتخيل أحدٌ أن ليلة رأس سنة 2020 ستفضي إلى عام أغربَ من الخيال العلمي، ولم يتوقع أحد أن عام 2020 سيتحول إلى نقطة فارقة في حياتنا، لم نشهد مثلها من قبل، لا تقارن بأي حدثٍ جللٍ سابق خلال المائة عام الماضية، ولم يستوعب الكثيرون بعد هول الكارثة _فيروس كورونا _ التي أصابت البشرية، ولم يستوعب الأكثرون أن تجاوزَ الأزمة الراهنة يتطلب منظوراً مختلفاً، وفكراً جديداً، وعقليةً مغايرة، ومشاعرَ أكثر سمواً، فالبقاء ليس للأصلح أو الأقوى، وإنما لمن تعلم دروس هذه المحنة.

بدأت أخبار ظهور فيروس كورونا القاتل تتسلل إلى الإعلام، ولم يُعرْها أحد الكثير من الاهتمام؛ فالصين تقع في أقاصي الأرض، ولا علاقة لنا بها سوى منتجات مقلدة أبخس ثمناً وأقل عمراً، وعَلَتْ بعض الأصوات تسخر من وضع الحريات في بلدٍ حاول أن يدق ناقوس الخطر، فكانت التعليقات بأن تويتر أصلاً ممنوع في الصين، فكيف تصلنا تغريدات من خلاله؟ وتهافت رواد مواقع التواصل الاجتماعي على الاستهزاء بشعب رُزِخ تحت وطأة تفشي وباء خرج في ليلة وضحاها عن السيطرة. وفي ليلة وضحاها صار الوباء واقعاً لا مناص منه، طال الجميع، فلم يفرق بين من يستعمل تويتر ومن لا يستعمله، وبدا أنه جاء ليعلم البشرية دروساً كان تقدمها الحضاري وتطورها التكنولوجي قد أنساها إياها.

وجاء الحجر الصحي، وأغلقت المطارات، وفرضت إجراءات احترازية تباينت في شدتها، وتحولت شاشات التلفزيون إلى أرقام يومية، تحصي الإصابات والوفيات، وانقسم الناس، فآثر البعض السلامة، وتمرد آخرون، واستسلم البعض لوضع جديد آملين في العودة إلى قديم اعتادوه، وتفكر آخرون في جديدٍ قادمٍ لا يعلمه إلا الله.

وعلى الرغم من نداءات متكررة بضرورة تضامن البشرية جمعاء، ووقوفها كالبنيان المرصوص في وجه كورونا ، ونداءات بحتمية وقف كافة الحروب والصراعات، ظلت أولويات الأخبار تنتقل بين أعداد رضخت للفيروس، وأرقام اقتصادية ذات مؤشرات ودلالات، واستمرار صراعات لا طائل منها، والمشكلة الكبرى هي موعد عودة مباريات دوريات كرة القدم!

ومع انتشار مصطلح «التباعد الاجتماعي»، ولجوء حكومات عدة للحجر المنزلي وحظر التجوال، هرعت شركات الاتصالات لطرح باقات الإنترنت والمكالمات، ولجأت المؤسسات التعليمية للتعليم الافتراضي للحفاظ على وجودها، وحاولت الرأسمالية نشر الشعور بالذنب لدى المواطن باعتباره مسؤولاً عن الركود الاقتصادي الوشيك، وخرج علينا رجال الأعمال -وأولهم الرئيس ترامب- يطالبون بضرورة عودة الحياة لطبيعتها وإلا…

إعلان

إلا أن هناك من أخذ يتعلم الدرس أو بعضه، وبينما يستمر من ينتظرون انكشاف الغمة على انتظارهم، وجدنا من بادروا باتخاذ الأمور على محمل الجد  -ليس من قمة الهرم كصناع قرار، وإنما على المستوى الشعبي والإنساني-، فخرج الشعب الإيطالي يعاضد بعضه البعض بالغناء والألحان في سيمفونية من التضامن الاجتماعي لا يقدر عليها سوى الفن الجميل، وفتحت المكتبات الكبرى ودور الأوبرا في العالم أبوابها على الإنترنت في محاولة لمساعدة الناس على استعادة القراءة كمصدر للتسلية والثقافة، وخرجت الناس إلى شرفاتها تصفق للأطقم الطبية التي واجهت شبح الموت في استماتة وإنسانية، وتحول مصطلح «التباعد الاجتماعي» ليصبح «التباعد الجسدي»، وذلك للحفاظ على الترابط الاجتماعي وأواصر التضامن؛ فبدأ الناس في صياغة معانٍ جديدة لعلاقاتهم مع بعضهم البعض، ومع حيواناتهم الأليفة، ومع الطبيعة ذاتها، ومع مفاهيم الاستهلاك، فظهرت مهارات جديدة وسمت المشاعر وتفتحت الأذهان، وبينما حاولت اليابان إقامة حفل تخرج ظهر فيه الروبوت ليحل محل الإنسان، دعا طالب في أمريكا الرئيس السابق أوباما لإلقاء كلمة لخريجي الجامعات هذا العام، ويتغير الإيقاع، وتستعيد الطبيعة توازنها.

ومع تزايد وتيرة القلق لدى الناس، ما بين قلق من فقدان الوظيفة وتوقف الدخل والراتب، وقلق على الصحة والقدرة على الحصول على رعاية طبية من عدمها، وتفاقم القلق من مستقبل غامض لا يبدو له ملامح معروفة أو مألوفة، بدأ يتكشف لنا أن البحث عن الأمان والطمأنينة مطلبٌ أساسيٌّ بل وحق لكل إنسان. ويتضح رويداً رويداً أن هذا الأمان ليس شخصياً فقط، وإنما أمان مجتمعي، قد يتطلب بزوغ نظام عالمي جديد، تُرصَد فيه ميزانيات الدول للأمن الغذائي والصحي، ويعتبر فيه العلم والتنوير والتثقيف أولوية، ولا شك أن أمراً ما سيحدث، وتغير -أو تغيرات ما- سيقع.

وربما تعود الحياة قريباً إلى «طبيعتها»، ولكن هل نريد فعلاً أن تعود إلى سابق عهدها؟ أم أن البشرية _بعد كورونا _ ستتجه إلى آفاقٍ جديدةٍ، وربما تستعيد إنسانيتها؟

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: ليلى أحمد حلمي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.