تأخذك إلى أعماق الفكر

في الأديان .. هل الله موجود أم غير موجود ؟

هل الله موجود أم غير موجود ؟

مقدمة:

عاش في الأزمنة القديمة جدًا مُعلم قدير، حنكته التجارب، ومعركته مآسي الحياة.
كان هذا المُعلم يجلس ساعات طويلة صامتًا، متأملًا، يتنفس بهدوء شديد، وكان معه تلميذ وحيد تبقى من تلاميذه الكثر، الذين غادروا وملوا منه!
في يوم من الأيام قال له التلميذ الأوحد:
– أخبرنى يا مُعلم… هل الله موجود أم غير موجود؟
فلم يرد المُعلم عليه! فظن التلميذ أن أثر البطاطس المُحمرة التي أكلها المعلم أتخمت معدته، فسأله في اليوم التالى:
– يا مُعلم أعطنى إجابة حاسمة…. هل الله موجود أم غير موجود؟
ولكنه أيضًا لم يرد عليه، فاستبد الغضب بالتلميذ، وذهب ليتأكد أن مطعم ماكدونالدز مغلق وخدمة توصيل المنازل معطلة، وتأكد أن معلمه لم يتناول الدجاج المُتبل، وقال له:
– يا معلم سأسلك لآخر مرة، وسأغادر بعد ذلك للأبد، إن لم تعطنى إجابة: هل الله موجود أم غير موجود؟
فالتفت إليه المُعلم وقال له بصوت واضح:
– هل أنت مستعد لسماع أي من الإجابتين؟
ولم يتكلم بعدها أبدًا!
دعكم من هذه القصة، سنعرف مغزاها فيما بعد…

الأديان… ياله من موضوع خطر جدًا، إننى أشعر بالهيبة والفزع كلما أتذكر قراء هذا المقال من الجهابذة والعلماء والفلاسفة ورجال الدين والنجارين وموظفى البريد والقوادين وتجار الأفيون، خاصة أننى أجريت اختبارًا للذكاء في الأسبوع الماضي، وتأكدت تمامًا من النتيجة: العمل المناسب لي هو حراسة العجول وإطعام الجمال!

لكن لا بأس، قد يطيب للمرء بعد أن يطعم عجله، ويربط ناقته، أن يدلو بدلوه وهو مسترخٍ على شيزلونج من التبن، ويسمع صوت مضغ البرسيم من حوله وصراصير الحقل، والبوم الظريف، ويكتب تأملاته (الزرائبية) حول هذا الموضوع.
في البداية أنا أعبر صراحة عن نفسى، ولا أحب اللف والدوران، وأتجه مباشرة لصلب الموضوع: لماذا الأديان موجودة؟ ولماذا الفلسفة؟ ولكنني سألقي نظرة على الإنسان أولًا.

أولًا الحالة الإنسانية:

إن أي دين على وجة الأرض، وأي أيديولوجيا أو فلسفة، لها على عاتقي حق الاعتراف بعبقريتها الخاصة في تشخيص الإنسان، أريد منكم تجربة بسيطة:
اجمعوا كل الأنبياء السابقين واللاحقين، وكل الفلاسفة، حتى ربات البيوت وفنيّي تصليح الغسالات والعاطلين في المقهى، اجمعوا كل هذا في مكان واحد (وحق تذكرة الطيران على حسابي) وأتحداكم جميعًا ألا يقولوا هذا الكلام في وصف الحياة الإنسانية:

” ما هذا العالم الذي نعيش فيه؟ الأشرار دائمًا ينتصرون، الطيبيون يهزمون!
ما الذي يفعله الإنسان سوى أنه يكدح ويعرق ثم يموت؟
حتى خلال رحلته القصيرة التافهة، يتعرض للكوارث والمجاعات والأمراض، يفقد أهله وأحباءه، يواجه عالمًا قاسيًا من الجشع والطمع والرغبة في السيطرة من إخوته بني الإنسان، فما هي نهاية كل ذلك ومعناه؟ وأين يوجد الخلاص؟ ”
حتى هنا يأتى أبرع وصف واقعي ستجده في كل الفلسفات وكتب الدين والكلام العادى للناس العاديين.
بعد أن يُنهي كل منهم ما عنده من كلام في تشخيص الإنسان، قل في مكبر الصوت:
– وما هو الحل؟

إعلان

وستحتاج على الفور كتيبة من شرطة مكافحة الشغب، مزودة بقنابل مسيلة للدموع، وفوج من عربات الإسعاف متراصٍ وراء بعضه في دوريات، كي ينقل المصابين من الجدل والصراخ والعراك إلى المستشفى مباشرة!

لآخر يوم في حياتى سأظل مطمئنًا على مستقبل المنطق والعلم الموضوعي، ليس لأن العلم شيء جميل والمنطق شئ مفيد أبدًا، بل لأن كل واحد منهم بعدما يعرض الحل الذي لديه، وكما يرغب فيه ويتمناه، عندما يتكلم الآخر تجد الصرامة العلمية علت سحنته، والعبقرية المنطقية ظهرت: كيف هذا ومتى يحدث؟ وأين هو الدليل المادي على كلامك؟ وتجده يضرب الطاولة بيده، ويصرخ، هذا ليس منطقيًا ولا علميًا ولا دليل عليه، تتحول مواهب الشك والريبة والتأني والدقة على العدو تغسله غسلًا في الحال، إن العلم والمنطق أداة لكلا العدوين، إن الضمانه الوحيدة لاستمرار العلم والمنطق والموضوعية، ليست حب الحقيقة ولا المعرفة ولا خير الإنسانية، بل الكراهية والتعصب والنرجسية وتسفيه الآخر… هكذا ببساطة وواقعية تامة.
لأدخل في صلب الموضوع أكثر: ما الحل الذي استطاعت الأديان تقديمه؟

ثانيًا: الحل الذي استطاعت تقديمه الأديان:

اسأل أي رجل عابر سبيل، أو امرأة في متجر بضائع: سيدتى… ماذا سيكون شكل العالم لو اقتلعنا الدين منه؟
ستقول لك:
– يا ساتر!… سيصبح هناك فوضى وهمجية كبيرة جدًا.. ولا أحد سيستطيع إيقاف الناس عن فعل الشر!
بغض النظر عن نصف الجملة الأولى، وبغض النظر أن هناك متدينون يفعلون الشر، ولكن نصف الجملة الثانية يحتوي على اعتراف أساسي، بطبيعة الإنسان الأصلية، التي يعالجها الدين، ولكنه اعتراف بطبيعته على أى حال.
جميل جدًا، ولكي أصف الحياة قبل الدين سآخذ مثالًا بسيطًا من التاريخ: كان الأسبرطيون شعب من قساة القلوب، ليس ذنبهم أبدًا، لقد شكلتهم الظروف الجغرافية ووضعتهم وسط شعوب عدوانية، مثل اليابانين القدامى وفترة الفوضى في الصين، فأصبح تفكيرهم كله منصبًا على إنتاج المحارب الصنديد.

كانت الدولة تأخذ الأطفال الرضع من صدور أمهاتهم، ولا تبالى بمشاعر الأمومة أبدًا، وتضع الطفل فوق سفح جبل، إذا تحمل المناخ مدة محددة ولم يمت، إذن فقد نجح في الانتخاب الطبيعى!
هكذا كانت في تاريخ أغلب الشعوب مبدأ شبه بديهى: العيش للأقوياء، والموت للضعفاء.
حتى بدأ البشر يؤمنون ب(الخير) و(الرحمة)، عندما ضجروا من الحرب وحمامات الدم، عندما ملوا الحروب والقسوة والغلظة، حتى أفنت القوة ذاتها، ظهر تقبل الضعف الإنساني وتقديره.
وكان الإنسان في البدء مندمجًا في طبيعته، طبيعته هي أهواؤه، وأهواؤه هي القانون، ولا رادع له إلا العالم الخارجي، ليس في العالم إلا أناه وأناه فقط.

حتى أفنت النرجسية نفسها، وبدأ الإنسان يعتقد (لا شئ كثير جدًا) ويقول (اعرف نفسك) أي اخرج خارج ذاتك، راقب ذاتك، كن واعيًا بما تفعل، لا تكن ذاتك، وظهر مبدأ (ما ترضاه لنفسك ارضه لغيرك).
لأن الأديان على اختلافها جميعًا جاءت للبشرية (ببشرى للسعادة)، جاءت تقول إن الخير ممكن وموجود، والدنيا ليست عبيدًا وسادة، فرائسًا ووحوش، هناك حل، وكل ما يحدث في الدنيا من متاعب هو لصالحنا، وكل آلامنا لها معنى.

في أي مكان على الأرض ستجد هناك نوعًا من الناس هرب للصحراء، وخرج على المجتمع ولعبته ودولاب عبوديته، يعيش على القليل، ويقبل الكل، بنيت الأديرة والمعابد وقبلت الجميع في رحابها، في عالم موازٍ للواقع المزري، خففت آلام المرضى وقبلت الضعفاء والعاجزين والمتعبين جميعًا دون تفرقة.
من ينكر أن الأديان في الهند قدمت خلاصًا خارج مجتمع طبقيته الصارمة؟ وفي الشرق ومصر، عندما فقدت الناس حس العدالة في الأرض، تحت السياط والظلم، قدمت لهم العدل الكامل المطلق فيما بعد الموت.
لقد كان اليهود بالنسبة لأنفسهم (شعب الله المختار) ولكنهم في واقعهم، كان الرومان يسمونهم (شعب الله المختار)، هكذا جعلت الأديان شعبًا يتحمل الحياة.
كان لي صديق مصاب بعدة أمراض، قال لى بكل صراحة ذات يوم:
– ما الذى يجبرنى على غسل وجهي وأسناني، والتعكز حتى ركوب المواصلات، ومقاساة نوبات صليل ألم فظيع في العمل كل يوم وكل ساعة؟ ما الذي يجبرني على كل هذا لو لم تكن هناك ثمة حياة بعد الموت؟

إن الأديان قدمت خدمة لعلم البيولوجيا لن يستطيع هذا الابن الجاحد ردها أبدًا.
من الذي ينكر أن الأديان هذبت الطباع الوحشية والبربرية؟ إن أغلب البشر قساة قلب أنانيون، ولكن بجعلها الشفقة والرحمة ذات ثواب مادى (مؤجل) لانت قلوبهم الغليظة المتحجرة، حتى السفاحين والمجرمين عالمهم متصدع، حتى العاهرات تريد شوقًا إلى عالم طاهر، من ينكر دور الأديان في تربية الأطفال؟
إن من لا يرى هذا هو بالتأكيد أحمق.
حتى الآن قلت ما للأديان والفلسفات من معروف، وآن الأوان أن أقول ما عليها.

ثالثًا الضريبة التي ندفعها بسبب الأديان:

كان البشر في العصور الأولى يتصرفون طبيعيًا: إنهم يقتلون الحيوانات بسبب الجوع، يخطفون النساء كي يتزاوجوا، يقاتلون جماعات بسبب الطمع في الأرض والأمن الغذائي والنساء وحماية الذرية، كانت كل هذه الدوافع لا تبحث عن مبررات، كان المجنون لأنه مجنون وحسب، وعندما يموت الواحد منهم فإن عمره قد انتهى.

وعندما دخل (العقل) و(الخير) و(الجمال) و(الحقيقة) و(الله) أيضًا لما عليهم من أفضال على البشرية، أصبحت كل الأفعال البشرية لها مبرر منطقي وفلسفي وسماوي، لقد أصبح قتل الحيوانات ليس مبرره الجوع، ولكن لأننا (أعقل منها) ونحن (صنع الله الأفضل)، وأصبح الزواج ليس غرضه النسل والتمتع بالجنس ولكن (رابطة مقدسة)، والحروب بين الجماعات ليس من أجل الأرض والغذاء والغضب والكبرياء وحتى إرضاء النوازع العدوانية، بل من أجل الوطن، الدين، الجماعة، وأصبح الموت ليس موتًا، بل (رمزًا وانتقالًا)، والمجنون ليس مجنونًا، بل هو في اختبار وابتلاء، أو روحٌ دنسةٌ شريرةٌ قد ركبته!

منذ أن دخلت (الكلمات) عالمنا أصبحت هناك حمامات دم من أجلها، لقد كان فيروسًا مفيدًا، ولكنه اكتسب مناعة حين سرح على راحته، وأصبح أكثر فتكًا وهمجية من الغرائز الأولية!
لا أريد أن أدخل في جدل حول استخدام السياسية ورجال الدين للدين، فهذا أمر أصبح مستهلكًا، ولا أريد سرد تاريخ طويل من المذابح والمعارك والغزو.
لكننى سأكتفى بمنظر شخص يذبح إنسانًا ما، وأصفه بطريقة تجريدية منطقية:

هو يذبحه لأنه لا يؤمن بالله، وهذا غير معقول لأن الله خير، ويرعاه، ويسهر على حمايته، هو يذبحه ليقول له: لماذا لا تحب الله، فالله يحبك!
سمعت مرة كناسًا في ليلة شتاء يقول قولًا هزني وزلزلني من الداخل:
– إذا كان الله موجود حقًا… لماذا يرسل أنبياء ليقولوا أنه موجود؟ ولماذا يثبتون وجوده؟ ولماذا لا يخلق كل منا، مستحيل عليه أصلًا الشك فى وجوده -ببساطة- وينتهي كل هذا الهراء؟
وإذا كان الموت انتقالًا لعالم آخر فلماذا يبكي الناس فى الجنازات؟ ولم الغضب والحقد طالما يدخل الأشرار النار؟ ولم يصرخ المرضى في المستشفيات طالما رصيدهم من الحكمة يكفي لاقتناعهم بأنه ابتلاء؟

قد يجيبني البعض بأنه ابتلاء وحكمة، هذا عظيم، دعوني أقص عليكم قصة بسيطة:
كنت أحضر ذات مرة ندوة للمكفوفين، وكان يحاضرنا شاب ظريف عمره عشرون عامًا، مدرب تحفيز وتنمية بشرية.
كان الشاب يتكلم ببراعة وحماس شديد عن عدم الاستسلام، لأن العمى وراءه حكمة وإن كانت خفية، وكان كل من فى القاعة ينبض قلبه، إلا رجل عجوز، تركه ينهي كلامه، وقال له:
– لقد ظللت جالسًا مع الحكمة عشرين عامًا، عشرون عامًا في الظلام، أرى الأشياء بأناملي وأصابعي وتكسرت عظامي، وأنهك خيالي، عشرون عامًا بأكملهم، ما رأيك لو تأخذ أنت الحكمة، وآخذ أنا عينيك، ولدي طبيب سيجري العملية!
فلم يرد عليه!

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد بدران

تدقيق لغوي: ندى حمدي

الصورة: نهى محمود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.