عملية الدب القطبي والاحتلال الأمريكي لروسيا

إلى شعب الاتحاد السوفييتي، صحيح أن الخلافات قائمة بين الحكومتين، لكن أبناءنا وبناتنا لم يقاتلوا بعضهم قط في أي حرب، وبالنسبة إلينا، لن يحدث أبدا.

-الرئيس الأمريكي رونالد ريجان (1981:1989)

في واقعة يتم تجاهلها من التاريخ، وقد لا تسمع بها أبدا بالأخص في أمريكا والغرب، لكنها كانت وما زالت وقودا للكراهية الروسية للغرب، احتلت فيها القوات الأميركية مدينة كبيرة في شمال روسيا لما يزيد عن 9 أشهر، ظل 13.000 جندي أميركي على الأراضي الروسية، بمشاركة فرق عسكرية من بريطانيا وفرنسا واليابان، أثناء الحرب العالمية الأولى، والحرب الأهلية الروسية حيث عمت الفوضى البلاد، وكانت مسرحًا لصراعات بين قوى دولية مختلفة من دول عديدة، رغم ذلك فلم يحقق التدخل الأمريكي شيئا ولا أحد يعرف ما الغرض منه، أو لماذا حدث في الأساس.

تم نسيان الواقعة واختفائها من الوجود، حتى أن الرئيس ريجان ربما غفل عنها هو الآخر، أو اعتقد أنها طي النسيان، وطبقًا لاستطلاع في 1985، فإن 14% فقط من الأمريكيين علموا بسابقة وجود قوات أمريكية في روسيا!

ما قبل الثورة الروسية

 

القيصر نيكولاس الثاني

 

قبل التوجه مباشرة للاحتلال الأمريكي والغربي، يجب ذكر خلفية سريعة عن الأوضاع في روسيا، لشرح ملابسات الموقف ورسم صورة أوضح للواقعة.

منذ بدايات القرن ال 20، والإمبراطورية الروسية العريقة في حالة تحلل وضعف، انتقص كثيرًا من قوتها وقدرتها على التأثير في السياسة الأوروبية، الرغم من استمرار اعتبارها قوة عظمى عالمية، لكن سلسلة من الهزائم المذلة أمام اليابان في الحرب الروسية-اليابانية في 1904: 1905، في الصين وكوريا مما أدى إلى تدمير الأسطول الروسي في المحيط الهادئ بالكامل، وضياع هيبة الامبراطورية وبدا واضحا اقتراب النهاية.

واستمرار فشل القيصر ‘نيكولاس الثاني’ في قيادة روسيا إلى دورها المحوري، وفضائح وفساد الراهب راسبوتين، وقربه من القصر الملكي واشاعات علاقته بالملكة، وأنه الحاكم الفعلي للبلاد، مع تصاعد الاحتجاجات والانشقاقات بين الحكومة والأحزاب السياسة، مع تعدد الأزمات الاقتصادية وتردي الأوضاع الداخلية، وانتشار الفقر واستبداد النبلاء وأصحاب المال، وكثرة الحروب والصراعات، كانت الثورة قادمة لا محالة، بالأخص بعد انتفاضة العمال في 1905، ومقتل المئات على يد جيش القيصر.

إعلان

ومع ذلك انضمت روسيا لصفوف الحلفاء في الحرب العالمية الأولى في 1914، بعد هجوم النمسا (الامبراطورية النمساوية المجرية) على صربيا، ردًا على مقتل ولي العهد النمساوي، هبت روسيا لمساعدة حلفاؤها هناك، وأعلنت الحرب على النمسا وحليفتها ألمانيا، وشاركت في صف بريطانيا وفرنسا، لكن الحرب العالمية كانت القشة التي قسمت ظهر البعير.

عسكريا، كانت روسيا أضعف بكثير من الإمبراطورية الألمانية القوية، التي كانت دولة صناعية كبرى وتملك أحد أكبر الجيوش في العالم، وكون روسيا تقاتل وحيدة على الجبهة الشرقية، عكس فرنسا وبريطانيا ومساعدة أمريكا في الجبهة الغربية، فكان لا قبل لها بمواجهة ألمانيا، وبالفعل تحملت خسائر فادحة، وضرب البلاد شح الطعام والوقود، وانهار اقتصاد الإمبراطورية.

الثورة الروسية والحرب الأهلية

الحرب الأهلية

خرجت المظاهرات في الشوارع طلبا للطعام، وبدأ العصيان المدني والاشتباكات مع الشرطة في 8 مارس 1917، وتم أمر الجيش بإطلاق النار على المتظاهرين، لكن ذلك لم يكسر شوكتهم واستمروا في الاحتجاجات، حتى اضطر القيصر أن يتنحى، وتولت حكومة مؤقتة تسيير الأمور، منهية قرون من الحكم الإمبراطورية، ومعلنة مرحلة جديدة في البلاد.

لكن الأمور لم تتغير كثيرًا، واستمرت روسيا في الحرب العالمية، رغم رفض الجميع لها والضغط الذي وضعته على الاقتصاد الهش، وبدأ المزارعين والعمال في نهب المزارع، وقامت أعمال فوضى وعنف في أرجاء البلاد، منذرة بحرب أهلية قادمة.

روسيا
لينين يقود المظاهرات

وقد حدث، ففي نوفمبر أو أكتوبر من نفس العام، قاد الزعيم الشيوعي ‘فلاديمير لينين” حرب دموية ضد الحكومة المؤقتة، حاملًا شعار حكم الشعب والعمال، بدلًا من الطبقات الغنية في تلك الحكومة، وسُمي حزب لينين بالبَلْشَفيّ أو الشيوعي، وعرُف جيشه بالجيش الأحمر، في مواجهة جيش الحكومة الأبيض، الذي انضم إليه بقايا من جيش القيصر والموالين لحكمه، ومناصري الرأسمالية والنبلاء.

ومع الوقت تمكن الجيش الأحمر من السيطرة على مناطق عديدة من البلاد، وقام الشيوعيون بإعدام القيصر نيكولاس الثاني وعائلته من الأطفال والنساء في 16 يوليو 1918، ومع سيطرة الشيوعية على البلاد، خرجت روسيا من الحرب العالمية الأولى بعد معاهدة Brest-Litvosk مع ألمانيا، مما أثار حفيظة الحلفاء وجعلهم يشعرون بالخيانة، وحرر نصف الجيش الألماني الذي كان منشغلا في روسيا، وكان لزاما إعادة روسيا للحرب بأي شكل ممكن، أو على الأقل فتح الجبهة الشرقية للحرب العالمية الأولى من جديد.

لماذا التدخل في روسيا؟

تحت ضغط من بريطانيا وفرنسا بعد عجزهم عن إرسال أعداد كافية، وبعد رفضه بقوة في البداية، وافق الرئيس الأمريكي “ويلسون” على نشر قواته في روسيا في سبتمبر 1918، لعدة أسباب مختلفة، منها الحلول دون سيطرة ألمانيا على بعض الأراضي الروسية واستغلال مواردها، وخشية أن تقع معدات وأسلحة الحلفاء في روسيا بيد الجيش الأحمر الشيوعي، واعتقاد الحلفاء أن السوفييت عملاء تابعين لألمانيا، وصعدوا للسلطة بمساعدتها.

ثم لمساعدة جماعات من سجناء الحرب الهاربين من ألمانيا، كونوا جيش صغير تعداده تقريبًا 30.000 في روسيا وعُرفوا ب ‘فيلق تشيكوسلوفاكيا’، وبعد خروج روسيا من الحرب أصبحوا محاصرين هناك، وبعيدا عن المشاركة في القتال، لكنهم بنفس الوقت سيطروا على سيبيريا في أقصى الشمال، وتحكموا في سكة القطار هناك ومناجم الفحم حولها.

والأهم خروج تقارير من سياسيين ودبلوماسيين أجانب، يؤكدون على كره الشعب الروسي للشيوعية، ورفضهم لها بشدة، وأنهم على استعداد لدعم أي تدخل للحلفاء، على أن تقوم حكومة جديدة بمساعدتهم، كما شاركت الكنيسة نفس الشعور في وجه الشيوعيين اللا دينيين، خاصة وأن الروس مسيحيون متدينون.

وحكومة اقليم Murmansk السوفيتية في شمال غرب روسيا وافقت بالفعل على تدخل الحلفاء، ورفضت مطالب الزعيم الشيوعي لينين بالعدول عن القرار، بسبب تعرضهم للهجوم من ألمانيا.

 

عملية الدب القطبي

جنود امريكيون في روسيا

تم إرسال مجموعتين من الجيش الأمريكي هناك، 5000 جندي إلى مدينة Arkhangelsk، و8000 آخرين إلى Vladivostok في شمال روسيا، كما وصلت قوة بريطانية أخرى ضمت مشاركة إنجلترا وكندا وأستراليا والهند، ثم استغلت اليابان الفرصة وأرسلت قوة ضخمة من 70.000 جندي إلى سيبيريا، بالإضافة لتقدم الجيش الأحمر والأبيض، واستمرار القتال بينهم، فكان الجميع في موقف لا يحسدون عليه.

لكن عملية الدب القطبي الأميركية كانت مليئة بالمصاعب والتشتت، فلم يكن واضحًا غرض الحملة بالضبط، ولم يملك المشاركين فيها قرارهم ولا أي توضيح من الحكومة، عن دورهم هناك مع غياب أي تخطيط حقيقي، فقط تم إرسال الجنود هناك بلا أوامر، غير مواجهة الشيوعيين بدون التدخل في الحرب الأهلية، كيف يكون ذلك؟ خاصة كونهم في مدينة لا يسيطر عليها الشيوعيون من الأساس.

حتى فيلق تشيكوسلوفاكيا الذي كان من المفترض أن يكون محاصرًا أو في شدة، كان بحال أفضل من منقذيه، وسيطر بالفعل على المدينة وفشل المتحاربون في طرده منها، فيما عانى الأمريكيون من البرد والأمراض، كلما طالت فترة الانتظار، مع هجومات وكر فر من الجيش الأحمر، بالإضافة إلى عصابات وجماعات محلية، طمحت بالسيطرة على مناطق لمصالحها الشخصية.

في البداية تم إرسال الجنود من الموانئ الإنجليزية على متن 3 سفن، بحكم أنهم أقرب وأكثر استعدادا، تحت قيادة بريطانية لا أمريكية حتى يتهرب الرئيس الأمريكي من المسئولية السياسية، ومع وعد من الحكومة البريطانية بتوفير معدات طبية لمواجهة وباء “الانفلونزا الإسبانية” الذي اجتاح العالم وقتها، لكنهم وجدوا أنفسهم بلا أي أدوية أو عقارات، وانتشر الوباء على السفن، وانتهت العقارات المتاحة بعد 8 أيام فقط، ووقع ضحيته على الأقل 100 جندي.

وبعد وصول القوات في 5 سبتمبر، وقعت فوضى بسبب المرض مرة أخرى وخلافات مع البريطانيين، لكن الأمريكيون سريعا ما توجهوا لمساعدة فرقة فرنسية، تحت هجوم متكرر من الجيش الأحمر، وحاوطوا خط قطار سيبيريا المهم، وبحلول يوم 11 اشتبك الأمريكيون مع القوات الشيوعية، ونجحوا في تحقيق انتصار معنوي، ولأشهر ظلت معارك وكر وفر بين الأطراف المتنازعة، وتغيرت موازين القوى أكثر من مرة حتى النهاية.

عملية الدب القطبي
استسلام ألمانيا

في 11 من نوفمبر 1918، انهزمت جيوش ألمانيا أمام الحلفاء بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، وتم توقيع معاهدة استسلام القيصر “فيلهام الثاني“، فيما عُرف ب Armistice Day أو يوم الهدنة، لكن وضع القوت الأميركية في روسيا لم يتغير، وفي نفس اليوم كانوا تحت هجوم ضاري استمر أربعة أيام، وأوقع عدد من الجرحى والقتلى، ولم يبدوا أن أية مساعدات قادمة في الطريق، أو أي توضيح عن موقف الموقف على الأراضي الروسية، وكأنه تم نسيانهم!

وتحول الموقف الأمريكي من الهجوم إلى الدفاع، وقرروا المحافظة على مواقعهم، ومنع الجيش الأحمر من الاستيلاء على القطارات الشمالية، ومع الوقت بدأت الصحف والمجلات في المطالبة بعودة الجنود، وانتقاد الظروف الصعبة التي عانوا منها هناك، حتى يُقال أن تمردا وقع بين الجنود، ورفضوا تنفيذ أوامر الضباط، ولكن يُعتقد أنه قد تم المبالغة في وصف الواقعة، وربما تكون حالة فردية.

في حين رفض الرئيس الأمريكي إرسال أي قوات إضافية، وأصر على ألا تتدخل القوة الأمريكية في تحديد مصير الشعب الروسي، كما تجاهلت وزارة الحرب البريطانية مطالبات العون والتعزيزات.

النهاية

عملية الدب القطبي

بدا واضحا اختلاف أهداف بريطانيا عن أمريكا، فقد أرادت بريطانيا السيطرة على الشمال الروسي وضمه للمملكة، لضمان الحصول على الموارد الموجودة هناك وأخشاب الغابات، بغض النظر عن الحرب العالمية وقتال الألمان، مما خلق انقسام بين الحلفاء، زاده سوء استخدام السلطة من الإنجليز، والمحافظة على رجالهم في مقابل التضحية بالأمريكيين بالمعارك الصعبة.

بالإضافة لقلة أعداد الحلفاء، وعدم قدرتهم على شن حملة هجومية، أو الانتصار في معركة ضخمة وحاسمة، ثم الاعتقاد الخاطئ بأن الشعب سيساند الحلفاء، ويثور في وجه الجيش الأحمر، بسبب أزمات الغذاء ونقص الطعام، على أن يهبوا لتكوين مجموعات قتالية تنضم للحلفاء، في مواجهة الجيش الشيوعي الضعيف، لكن الواقع كان مخالفا، وسبب صدمة للجميع.

فقد استخدم الشيوعيون التدخل الأجنبي كذريعة لحشد الشعب في صفهم، وطالبوا بتنحية الخلافات في مواجهة المحتل الأجنبي، لتتسبب الحملة في تحقيق عكس أهدافها في التخلص من الشيوعيين.

فشلت الحملة في النهاية، وبعد 9 أشهر تقريبا ظل بقاء القوات الأميركية في غموض، وباد ضغط داخلي متصاعد، وسخط شعبي كبير على سياسة الرئيس ويلسون، ومحاولات في مجلس الشيوخ لسحب الجيش من روسيا، قرر الرئيس الأمريكي أخيرا سحب قواته من هناك في صيف 1919، ورحل آخر جندي أمريكي في ابريل 1920، بعدما قاموا بلا شيء وفقدوا ما يزيد عن 250 جندي بلا هدف، وغادرت بعدها بريطانيا وفرنسا ثم اليابان في 1922.

نرشح لك: من أوراق التاريخ نبذة عن كتاب سياسة روسيا بعد ستالين

 

مراجع
-The History of the American Expedition Fighting the Bolsheviki, Joel R. Moore and Harry H. Mead and Lewis E. Jahns
100 Mistakes That Changed History, Bill Fawcett-

-US Intervention in Russia 1918-1920: The Forgotten Mutiny, Austin Lee, Minnesota State University, Mankato.

-Russian Revolution

-Russo-Japanese War

 

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: عمرو عدوي

تدقيق لغوي: رنا داود

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا