غابت الشمس عن السماء. واختلّ مناخ الأرض (عن عامٍ بلا صيف)

خلال عام 1816م، دخلت الكرة الأرضية في سيناريو يشابه أفلام الرعب أو القصص الخيالية، حيث اختفت الشمسُ من السماء، وتوقّف الضياءُ عن الوصولِ للأرض، خاصةً النصف الشمالي، فيما سقطت الأمطار والثلوج بغزارةٍ في مناطق، وضرَبَ الجفافُ بلادًا أخرى، وقامت إحدى أكبر المجاعات في التاريخ الحديث، فيما أطلق عليه “عام بلا صيف”.

الثورات البركانية وتغيُّر المناخ

في الفترة ما بين 1809: 1814 شهد العالم سلسلةً متتالية من الثورات البركانية الضخمة في شرق أسيا؛ مما أدّى إلى استمرار الغبار البركاني في الزيادة والانتشار في الغلاف الجوي لسنوات، وأخذ في التأثير بشكلٍ سلبيٍّ على الحياة، لكن الضربة القاضية كانت في عام 1815م بانفجار بركان “Mount Tambora” في إندونيسيا، والذي يعد أكبر ثوران بركاني مسجَّل في تاريخ البشرية، وخلف كميةً مهولةً من الغازاتِ والمواد المتطايرة واللافا (الصخور المنصهرة على سطح الأرض)، واستمرّ البركان في الثوران لأسبوع أو أسبوعين، وقتل بشكلٍ مباشرٍ تقريبا 12.000 شخص، وبسبب قوة الانفجار، ظنّ القريبون من البركان أنها أصوات مدافع.

ونتيجة لتلك الثورات المتتالية، زادت نسبة عنصر الكبريت في الهواء لدرجة غير مسبوقة، وعندما يصبح الغلاف الجوي مُحمَّل بكميةٍ ضخمة من الكبريت، يتفاعل مع بخار الماء، ويكوِّن ما يُسمّى بـ “sulfate aerosols” أو “الضباب الكبريتي”، والذي يقوم بدوره بعكس الضوء والأشعة القادمة من الشمس، ويقلِّل من كمية الحرارة المرسلة من الشمس؛ ممّا يسبب بدوره خللًا في المناخ على الكرة الأرضية، ونتج عن ذلك موجات صقيع، وتزايُد سرعة الرياح باستمرار، ودخلت الأرض في حالة يطلق عليها “volcanic winter” أو “الشتاء البركاني”. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل انخفضت درجة حرارة الأرض 3 درجات مئوية تقريبًا، في حين أن العلماء حاليًا يحذرون من كارثة التغير المناخي حاليًا؛ بسبب إمكانية تغيُّر درجة حرارة الأرض بمقدار درجة واحدة قريبًا.

وما زاد الأمور صعوبة، وعجّل بالمصيبة، كون الأرض كانت في عصرٍ جليديّ صغير، وهو فترة تنخفض فيها درجة حرارة الأرض، وغالبًا يصاحبها زيادة في النشاط البركاني، أو انخفاض في نشاط الشمس الإشعاعي، ويُعتَقَد أنّ له علاقة بدوران الأرض حول الشمس.

عام بلا صيف

كان لكل ذلك آثار مدمّرة على الكائنات الحية، وأدّى إلى هلاك وموت عشرات الآلاف من البشر، وتجمُّد الطيور والحيوانات، وفساد المحاصيل الزراعيّة، وعدم قدرة الأرض على الإنتاج، كما حدثت واحدة من أكبر المجاعات في العالم؛ ممّا أدى لحركة هجرة عشوائية بأعدادٍ كبيرة باتجاه المدن الكبيرة والعواصم، والذي جعلها بيئة مثالية لانتشار الأمراض والأوبئة، ومنها الكوليرا والتيفويد، خاصةً مع غياب الطعام، وصعوبة الظروف المناخيّة، وتكدُّس السكان.

إعلان

تمثلت النتائج المباشرة في أوروبا، التي ما زالت تتعافى من حروب نابليون بونابارت، فمثلًا سويسرا اكتست بقدرٍ هائلٍ من الثلوج في منتصف فصل الصيف، وآيرلندا التي هطلت عليها الأمطار بشكلٍ مستمرٍ لثمانية أسابيع، مسبّبةً فساد محاصيل البطاطس، وقيام مجاعة في البلاد، وانتشار التيفويد، ووفاة ما يقارب 100.000 شخص.

والولايات المتحدة التي ما كادت تقيم دولتها الجديدة، حتى ضربتها مصيبة المناخ. حتى أحد الآباء المؤسسين “توماس جيفرسون” والرئيس السابق واجه ظروفًا صعبةً مع فساد محاصيله الزراعية، واضطراره للاقتراض. أما الإمبراطورية الصينية وجارتها الهند، فقد شهدا فيضانات كبيرة غير مسبوقة، وأدى تغير المناخ لتحور سلالة جديدة من الكوليرا في خليج البنغال، وانتشر في أنحاء أسيا بشكلٍ سريع، حاصِدًا أرواح الملايين كما يُعتقد.

 تبع ذلك قيام حالة من الفوضى والشغب والقتل والسرقة في بلاد أوروبية وأسيوية كثيرة، وغياب القانون وعجز الحكومات على فرض النظام، مع غياب الأعداد المناسبة من الجنود؛ بسبب معدل الوفيات المرتفع بينهم. وعاش النصف الشمالي للكرة الأرضية في شتاءٍ لمدّة عام كامل (1816م).

ماري شيلي ولورد بايرون

ويُعتقد أن ارتفاع أسعار المحاصيل وطعام الأحصنة هو وسيلة المواصلات الأساسية وقتها، حيث كان سببًا في اختراع أول دراجة هوائية عن طريق Karl Drais في 1817م. ونفس تلك الظروف ألهمت الكاتبة الإنجليزية “ماري شيلي” للخروج بالرواية الأسطورية Frankenstein، عن الوحش الذي تدبّ فيه الحياة كتجربةٍ علميةٍ لصانعه، وأيضًا الشاعر والكاتب الإنجليزي “لورد بايرون“، الذي كتب قصيدته The Vampyre، والتي تعد الملهم الأساسي لكل أعمال مصاصي الدماء في العالم، وأشهرها الكونت دراكولا.

المصادر:

Why the Year 1816 Was the Year Without Summer-

-200 years ago, we endured a ‘year without a summer’

What was the “Year Without a Summer”?-

-Why a volcanic eruption caused a ‘year without a summer’ in 1816

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عمرو عدوي

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

اترك تعليقا