في ضيافة ميلان كونديرا ٢

الجهل

إذا رجعت بجِنْ وإن تركتك بشْقَى
لا قدرانة فِلْ ولا قدرانة أبْقَى.

يتردد صدى هذا المقطع بصوت السيدة فيروز في ذاكرتي مع ما ذكره ميلان كونديرا في بداية روايته الجهل، عندما يعود إلى جذور الكلمات وتطوِّر معانيها في لغات عدة، وهذا الملمح الأسلوبي يتكرر في روايته كائن لا تحتمل خفته، حين أصَّل لمعنى كلمة الشفقة.

وها هنا يجد القارئ نفسه أمام درس لساني، وأحيانًا يجد نفسه يستمع لتأملات أو شروحات فلسفية، فروايات ميلان كونديرا تتجاوز الشكلَ التقليديَّ للرواية؛ إذ تجمع ما بين المقالة الفلسفية والرواية بمفهومها الفني.

لقراءة الجزء الأول: في ضيافة ميلان كونديرا ١

نوستالجيا

يعود بنا كونديرا إلى أصل كلمة (نوستالجيا) التي كانت تعني (الرجوع المقترن بالشقاء) وتطور مفهومها في اللاتينية ليدل على النأي الذي يحول دون المعرفة، فيتسبب في جهل مطبق بما يحدث في المكان وما يتبع ذلك من إحساس عميق بالألم.

ومن هنا تظهر علاقة عنوان الرواية -الجهل- مع فكرة النفي والاغتراب.

إعلان

يقول الدكتور عبد الله إبراهيم:

المنفيُّ هو الإنسان المنشطر بين حالٍ من الحنين الهوسيِّ إلى المكان الأول، وعدم القدرة على اتخاذ القرار والعودة إليه، يُنتِج هذا الوضعُ إحساسًا مفرطًا بالشقاء لا يدركه إلا المنفيُّون الذين فارقوا أوطانهم.

في رواية تشبه الصفعة على الخد، يصفع ميلان كونديرا قرَّاءه، متخطيًا كل الصور النمطية التي تربط المهاجر بوطنه الأم، قافزًا فوق حواجز التوقُّع للانفعالات الإنسانية بمنفاه، راسمًا صورةً أكثر واقعيةً للعلاقة الجدلية التي تحكم المهاجر بمنفاه وبلده، بعيدًا عن تلك النغمة البكائية التي طالما أسمعنا إياها الشعراء والأدباء في منفاهم، نغمة الحنين التي تستدر عطف وشفقة من حولهم، حتى لا يذهب لقب (لاجئ) سدى، وكأنهم بلجوئهم يستوجبون من الآخرين معاملةً امتيازية؛ فهم المنفيون خلف أسوار الوطن.

ولكن ماذا لو عاد الوطن يومًا وفتح ذراعيه لأبنائه من جديد؟ هل سيعودون من منفاهم؟ هل يستطيعون التعايش من جديد في وطنٍ ومجتمعٍ كانوا يومًا ينتسبون له؟ ماذا عن كل تلك السنوات من الاغتراب؟ هل عاد الوطن وطنًا لهم؟ ماذا يجمعهم الآن به: ذكريات.. ماضٍ.. آلام وخيبات دفعتهم يومًا لهجرته؟ ماذا عن منفاهم الجديد؟ هل يمكن التنكر لعشرين سنةً قضاها المرء لاجئًا كما حدث مع بطلَيْ روايتنا (جوزيف) و(إرينا)؟ ألا يمكن أن تتبدل الأدوار ليصبح المنفى وطنًا للاجئ، ويمسي وطنه منفى له بعد كل تلك السنوات من الانقطاع عنه؟

تساؤلاتٌ عدة تطرحها حكاية كل من جوزيف وإرينا بعد أول زيارة لهما للتشيك عقب انهيار الاتحاد السيوفيتي، جوزيف الذي اختار الدنمارك مستقرًا له، وإرينا التي حاولت إقناع صديقها السويدي غوستاف بالبقاء في باريس وصرف النظر عن العودة لبراغ! في موقفٍ صادمٍ لكل التوقعات من لاجئةٍ يفترض بها أن تهرعَ إلى وطنها المُحرر، بعد عشرين سنةً قضتها لاجئةً في فرنسا.

أنا نسيت من يكُنَّ، وهُنَّ لم يهتممْنَ بما صرتُه.

هكذا شَكَت إرينا حالها عقب لقائها مع صديقاتها بعد طول غيابٍ في براغ، الهوية هنا تبدي تشتتها، بين ماضيها متمثلًا بموطنها ومدينتها براغ، وبين حاضرها متمثلًا  في فرنسا، هذا التشتت الزمانيُّ والمكانيُّ تبعه تشتُّتٌ بين ما كانته يومًا وما أصبحت عليه الآن.

بين ثقافة بلدها التي حاولت التملص منها حين دعت صديقاتها وقدمت لهنَّ “نبيذًا فرنسيًا فاخرًا” في محاولةٍ منها للتدليل على التغير الذي طرأ على ذائقتها وثقافتها، ولكن كيف قابلت صديقاتُها تلك المحاولة؟ كيف قابلْنَ التغير الثقافي لصديقتهن؟

بمنتهى البساطة رفضْنَ النبيذ الفرنسي في البداية، وأصررْنَ على ثقافتِهنَّ الشعبية؛ فطالبْنَ بالبيرة عوضًا عن النبيذ الفاخر!

النبيذ والبيرة ها هنا برمزيَّتِهما يمثِّلان الصراع بين ثقافة اللاجئ المكتسبة في منفاه وثقافة موطنه الشعبية.

لتبدأ مرحلة صراع؛ فأبناء مجتمعه يَرَوْن في تلك الثقافة الوافدة مع اللاجئين نوعًا من الترفع، واللاجئ يرى في ثقافة مجتمعه نوعًا من الابتذال والسوقية، كما وصفتها إرينا، خاصةً إن كانت إقامة اللاجئ في بلدٍ متحضِّرٍ أكثرَ من وطنه.

صراع آخر يتجلى عقب العودة من المنفى، حيث يتسابق الجميع لإثبات من عانى أكثر من الآخر، فهل هو اللاجئ الذي ابتعد عن وطنه وعانى الحنين -لا نغفل تمتعه بالعيش في بلد متقدم- أم هو ابن البلد الذي آثر البقاء في وطنه وعانى ظلم الأنظمة الاستبدادية؟

إن واقعًا كما كان عندما كان لم يعد موجودًا، واستعادته مستحيلة.

يقول الناقد عبد الله إبراهيم:

المنفيُّ افتقد بوصلته الموجهة؛ فيلوذ بالوهم بحثًا عن توازن مفقود، فهو يُحكِم سيطرتَه على المكان المفقود عبر سيلٍ من الذكريات المتدافعة في سعيٍ للعثور على معنى لحياته، ويكرِّس المنفَي شعورًا من عدم الانتماء؛ فالمنفَى ليس مكانًا غريبًا فحسب، وإنما مكان يتعذر فيه ممارسة الانتماء لأنه طارئ ومخرب، ويفتقد إلى العمق الحميم.

حسب توصيف زيجمونت باومان: فاللاجئ في المكان ولكن ليس منه.

وهنا تظهر إشكالية عملية الاندماج مع المنفى وإعادة الاندماج مع الوطن، فلم يعد الوطن سوى ظلال لذكرياتٍ بدأت تتقلص في مساحة الذاكرة، لم يعد يعرفنا ولم نعد نعرفه، نحن نرسم صورة متخيلة “للوطن” قد تكون “مشوهة” حينًا وحينًا آخر “زاهية” أكثر مما يجب، هذه الصورة هي ما تغذِّي الحنين إليه أو تقتله، وهي التي تدفع إلى عملية الاندماج مع المنفى أو التقوقع حول شرنقة الذات والانكفاء داخل كهف مظلم ورفض الاندماج!

يقول إدوارد سعيد:

إن المنفيَّ يقع في منطقةٍ وسطى، فلا هو يمثِّل تواؤمًا كاملًا مع المكان الجديد، ولا هو تحرَّر تمامًا من القديم، فهو محاط بأنصاف مُشاركة وأنصاف انفصال.

عوليس وكونديرا

خلال عشرين عامًا من غيابه، احتفظ الإيثاكيُّون بذكرياتٍ كثيرةٍ عن عوليس، لكنهم لم يشعروا بأي حنين إليه، بينما كان عوليس يكابد الحنين.

في عملية تناصٍّ أدبيٍّ ما بين قصة عوليس في الأدويسة الذي قد عاد إلى موطنه (إيثاكا) بعد غياب عشرين عامًا، وبين قصة زيارة جوزيف إرينا للتشيك بعد غياب عشرين عامًا أيضًا، يطرح كونديرا فكرة (الجهل) وعلاقته بالحنين، “يبدو الحنين كأنه مكابدةٌ الجهل، أنت بعيد ولا أعرف كيف أصبحت، بلدي بعيد ولا أعرف ما يحدث فيه”.

فشخصيات الرواية تجهل ما آلت إليه أحوال بلادها وطباع سكُّانها والتغيرات الكبرى التي نالت من مشاعرها هي فعلًا تجاه الوطن، جهلٌ بالذاكرة والذكريات وجهلٌ حول ما تريده فعلًا تلك الشخصيات، وإن كانت قد أحسنت الخيار حين عادت إلى أوطانها!

الجهل والجنس والحنين

كعادته كونديرا لا يمكنه أن يغفل الجانب الإيروتيكي الرمزي في رواياته، فغوستاف رجل الأعمال السويدي رمز الرأسمالية يقيم علاقةً مع أم عشيقته إرينا، هذه العلاقة ترمز إلى سطوة الرأسمالية على التشيك بعد أفول النظام الشيوعي، حيث سادت المحلات والماركات واليافطات باللغة الإنجليزية، وانتشرت المطاعم والسياح الأجانب وغابت الثقافة التشيكية، هذه العلاقة اللامنطقية التي تتخذ صفة زنا المحارم، وكأن الرأسماليةَ اغتصبت روح التشيك وثقافتها كما فعلت من قبل الشيوعية!

بينما يمارس جوزيف الحب مع إرينا رغم جهله باسمها أو الذكرى التي جمعته بها، وكأن هذا اللقاءَ الجنسيَّ الحارَّ الذي كان متخففًا من كل الالتزامات أو المسؤولية الأخلاقية، والذي كان لمرةٍ واحدةٍ فقط ومن بعدها عاد جوزيف للدنمارك يرمز إلى لقاء اللاجئ ببلده بعد طول غياب، وارتواء أشواقه وحنينه منه، ولكن هل يكفي هذا اللقاء العابر الذي ينتهي بحزم حقائب الرحيل والعودة للمنفى بشكل اختياري؟

ماذا عن علاقة جوزيف وميلادا الشيوعية؟ وإلامَ ترمز أذنها المبتورة؟ أيمكننا الحديث عن بترٍ لعلاقة جوزيف مع ماضيه متمثلًا بميلادا؟

بلاد مسكينة تلك التي تهزها أحداث عظيمة! بعد أن تنتهي المعركة، يهجم الجميع إلى نزعات عقابية في الماضي ليطاردوا الجناة فيه، لكن من الجناة؟ الشيوعيون الذين ربحوا في عام ١٩٤٨؟ أم خصومهم العاجزون الذين خسروا؟ كان الجميع يطاردون الجناة وكان الجميع مطارَدِين.

إن كانت الشيوعية قد انتهت وما خلفته من لاجئين في شتى المعمورة، فإن عبقرية ميلان كونديرا تتجاوز الحديثَ التأريخيَّ لتلك المرحلة لتعالجَها ببعدٍ إنسانيٍّ يعيد تأسيس العلاقة بين المهاجر أو اللاجئ ووطنه ومنفاه، لتصلح تلك التساؤلات التي طرحها في روايته ليسأل كل لاجئٍ: سوري أو عراقي أو أفغاني نفسه الآن، ماذا عن العودة للوطن؟ هل سأعود؟

عن أي وطن أتحدث؟ هل عاد العراق هو العراق؟ هل عادت سوريا التي هاجرت منها هي نفسها؟ هل عادت أفغانستان، بنغلادش، إثيوبيا، الصومال هي نفسها؟

هل نمتلك حقيقة الاعتراف أن المنفى قد أتاح لنا فرصًا لم نحلم بها في أوطاننا يومًا؟
هل يمكن أن نعيد تعريف “الوطن” من جديد؟
هل نعرف حقًا ما نريد؟

نرشح لك: كتاب الوطن الأم الدُّرَّة المجهولة !

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: رائدة نيروخ

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا