تأخذك إلى أعماق الفكر

تراجيديا المشاع وأزمة المياه في اليمن

تراجيديا المشاع” ليست لونًا من الألوان المسرحية عند شكسبير أو تصويرًا مأساويًا لنهاية سيرة البطل اليمني الشهير سيف بن ذي يزن، لكنّها نظرية اقتصاديّة تُساعدنا على فهم بعض الجوانب من أزمة المياه في اليمن.

ونقصد بهذا المصطلح الاقتصادي، المشكلة التي قد تنشأ عندما يتوفر لدى فرد أو جماعة الحافز على استغلال موردٍ ما طبيعيًا كان أو اصطناعيًا ،ملكيّته مشاع للجميع مثل المراعي والغابات والآبار والأنهار وأتوبيسات النقل العام والطُرق النمو السكاني وسباقات التسلح ، وغيرها، وذلك تحقيقًا لمصلحته الشخصية وعلى حساب الآخرين،  ودون وسيلة لمنع الآخر الذي يتمتع بنفس الحافز من استغلال المورد ذاته  لأنّ الملكية المشاعة حقٌ للجميع.

ولهذا، يتكالب جميع الأفراد على “المورد المشاع” لتحقيق الاستفادة القصوى منه، مع إدراكهم أن الاستغلال المفرط سيكون سببًا لنضوبه، لكنّهم لا يتوقفون أبدًا؛ لمعرفتهم إذا توقّف أحدهم سيستمر الآخر في استغلال المورد المذكور فتضيع فرصتهم دون أن يتغير المصير المحتوم  للمورد المُشاع.

 مثال إيضاحي على تراجيديا المشاع

يدين علم الاقتصاد بهذه “النظرية” إلى عالم الأحياء والبيئة د.جاريت هاردن، والذي نشر ورقة بحثية بعنوان tragedy of the commons أو تراجيديا المشاع او مأساة المشاعات في ١٣ ديسمبر ١٩٦٨، تتناول مشكلة إدارة الموارد المشتركة للمراعي والموارد البحريّة والمياه الجوفيّة.

إعلان

مرعى الماشية

طرح دكتور هاردن مثالًا شهيرًا في ورقته يمكنني أن اختزله لكم فيما يلي:

يوجد مرعى صغير محدود في إحدى القرى متاح لأي قروي يأتي بماشيته للرعي أينما وكيفما شاء. وهذا المرعى ليس ملكًا فرديًا لأحد بل ملكيّة عامة، ومع مرور الوقت كان الرعاة يجلبون مزيدًا من ماشيتهم للرعي حتى أصبحت أرض المرعى أقل قدرة على توفير الغذاء لكل هذا العدد من الماشية.

ونظرًا لأن الماشية ترعى طوال الوقت وإذا انصرف بعضها جاء محلّها أخريات، فإن العشب الذي يؤكل لا يحظى بفرصة لينمو مرةً أخرى، وفي نهاية المطاف أصبحت الأرض جرداء، وتحوّل المورد الغني الكريم خرابًا لا ينفع عدوًا ولا حبيبًا.

أزمة المياه الجوفية في اليمن.

تتجسّد تراجيديا المشاع جليًا في بلدنا الحبيب اليمن والذي أدعو الله أن يعيد الأمن إلى ربوعه ليلتفت الجميع إلى الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي لن تفرّق بين “شمالي” و “جنوبي”، وعلى رأسها أزمة المياه التي سأحدثكم عنها الآن بشكلٍ يخدم توضيح تراجيديا المشاع من منظور تطبيقي.

من جنّات عدن إلى جحيم صنعاء

كان اليمن رائدًا في الإنتاج الزراعي وممارسات ترشيد استهلاك المياه في العصور القديمة. ففي الفترة بين 750 و 700 قبل الميلاد، شيدت مملكة سبأ سد مأرب الذي كان يحتجز مياه الأمطار لاستخدامها في الري على مدار ألف عام تقريبًا ويعتبر سد مأرب أحد أقدم السدود في العالم، وعدّه الباحثون معجزة تاريخ شبه الجزيرة العربية، ولكنّه ليس الوحيد الذي بناه السبئيون وليس الأقدم إذ أظهرت الآثار أن السبئيين حاولوا حصر المياه والاستفادة من الأمطار منذ الألفية الرابعة ق.م. وكان لنجاح سياسات إدارات المياه في هذه الحضارة العظيمة أن تحولت أرض اليمن بمرتفاعاتها إلى جنات وعيون وأهلها سعداء على الأرائك يستمتعون.

ومع الاسف، أصبحت اليمن اليوم واحدة من أكثر الدول العربية التي تواجه أزمة مياه خانقة؛ فموارد المياه العذبة تتضاءل بسبب السَحب المفرط من المياه الجوفية. ويتزايد الطلب على المياه بفعل الاستهلاك المرتفع للفرد، والاستخدام المفرط وسوء إدارة الموارد المائية والنمو السكاني السريع، وتحولت الجنة إلى جحيم.

المياه الجوفية في اليمن

لا تمتلك اليمن أنهار تغذيها المياه اللازمة للشرب والزراعة، ولكن أرضها مليئة بالمياه الجوفية الطيبة. وللأسف يقوم اليمنيون بحفر الآبار بشكلٍ غير قانوني للاستفادة منها باستعمال طلمبات تعمل بالديزل لرفع المياه، علمًا بأن أراضي اليمن نفسها مرتفعة عن سطح البحر، وتبلغ عدد الآبار المرخصة رسميًا باليمن نحو أقل من ٢٪؜ من إجمالي عدد الآبار المنشأة. ولقد خلق الاعتماد الكبير على المياه الجوفية استنزافًا كبيرًا لمخزون هذه المياه. وفي عام 2011، تجاوز معدل استهلاك المياه من حوض صنعاء معدل إعادة الملء الطبيعي بمعامل خمسُه. وحتى مع فهم هذه الحقيقة، لم يولي اليمنيون اهتمامًا كبيرًا بترشيد المياه؛ إذ يتم إهدار الكثير من مياه الأمطار السنوية في البلاد البالغ قدرها 68 مليار متر مكعب بسبب سوء الإدارة وعدم كفاية السدود.

أسباب أزمة المياه

1- تراجيديا المشاع حيث يسعى الأفراد الى استخدام أقصى قدر ممكن من المياه لدرجة استنزاف البئر لأن كل فرد يعلم أن المياه التي لن يستخرجها لن تظل تنتظر عودته مرة أخرى بل يستخرجها شخصٌ آخر. وعلى هذا يتعاظم الحافز الفردي أمام الجميع لاستخراج المياه دون أن يفكر شخص في الآخر، خاصّة مع ضعف السلطة الرقابية أو غيابها كما في الوقت الحالي.

2- السياسات الحكومية غير الرشيدة التي استهدفت دعم القطاع الزراعي على غرار ماحدث في زراعة القمح بالسعودية دون الاهتمام بقطاع الري، وقدمت حوافز لقطاع الزراعة لم تؤدي إلى زيادة مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي مثل الاستثمارات الحكومية في الري السطحي والغمر، وتقديم القروض الميسَّرة وتوفير المازوت الرخيص جدًا، وعلى الرغم أن هذا القطاع يوظّف نحو قرابة نصف السكان، فإنه يساهم فقط بقرابة 10% من الناتج المحلي الإجمالي. وتبقى اليمن معتمدة إلى حدٍ كبير على الواردات الغذائية.

3- زراعة القات، المخدر الذي يتطلب مياهٍ كثيرة، ويحتل قرابة 20% من إجمالي المساحة الزراعية المرويّة. وتقدِّر بعض الدراسات أن زراعة القات تستخدم نصف استهلاك المياه في اليمن لأنّه عالي الربحية وتسويقه مضمون باليمن.

4- سدود البلاد المتحللة تعمل على تسريب المياه التي كان من الممكن استغلالها بشكلٍ مثمر. وقد شهد شهر مايو 2010 فيضانات عارمة كانت الأسوأ التي ضربت صنعاء منذ عقود، لكن لم يتم استبقاء سوى النذر اليسير من المياه لاستخدامه لاحقًا، عِلاوةً على ذلك، فإن نظام الآبار في البلاد يمثّل كارثة.

تعليق ختامي

مع غياب مفاهيم “المصلحة الذاتية المستنيرة”، والتي ترى أن رعاية مصلحة الآخرين تحقق المصلحة الذاتية، لا يمكن إيجاد حلول لمشاكل المشاعات إلا عن طريق نوع من السلطة أو القوانين التي تفرض مصلحة عُليا لكل هدف؛ فهي تفرض قوانين تحدد مدى الاستعمال المسموح به لكل فرد، وتحدد عدد المواليد كما يحدث  في الصين وتمنع أو تَحُد من الصيد في المناطق المشتركة، وأحيانا تخصِّص الموارد المشتركة بين عددٍ من الناس وهو الأمر الذي قد يشجع  المُلّاك الجُدد على اتباع طُرق مستدامة. ولن تختلف حلول أزمة مشاع المياه الجوفية في اليمن عن الحلول المطروحة على أن يتحقق لها في المقام الاول الأمن المنشود والاستقرار السياسي والحكم الرشيد الذي يحوّل اليمن الحزين إلى اليمن السعيد بجنّاته وعيونه وتحضّر أهله دون قاتٍ أو بارود.

إعلان

مصدر مصدر مصدر مصدر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.