تأخذك إلى أعماق الفكر

اثر القرآن على شعر ونثر إدجار آلان بو

منذ فجر التاريخ الإنساني، ومنذ أن وطأ البشرالأرض بقدمهم، وكَوّنوا المجتمعات والحضارات والثقافات، وهذه الثقافات تتقاطع مع بعضها البعض، وأحيانًا تتماهى مع بعضها البعض لخلق ثقافات جديدة، وهذه الحركة الدائبة المستمرة كالدورة الدموية التي تتخلل شرايين الأرض وبلادها. وذكر ابن خلدون في مقدمته أن الحضارات مثل الكائن الحي، يبدأ صغيرًا ثم يكبر وينضج ويشيخ ويموت، وشاركه في هذا الرأي العديد من الفلاسفة مثل الفيلسوف الألماني أوسفالد شبينغلر صاحب كتاب “تدهور الحضارة الغربية”، وكذلك كما يتأثر البشر ببعضهم البعض، وكما هم مولعون بتقليد بعضهم البعض، فإن الحضارات كذلك مولعة بالتقليد، فتتأثر وتؤثر، وقد شبَّه الفيلسوف الألماني هيجل المجتمعات بالأفراد الذين ينقلون شعلة الحضارة من واحد إلى الآخر.

ويتنوع أثر الثقافات والحضارات على بعضها البعض من الدين إلى اللغة إلى الآداب والفنون والمأكل والملبس، ومن نماذج هذا التأثر الحضاري والثقافي؛ أثر الحضارة العربية والإسلامية على الثقافة الأوروبية والغربية، ويرجع هذا التأثر لعدة أسباب، منها وجود الأندلس في أوروبا، وقد كانت منارة للعلم لوقتٍ طويل، وكذلك وجود العديد من العلماء المسلمين في العصر الذهبي للإسلام في مجالات مختلفة من العلوم الطبيعية والإنسانية كالكيمياء والفلك والفلسفة. وبلغ هذا التأثر ذروته في القرن التاسع عشر، بعد ترجمة أعمال عربية وإسلامية هامة إلى اللغات الأوروبية مثل “مثنوي” جلال الدين الرومي و”رباعيات الخيام” وهذان الكتابان متأثران كثيرًا في تعبيراتهما وبلاغتهما بالقرآن الكريم، والذي تُرجِمَ بدوره إلى لغات عديدة.

وعلى الناحية الأخرى هناك حكايات “ألف ليلة وليلة” والاكتشافات الأثرية الهامة مثل مقبرة توت عنخ آمون وفك رموز حجر رشيد، التي جعلت الحضارة المصرية القديمة محط أنظار العالم فتدفّقت السياحة إلى مصر، وتأثر المبدعون في أنحاء العالم بذلك، في الأدب والموسيقى والفنون التشكيلية والسينمائية والمسرحية وغيرها، وكان كتاب “ألف ليلة وليلة” هو الكتاب المفضّل للعديد من الكُتّاب البريطانيين في الحقبة الرومانسية والفيكتورية. أشارت إلى ذلك أنتونيا سوزان بيات حين قالت: “برز كتاب ألف ليلة وليلة في الشعر الرومانسي البريطاني وجعل الإبداع بدل البساطة، والخيال بدل المبتذل.”.

وكانت الرواية عامرة في ذلك الوقت بالحديث عن الصحراء والقوافل والسحر والجن والمومياء والآلهة الفرعونية والأسماء العربية، على سبيل المثال: أعمال الكاتب الأيرلندي لورد دونساني، ففي كتبه هناك الكثير من الأشياء العربية والمصرية؛ كالصحراء، والقوافل، والفراعنة وذكر أماكن مثل مملكة أرابيا وأسماء تحمل طابعًا عربيًّا مثل الحارث حتب في كتاب آلهة بيجانا. ومثال آخر هو كاتب الرعب لافكرافت، فقد كانت أسماء العديد من كياناته القديمة تحمل إشارات إلى أسماء عربية أو مصرية مثل عزاتحوت Azathoth عزازيل وهو الشيطان وThoth أي تحوت الإله الفرعوني القديم، ولقبه لافكرافت بالسلطان وهو قلب عربي الأصل أيضًا. وكذلك تحدث عن شخص يمني يدعى عبد الله الحظرد وكتاب يدعى العزيف أو النيكروميكون، وصار الحظرد والعزيف ركيزتين للعديد من أعماله لاحقًا، بل إن العديد من الناس يظنون أن الحظرد وكتابه حقيقيان لا من خيال لافكرافت.

إدجار آلان بو بين المشرق والمغرب

كان الكاتب الأمريكي إدجار آلان بو ضمن من تأثروا بالثقافة العربية والإسلامية، فقد تأثر كغيره بألف ليلة وليلة، وظهر ذلك في قصص مثل “الليلة الثانية بعد الألف من حكايات شهرزاد” ومجموعته القصصية “حكايات من الجروتسك والأرابسك”Tales of the Grotesque and Arabesque، والجروتسك؛ هو الفن الزخرفي المعماري المستخدم في العمارة الأوروبية القديمة، وخصوصًا العمارة القوطية، أما الأرابسك فهو الفن المعماري والزخرفي المستخدم في المعمار العربي والإسلامي وخصوصًا المساجد. كما أن إدجار آلان بو تأثر كثيرًا بحدث فك رموز حجر رشيد الذي كشف الحجاب عن الكتابة الهيروغليفية المصرية القديمة وفتح الباب للكثير من الاكتشافات الأثرية، فقد كان بو عاشق للشفرات واللغات السرية، وامتلأت قصصه بالألغاز والأحاجي، وكتب مقالات عن “الكتابة السرية” حسب تعبيره وكان يطلب من قُرّائه تحدي مهارته في فك الرموز، وظهرت مهارته في قصة “الحشرة الذهبية” التي تتحدث عن شخص يفك رموز شفرة سرية ليصل إلى كنز، وتصف القصة خطوة بخطوة حلّ شفرة تعتمد على حيلة تعمية الحروف.

إعلان

وبجانب ألف ليلة وليلة وحجر رشيد فقد تأثر بو بالقرآن الكريم الذي قرأه في سن مبكرة من ترجمة المستشرق الإنجليزي جورج سيل، وظهر هذا التأثر جليًّا في أعمال بو، مثل “الحفرة والبندول” فقد استلهم الحفرة من سورة البروج وخصيصًا الآيات ” قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ”. ففي الترجمة الإنجليزية ترجم جورج سيل كلمة أخدود إلى Pit أي حفرة وهي الكلمة التي استخدمها بو في قصته، بل حتى الغراب أشهر قصائد بو، والذي ترتبط صورته غالبًا في أذهان الكثيرين بصورة بو. يقول د. أحمد يسري فُهيد في مقاله “صورة المشرق في أدب إدجار آلان بو” إن بو تأثر بالغراب المذكور في القرآن الكريم الذي عَلَّم ابن آدم كيف يواري سوءة أخيه، كما استوحى تطيّر العرب بهذا الطائر، في حين لا يتطير منه الغربيون عادة.

إدجار الان بو
إدجار آلان بو والغراب الذي صار يرتبط بصورته

أثر القرآن على شعر إدجار آلان بو المبكر

ولكن واحدًا من أبرز الأمثال ولعله أولهم في أعماله هو قصيدة “الأعراف” وهي أطول قصائد بو، فقد بلغ عدد أبياتها 422 بيتًا، وقال إنه قد كتبها قبل أن يبلغ الخامسة عشر من عمره، ونشرها وهو في العشرين من عمره، والأعراف هي السورة السابعة في القرآن، والأعراف في الإسلام هو مكان بين الجنة والنار يذهب إليه من تساوتْ حسناتهم وسيئاتهم حتى يقضي الله في أمرهم. وقد ذكر بو مصدر إلهامه بالقصيدة قائلًا في التعليق عليها: “مسمى الأعراف مستوحى من المسمى العربي للمكان الذي بين الجنة والنار، والذي يبقى فيه الناس بلا ثواب او عقاب”.

نُشرت قصيدة “الأعراف” في كتاب يحمل الاسم ذاته مع قصيدة ” تيمورلنك” وبعض القصائد القصيرة، وقد قوبل الكتاب بنقد حاد نظرًا لتعقيده وإشاراته الغامضة وبنائه الغريب. ولكن بعض النقاد لاحظوا إمكانيات ذلك الشاعر الشاب، كان من بينهم الناقد جون نيل والذي اطّلع على قصيدة الأعراف قبل نشرها وقال عنها إنها هراء رائع ومتقن البناء، وإن الشاعر الشاب يبدو واعدًا، وتوقع أن بو قد يكتب قصائد جميل بل ورائعة. وقال بو إن هذه هي أول كلمات تشجيع يتلقاها، ولكن ربما يكون هذا النقد الذي واجهه دفعه لاحقًا إلى كتابة قصائد أقصر.

قصيدة الأعراف مليئة بالإشارات الباطنية الغامضة الممتزجة بالحقائق التاريخية، والميثولوجيا الدينية، وعناصر من خيال بو، مما يجعل القصيدة عصية على الفهم والتحليل والتفسير، ولهذا يتجنّبها العديد من الدارسين، ولكن الكاتب الأمريكي آرثر هوبسون كوين يقول إنها تتحلّى بصفات مهمة لفهم تطور مهارة بو كشاعر. قال الناقد فلويد ستوفال إن “تيمة القصيدة هي التحرر من العالم عبر الأوهام لعالم الأحلام أو الخيال الأكثر روحانية”.

يقول إدجار آلان بو في قصيدة الأعراف (الأبيات من ترجمتي):

وهنالك، واحسرتاه، رُوحي المتعبة تجد الاستقرار،
بعيدًا عن أبدية الجنة، ولكن ما أبعدها عن النار!
أي رُوح مذنبة، من بين ظلمة الشجيرات،
لم يوقظها سماع تلك الترنيمات؟
ولكن كليهما هويا، فالجنة لا تسبغ النعمة
على هؤلاء الذين لا يصغون إلى قلوبهم النابضة.

فتركز القصيدة بشكلٍ أساسي على العالم الآخر، والحب المثالي، والجمال المثالي وعلاقته بالعاطفة المتقدة. يركز معظمُ القصيدة على الوصول إلى الجمال المثالي واعتبارات الجمال. وتشكل الشخصيات في القصيدة رموزًا لتجسيد المشاعر.
وفي رسالته التي قدمها لجامعة ولاية ميسوري والتي تحمل عنوان “استشراق إدجار آلان بو: سحر الشرق الأوسط في الأعراف” يقول د. صهيب كمال محمود الكمال إن: “الصورة القرآنية هي لب قصيدة الأعراف لدى بو، فاللغة القرآنية الحيوية والرمزية مستخدمة بأكثر من طريقة. إنها تستخدم بشكلٍ أساسي لإثارة مشاعر القارئ باستخدام صور شعرية محفزة للخيال.” وقد فَصَّل د. الكمال في دراسته تلك الصور القرآنية في أربعة من قصائد بو وهي “الأعراف” و”إلى هيلين” و”المدينة المنكوبة” و”إسرافيل”.

والقصيدة حافلة أيضًا بالحديث عن النجوم، وأحد النجوم يحمل اسم الأعراف، وقد استوحى بو الفكرة من اكتشاف الفلكي الدنماركي تيخو براهي لظاهرة المُستَعِر العظيم أو السوبرنوڨا حين رصد ظهور نجم جديد، هذا المستعر الأعظم الذي يحمل الآن الاسم العلمي SN 1572 ولكن بو أطلق على هذا النجم اسم الأعراف، وكان بو مهتمًا للغاية بالفلك والأجرام السماوية ونشأة الكون ومصيره وفنائه.

الفلكي الدنماركي تيخو براهي يرصد المستعر الأعظم سنة 1572
الفلكي الدنماركي تيخو براهي يرصد المستعر الأعظم سنة 1572
المستعر الأعظم SN 1572 كما يراه الآن مرصد تشاندرا الفضائي للأشعة السينية التابع لناسا

إدجار آلان بو الحلقة الواصلة بين القرآن والعلم

ولعل ما كتبه بو في “الأعراف” في مقتبل شبابه عن الكون والخلق والفناء كان نواةً لآخر أعماله وأهمها، وهي القصيدة النثرية الطويلة “يوريكا” والتي تحمل العنوان الفرعي “مقال عن الكون المادي والروحي” وكلمة يوريكا ترمز إلى أداة النداء اليونانية القديمة، وقالها أرخميدس حين اكتشف قانون الطفو الذي يُسمى بقانون أرخميدس. وقد بنا بو كتابه على محاضرة كان قد ألقاها بعنوان “عن كوزموجرافيا الكون”. والكتاب هو محاولة لتفسير نشأة الكون ومصيره ونهايته، وعن علاقة الإنسان بالكون والخالق، وقد عَدَّه بو ذروة سنام أعماله، وقال في خطابه إلى عمته ماريا أم زوجته الراحلة فيرجينيا: “الآن وقد كتبت يوريكا لم يعد لي رغبة في الحياة، لا أستطيع تحقيق شيء آخر”، وبالفعل لم يكتب بو شيئًا آخر ومات بعد نشر الكتاب بعامٍ واحد.

وفي كتاب يوريكا وضع بو نظريته الخاصة لبداية ونهاية الكون، والتي تتلخص فيما يلي:
“كان الكون بأكمله منضغطًا في كتلة واحدة أو جسيم بدائي “Primordial Particle” وما يبقيه متماسكًا هو ما يسمى بالمشيئة الإلهية “Divine Volition”. بتدخل من الرب انفجر هذا الجسيم ليشكل الأجسام الأخرى والسُّدُم والكون الذي يتمدد باستمرار، وأن هذه الاجسام تسعى إلى بعضها البعض بسبب أصلها المشترك مما يؤدي إلى الجاذبية، وأن هذا الانجذاب سيؤدي إلى عودة هذه الأجسام لتصير جسيمًا واحدًا مجددًا، وهو ما يعرف في العلم بنظرية الانسحاق الكبير، وطرح إمكانية تكرر مثل هذه العملية مجددًا”.
بالطبع أفكار مثل الانفجار الكبير Big Bang والانسحاق الكبير Big Crunch وتمدد الكون؛ تعد ثوابت علمية في عصرنا هذا، ولكن في عصر بو كان كلامه يخالف كل ما هو معروف عن العلم، وقد لاقى ما كتبه استهجانًا شديدًا وفسّره البعض بأنه ضعف في حالة بو العقلية بعد تقدمه في السن، ولكن بو نفسه كان يتوقع رد الفعل هذا وقال في مقدمة الكتاب: “إنها قصيدة أتمنى ألا يحكم عليها أحد إلا بعد موتي”.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد المهدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.