تأخذك إلى أعماق الفكر

رحلة في كتاب “أيديولوجيا الإسلام السياسي والشيوعية”

يناقش الكاتب سامح محمد إسماعيل في كتاب “أيديولوجيا الإسلام السياسي والشيوعية” ثلاث مفاهيم محورية تشغل حيز العقل العربي في الوقت الراهن، فمن منا لم يسمع هذه المفاهيم الثلاثة: الأيديولوجيا، الإسلام السياسي، الشيوعية. خاصة بعد ثورات الربيع العربي، وإن كان الكتاب قد ظهر في فترة سابقة على الثورات إلا أنه لامس واقعًا أحدثته التغييرات الاجتماعية على أرض الأحداث.

يأتي الكتاب في خمسة فصول ومقدمة وخاتمة وثبت للمراجع وفهرس عام.

تناول المؤلف في مقدمة الكتاب مفهوم “الأيديولوجيا” عند ثلاثة فلاسفة هم: ديستات تريسي، وكارل ماركس، وكارل منهاي.

فيرى “ديستات تريسي” وهو أول من استعمل مفهوم/ مصطلح الأيديولوجيا Ideology في أواخر القرن الثامن عشر، بأنها: العملية الفكرية التي تنبثق من خلالها النظريات والفروض المتوائمة مع الأنساق الاجتماعية والعمليات العقلية السائدة في المجتمع على شكل مجموعة من الأفكار المسوغة في صورة منظمة.

بينما عرفها ماركس في كتابه “الأيديولوجيا الألمانية” أنها: مجموعة من الأفكار والتنظيرات التي تضعها السلطة السائدة في المجتمع بغرض توجيه الأفراد آليًا نحو أهداف تصب في مصلحة هذه السلطة، وذلك في محاولتها لتسويغ ممارستها القمعية قبل أن تتحول إلى صور كاذبة يرسمها الناس عن أنفسهم ويعيشون في ظلها.

إعلان

بينما يطرح كارل منهايم طرحًا مختلفًا عن سابقيه في كتابه “الأيديولوجيا واليوتوبيا” أن الأيديولوجيا عبارة عن أفكار مشوهة ومبتورة لا تعكس سوى رغبات الطبقة الحاكمة وسعيها لفرض نظام بعينه أو فرض منظومة تحافظ من خلالها على السلطة من خلال تجميد المجتمع وإلغاء مجرد النية في إحداث تغيير فيه قد يطيح يومًا بتلك السلطة وهنا يرى كارل منهايم أن الأيديولوجيا تؤدي وظيفة جوهرية في حماية النظام السائد وضمان بقائه [1].

ويذهب المؤلف إلى أن القاسم المشترك بين التعريفات الثلاثة:

أن الأطروحات التي تتضمنها الأيديولوجيات هي التي تعكس مدى سطوتها على الواقع، وهي من تفرض هيمنتها على سائر الأنساق الاجتماعية بشتى أبعادها الاجتماعية والنفسية والدينية [2].

يمكن القول إن الأيديولوجيا تحولت من مجرد تعبير عن علم الأفكار، إلى تعبير عن النظام السياسي والفكري والروحي، الذي يحدد مواقف البعض وتوجهاتهم وأفكارهم تجاه قضايا المجتمع والدولة.

ثم تناول الكاتب مدى تأثير الأيديولوجيا على الإسلام السياسي/ الشيوعية. فالإسلام السياسي في نظر المؤلف قام من الأساس على فكرة الأيديولوجيا حيث ظهرت بعد وفاة الرسول، وقامت على فكرة بناء عوالم مذهبية ترتكز في الأساس على الاستلهام الدائم لأحكام الدين، والاستدعاء الدائم لسيرة أشخاص أصبحوا قديسين ومعصومين، يتحتم على الجميع السير على خطاهم حتى لو مر على هؤلاء الأشخاص عشرات أو حتى مئات السنين، فاستدعاء أسمائهم يكون وفقًا للأهداف السياسية المراد تحقيقها لفرض مزيدٍ من الهيمنة على المجتمع. فكم من حاكم أخذ أوامره من نبي جاءه في رؤية أو حلم.

وتقوم فكرة الأيديولوجيا في “الإسلام السياسي” على عدة اعتبارات، منها:

إقحام كل شيء في الدين؛ لرسم إطار مرجعي ونهائي يسير عليه الجميع، وترفض في نفس الوقت قبول أي رأي مخالف رفضًا باتًا، وهو الأمر الذي ظهر في الصراعات الدموية ما بين الأمويين والعباسيين، والشيعة والخوارج [3].

أما في الشيوعية فقد خطت الأيديولوجيا خطوات كبيرة في فرض سيطرة النظام الحاكم في شتى جوانب الواقع السياسي والاجتماعي بكل ما يعنيه ذلك من قهر وعنف واستبداد، وهو الأمر الذي ظهر في جرائم ومذابح قام بها الشيوعيون باسم تحقيق العدالة، فسار شلال الدم في اجتياح كل الشعارات الزائفة التي قامت من أجلها الثورة البلشيفية، التي لم يبقَ منها غير أنات الضحايا.

ومن هنا يرى الكاتب أنه من الممكن رصد التشابه بين النظم السياسية المتباينة إلهية كانت أو بشرية، تتلقى أوامرها من السماء -أو مرجعية بشرية ماركس/ لينين.

النزوع الأيديولوجي في الإسلام السياسي

يوضح الكاتب أن فكرة الأيديولوجيا كانت غائبة تمامًا عند القبائل العربية قبل الإسلام، حيث كان يعيش العرب حياة قبلية بعيدة عن النظام السياسي. ويوضح الكاتب أن الدولة التي كانت بلا نظام سياسي اجتاحتها ثورة قامت بمنهج إلهي، كانت السنة النبوية هي قاموس هذه الثورة وأداتها المحركة لتقديم فكرة أيديولوجيا جديدة تغطي كافة جوانب الحياة “رؤية العالم”.

ويستمر المؤلف في تحليل عام لشكل أيديولوجيا الدولة ما بعد عصر النبي، فيوضح لنا الكاتب كيف تحولت الخلافة إلى ملك بالوراثة فبدأت على يد معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية حين أشار عليه المغيرة بن شعبة أن توريث الملك سوف يجنب المسلمين الفتن، وعقب وفاة معاوية عام 60 هـ، تولى يزيد بن معاوية الخلافة لتحدث في عصره جريمة من  أبشع الجرائم في التاريخ الإسلامي “معركة كربلاء”.

ولقد ارتكز الحكم في العصر الأموي على عدة معطيات منها: “التفويض الإلهي” كمذهب الجبرية الذي انتشر في الدولة الأموية، والسلطة المطلقة للحاكم (نتيجة لطبيعة الحكم الإلهي)، والعنصرية –حيث اعتمدت في حكمها على العصبية القبلية، وعدم المساواة التي قامت عليها الرسالة الخاتمة-، والتوريث، وصورية البيعة.

ثم ينتقل التاريخ الإسلامي لمرحلة أكثر دموية، وهو: “العصر العباسي” حيث وصل العباسيون للحكم بعد القضاء على الأمويين حيث بدأ هذا العصر بسفك الدماء، ونبش قبور الأمويين، وحرق رفاتهم، وقتل النساء، والأطفال، والشيوخ، في ظل تلك الأجواء المليئة بالصراعات السياسية والمذهبية، حيث لم يكن هناك مجال (للتعددية السياسية) ولا مجال لقبول أي اختلاف في الفكر فكانت مساحات الحرية محدودة أو غير موجودة في أحيان كثيرة.

ثم يطرح المؤلف لونًا آخر من ألوان الاضطهاد الفكري المذهبي متمثلًا في الصراع بين المعتزلة والحنابلة والفلاسفة وأهل الفقه والحديث، وما وقع لأحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن. وكان من أشهر من تعرض لتصفية جسدية نتيجة الاضطهاد الفكر “شهيد العشق الإلهي” الحلاج (فترة السجن).

الطابع الاجتماعي للأيديولوجيا وخصائصها في العصرين الأموي والعباسي

في الفصل الثاني تناول المؤلف الخصائص الأساسية للاتجاه الأيديولوجي من المنظور الاجتماعي فيوجز هذا الفصل ذلك في:

الشمولية؛ حيث لا وجود للفرد، ولا يعرف إلا من خلال علاقته بالمجموع (الشعب) أو (الأمة) فتدفع الأيديولوجية الشمولية العقل الإنساني إلى التخلي عن حريته. ولأن النظام الشمولي بحاجة دائمة إلى فرض رقابة اجتماعية صارمة؛ ظهر البصاصون الذين يراقبون الناس حتى في أحلامهم لضمان أكبر قدر ممكن من الضبط الاجتماعي.

الطابع العاطفي: وهو القاسم المشترك بين جميع الأيديولوجيات حيث تتميز أي أيديولوجيا بأسلوبها العاطفي؛ لما له من تأثير على عقول الجماهير، وهنا كان للبلاغة الدور الهام في تأكيد البعد العاطفي والرد على الخصوم من خلال الكتاب والشعراء والأدباء.

الطابع الرمزي؛ على الصعيد المجتمعي تقدم الأيديولوجيا نفسها في صورة رمز، بمعنى: أن الحاكم يتحول إلى رمز بشري للقيام بدور الوساطة بين الإله والشعب وهنا يوظف الرمز السياسي لخدمة الأهداف المراد تحقيقها.

الطابع الجبري: تحاول الأيديولوجيا الجبرية توظيف النص الديني توظيفًا سياسيًا فجًا، حيث تسعى إلى تجريد الإنسان من قدرته على الاختيار، وعلى استخدام عقله للانطلاق نحو الحرية، ففرضت ثقافة الطاعة للحاكم فجُنّد لذلك خطباء المساجد والشعراء وغيرهم.

تغييب العقل: في الوقت الذي جاءت الرسالة الخاتمة (الإسلام) إلى القضاء على الوهم مارست الأيديولوجيا فنون الخداع والوهم لجذب التابعين؛ ليتحول الدين إلى مجرد كلمات تذكر عند دخول المرحاض، أو سماع نهيق الحمار، وتتحول السنة النبوية من الدعوة لمكارم الاخلاق إلى أمور دنيوية سلوكية.

وهنا يطرح السؤال نفسه: أين ذهب الإنتاج الفكري الضخم الذي خلفته الحضارة الإسلامية؟ والتي كان لها تاثير كبير على قيام عصر النهضة في أوروبا والتي بدأت بسقوط القسطنطينية.

فبعد عصر الترجمة من وإلى العربية في العهد العباسي، وبعد أن أصبحت الحرية المطلقة شعار المعتزلة، وأصبح مركز الريادة في الشرق يحمل لواءه الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد تحول الأمر إلى رجل يقول: “نهينا عن الكلام في هذه الأمور”.

الصراع الاجتماعي: حيث تندرج تحت مظلة الاستبداد الاجتماعي كل العلاقات الاجتماعية الموروثة من عهود مضت حتى وصل التطرف فيها أحيانًا إلى إدراج التقاليد الاجتماعية تحت باب الحلال والحرام مما أدى في النهاية إلى حالة من حالات عدوم المساواة والتفاوت الطبقي الفج بين الشعب الواحد.

تحقير المرأة: جاء الإسلام برفع شأن المرأة في أغلب الأمور وليس كلها فهي مأمورة مثله بالإيمان والطاعة ومساوية له في جزاء الآخرة. وفي عهد النبي ارتفع شان المرأة في عدة أمور منها: مشاركتها في الأنشطة السياسية، وحضور بيعتي العقبة الأولى والثانية اللذين يعدان بمثابة المؤتمر التأسيسي لقيام الدولة الإسلامية، ولكن قضت الأيديولوجية على كل تلك المكاسب بل عمدت إلى تهميش دور المرأة واعتبارها مجرد متاع للرجل.

ونظرًا لهيمنة الثقافة الذكورية؛ انطلق الفقهاء والمفسرون في نشر بعض الأحاديث التي تُشعر بدونية المرأة كـ: “اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، واطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ”.

نرى أن الأيديولوجيا أدت الدور الذي رسمه “كارل منهايم” في كلا العصرين الأموي والعباسي، فلم تكن تمس المشكلات الاجتماعية والقضايا السياسية التي كانت تشغل القوى الاجتماعية المختلفة، ولكنها استخدمت أساليب القمع والترهيب واكتسبت صبغة الصراع مع الآخر، في ظل غياب القيم الاجتماعية والأخلاقية التي دعا إليه الإسلام من حرية وعدالة ومساواة، وحل بدلًا منها القيم السلبية كالقمع والتفاوت والعنصرية!

وبذلك الصراع أخذت أيديولوجية الدولة الإسلامية نفس طريق الإمبراطوريات القديمة، فانتفي مبدأ المساواة بين معتنقي الدين الواحد، ونشأ ترتيب اجتماعي فرّق بين الناس فأصبح الناس في مراتب:

مرتبة أولى وهي للحكام وأقربائهم، ثم تليها مرتبة ثانية؛ طبقة الخاصة التي تكونت من أصحاب السلطات والنفوذ والثورة، ويليها طبقة عامة وهي من عامة الناس الذين لا يمتلكون قوة ولا نفوذ، ثم احتل العبيد والأماء الدرْك الأسفل من هيكل القوة الاجتماعية في المجتمع.

أدلجة الحديث النبوي بين السنة والشيعة

يشرح الكاتب كيف تدرجت رواية الحديث في عهد الخلفاء الراشدين في أضيق الحدود، حيث النهي في عهد أبي بكر إلى التجريم الكامل في عهد عمر بن الخطاب، وصولًا إلى الإباحة في عهد “عليّ”.

تعرض المؤلف لفكرة أدلجة السنة عند كل من السنة والشيعة، فكان الهدف السياسي واضحًا منذ عهد معاوية التي انتشرت في عهده الأحاديث التي تدعم ملكه، وتتحدث عن فضله، واستمرت أدلجة الحديث أيضًا في العصر العباسي حتى صار جمع الحديث صفة العصر في القرنين الثالث والربع الهجريين.

أما في الجانب الشيعي فقد ظلت الأيديولوجيا (حركة) الشيعية التي بدأت بذورها بعد وفاة النبي، -اعتراضًا على مبايعة أبي بكر- نحو ربع قرن، حتى تشكلت بمظهر مختلف بعد حادثة كربلاء، وبدأت البحث عن مرجعية دينية تستمد منها شرعيتها، في مواجهة الأمويين الذين يدّعون أن لهم سلطة دينية شرعية. قامت الدعوة الشيعية في رواية الحديث الصحيح لآل البيت وحدهم ومن يعدلونهم من الصحابة، وهم لا يتعدون خمسة عشر صحابيًا.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: ولاء عبدالهادي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.