أَصول مفهوم حقوق الإنسان عن الإغريق (مترجم)

أثار أحد الزوَّار البريطانيين من ذوي المكانة المرموقة الشُكُوك لدى الفرنسيين خلال إحدى الاحتفالات بالذكرى 200 للثَّورة الفرنسيَّة منذ ثلاث سنواتٍ مضت في باريس، وذلك حينما أكَّد أن مفهوم حقوق الإنسان لا يُعَدّ وليد الثَّورة الفرنسيَّة، بل له جذور تعود إلى العصر الكلاسيكيّ في اليونان. وأفضت هذه الشُكُوك إلى خلق أزمةٍ دبلوماسيَّة، وما تبعها من طرح أسئلة تتعلَّق بالهُويَّة الوطنيَّة الفرنسيَّة، وهذا بدوره من الممكن أن يضع الهُويَّة الفرنسيَّة على المحك.

وعاد التاريخ اليونانيّ وبالتحديد تاريخ عصرها الكلاسيكيّ محَطّ تركيزٍ سياسيٍّ من جديد، للبحث في ثنايا هذا التاريخ لتحديد من كان موقفه صحيح، هل موقف رئيسة وزراء المملكة المتحدَّة أم رئيس فرنسا؟ ومهما يكن، توجد أسئلة عديدة تُقَال عن الرأيين لم تطرح حينما أبدت السَّيدة 《تاتشر – Thatcher》رأيها، والتي من شأنها، كرواية 《سكارليت بيمبرنيل-  Scarlet Pimpernel، أن تُفْسِد احتفالات ذكرى الثَّورة الفرنسيَّة.

من السَّهل القول إن الحضارة اليونانيَّة القديمة تُمثِّل جذور الحضارة الغربيَّة، لكن من الصَّعب تحديد مقدار إسهامها في نشأة الحضارة الغربيَّة على وجه التحديد والدقة. وهذا بدوره يجعلنا نطرح سؤالًا مفاده إلى أي مقدارٍ أسهمت الحضارة اليونانيَّة في تحديد مفهوم حقوق الإنسان؟ وللإجابة عن هذا السؤال سنسعى إلى البحث في ثلاث مسائلَ وهي: (1) ما هو مفهوم الحق؟ (2) ما هو حق الإنسان؟ (3) ما الذي يعنيه أن يكون لدينا مفهوم حقوق الإنسان؟

أولًا: مفهوم الحق:

أجاب أحد الفقهاء المشهورين إجابةً مؤثِّرة عن مفهوم الحق، وهو 《ويزلي نيوكم هوفيلد –  Wesley Newcomb Hohfeld》في عام 1913، إذ عرَّف الحق:  أن لا تكون صاحب الحق إلا إذا امتلكت أو فعلت شيئًا، وكان واجبًا على الناس ألا يتداخلوا مع حيازتك أو فعلك له. ولتوضيح ذلك لنأخذ مثالًا عن السَّفر، فالسَّفر يُعَدّ حُرِّيَّة بموجب نظرية هوفيلد عندما لا يوجد أي سببٍ يحظر السَّفر من جانب، ومن جانبٍ آخر يُعَدّ السَّفر كحق عندما لا يوجد أي سببٍ يحظرك من السَّفر ويحظر الغير من منعك منه، وبالتالي فإن الحق هو حُرِّيَّة محمية.

إن نظرية هوفيلد المرتبطة بواجب الناس بعدم التدخُّل لا يُعَدّ الحُجَّة التي تحسم النقاش عن الموضوع، لكنها تُعَدّ حُجَّة ذات قيمة، تجعلنا نستند إليها من أجل البحث عن وجود مفهوم الحق في اليونان القديمة، أي أن نبحث فيما إذا كان محظورًا على الغير التدخُّل في حُرِّيَّة غيرهم.

إعلان

مما لا شَكّ فيه أن هذا المفهوم يمكن أن نجده في اليونان القديمة، من خلال التشريعات التي تُحدِّد نطاق العَلاقة بين السَّيد وعبده، ومن خلال ما يمكنهم وما لا يمكنهم فعله. إذ كان بإمكان السَّيد أن يفرض أي عقوبةٍ على عبيده فيما عدا قتلهم، ولم يكن لدى الرقيق أي حقٍ فيما عدا أن يطلب اللجوء أو أن يُبَاع لشخصٍ آخر، وتُفْرَض عقوبة على من يمنع الرقيق من فعل ذلك. إن حُرِّيَّات طرفي العَلاقة لم تكن متساوية، لكنها كانت محمية بالقانون، أي أنها حقوق قانونيَّة. ومن الأمثلة الأخرى والواضحة هي الحقوق الشَّخصيَّة والحقوق المرتبطة بالمواطنة في أثينا أو أسبرطة.

ثانيًا: مفهوم حقوق الإنسان:

ولكن لو حاولنا البحث عن حقوق الإنسان لا الحقوق القانونيَّة لغيَّرنا عملية البحث من ناحيتين. أولهما: لماذا تنتمي الحقوق إلى جميع الناس؟ ويعود سبب هذا التغيير، لأنه من المفترض أن تنتمي هذه الحقوق إلى جميع الناس، وبالعودة إلى السؤال فتكمن الإجابة عنه ربما، لأن جميعهم ينطبق عليهم وصف الإنسان، أو ربما لوجود سمة مشتركة بين الإنسانيَّة توجد لدى بعض المخلوقات الأخرى مثل سمة العقلانيَّة. سنترك الإجابة عن هذا السؤال المُعقَّد لاحقًا. ويتعلَّق التغيير الثاني بحماية الحُرِّيَّات، وهو مصدر حظر الناس من التدخُّل. فبدلًا من التشريع الأسبرطيّ أو الأثينيّ، فإن أساس هذه الحقوق سيكون القانون الإلَهيّ أو الأخلاقيّ أو الطبيعيّ، مصدر ضروريّ وسابق للقوانين الاعتياديَّة لهذا المجتمع أو ذاك. سواء  استخدمنا لغة الحقوق الطبيعيَّة أم لغة حقوق الإنسان الحديثة، فإن الحقوق بهذين المفهومين تعني تلك الحقوق التي يمتلكها الإنسان بشكلٍ سابق ومستقل عن أي نظامٍ اجتماعيٍّ، وتكون قيودًا على أي مشرعٍ. وتشتق من معايير يمكن من خلالها أن نَحْكُم أو نُحدِّد ما إذا كان القانون الاعتياديّ يُمثِّل انتهاكًا لحقوق الإنسان.

وبالعودة إلى اليونان، نجد فيها واحدة من أَقْدَم المحاولات لوضع نظرية للقانون الطبيعيّ في القرن الخامس قبل الميلاد. كان واضع هذه الفِكْرة الشَّاعِر 《أمفيدوقليس – Empedocles، ولم تصلنا إلا أجزاء من هذه القصيدة، والتي اقتبسها 《أرسطو – Aristotle》 لتوضيح فِكْرة قانون العدالة الكَوْنيّ. كتب أرسطو في كتابه الخَطَابة:

ومن القوانين الخاصة ومنها الكَوْنيَّة، تكون خاصة حينما يضع كل مجتمع قوانين ويطبقها على أعضائه، وتكون هذه القوانين بدورها مكتوبة وغير مكتوبة. وأما القوانين الكَوْنيَّة فهي قوانين الطبيعة، التي يُقَدِّسها الجميع، حتى وأن لم تكن بينهم وبينها صلة، وتشتق منها مفاهيم مثل العدالة والظلم الطبيعيين للجميع. كما قالت 《أنطيغوني- Antigone》 《لسوفقليس- Sophocles》 إن دفن 《بولينيسيس -Polyneices》كان سلوكًا عادلًا وإذ كان محظورًا بموجب القوانين، وعنت بكونه عادلًا، بأنه كان عادلًا بموجب قوانين الطبيعة. ومن الأمثلة الأخرى على ذلك ما قاله أمفيدوقليس عن عدم قتل أي مخلوقٍ حيّ، إذ رأى بأنه لا يمكن اعتباره شيئًا عادلًا لبعض المجتمعات، وغير عادلٍ لبعضها الآخر. حيث قال عن قانون الطبيعة بإنه:

قانونٌ يسري على الجميع، يُطبَّق في أي زمانٍ ومكانٍ.

بالتالي يُقِرّ أمفيدوقليس بوجود قانونٍ عام لجميع الأحياء، قانون يُلْزِم ويحمي الجميع، الذي يحظر القتل. وبموجب معايير العدالة العَالَميَّة، فإن جميع المُشرِّعين غير مُنْصِفين، في حال ما إذا سمحوا بما حُظِر بموجب العدالة العَالَميَّة كإباحة القتل، فيما عدا حالات الحَرْب أو الجرائم الخطيرة. ومن بين الأمور التي يعارضها أمفيدوقليس بقدر كبيرٍ هي التضحية بالحيوانات، من خلال ذبحها وتناولها في الطقوس الدِّينيَّة تكريمًا للآلَهة.

وبشكلٍ عام استُخدِمَ مفهوم القانون الطبيعيّ العَالَميّ للنقد الراديكاليّ للديانات القديمة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تسبَّب أمفيدوقليس بظهور تقليد في الفِكْر اليونانيّ، تمتد فيه العدالة إلى الحيوانات لا إلى الإنسان فحسب، حيث كان بالنسبة إليه من غير الممكن قتل الحيوان إلا دفاعًا عن النفس.

ومن الأشخاص الذين تبنوا وجهة النظر هذه هو أحد تلامذة وتابعي أرسطو،《ثيوفراستوس theophrastus، ولكن عارضها الأبيقوريون والرواقيون.

ولمناقشة قبول فِكْرة العدالة هذه، سنُبيِّن أو نُوضِّح ما جاء في كتاب “الامتناع عن أكل الطعام الحيوانيّ” والذي كتبه الفيلسوف الأفلاطونيّ المحدث 《فرفوريس- Porphyry. كان فرفوريوس رافضًا لقتل وتناول الحيوان لسببٍ غريبٍ، مفاده أن الحيوانات كائنات عقلانيَّة، وذلك على العكس من النباتيين المحدثين والذين يرون أن السبب الأساسيّ في الامتناع عن قتل الحيوانات هو درء المعاناة عنها. وهذا لا يعني أن فرفوريوس لم يأخذ بدرء المعاناة عن الحيوان، ولكن يبقى السبب الرئيس والأساسيّ لديه هو إثبات أن الحيوانات عقلانيَّة وذكية مثلنا تقريبًا، بل وألطف منا. وبالتالي توجد لدينا واجبات يفرضها علينا حِسّ العدالة تجاه الحيوانات التي نلتقيها، كما لدينا ذات الواجبات لدى بقية أبناء المجتمع بنفس السبب والطريقة.

ربما كان لأمفيدوقليس فِكْرة مشابهة للفيلسوف فرفوريوس، وذلك حينما أعلن عن قانونٍ عَالَميٍّ طبيعيٍّ ليكون أساسًا في منع قتل الحيوانات، ويستند ذلك إلى نظرية تناسخ الأرواح، التي مفادها أننا لا يمكن أن نقتل الحيوانات ما دام لديها روح مثلنا، وهذه الروح سكنت في جسد الإنسان يومًا ما. وبهذا تعدَّدت النظريات التي يُمْنَع فيها قتل الحيوانات، لكن جميعها تستند إلى فِكْرة واحدة مفادها اعتبار قتل الحيوانات غير عادلٍ بموجب القانون الطبيعيّ، وذلك بغض النظر عن حظرها أو عدم حظرها بموجب القوانين المدنيَّة والدِّينيَّة في المجتمعات القديمة.

الآن دعونا نتأمَّل في من ينتفع بهذا الحظر، إن من ينتفع بهذا الحظر هم الحيوانات ذات الفراء والريش، فلا يمكن قتلها بموجب القوانين السامية والسابقة للقوانين الإنسانيَّة. إذن هل يعني ما سبق أن لدى الحيوانات حق في الحياة؟ هل تُعَدّ هذه الحُجَّة بداية الحوار في التاريخ الكلاسيكيّ عن فْكَرة حقوق الحيوان؟ للعديد من الأسباب نعم، إذ استوفت هذه الحيوانات المعيار الذي وضعه الفقيه هوفيلد المُتمثِّل بمنع الغير من المساس بحياة الحيوانات.

ثالثًا: معنى مفهوم حق الإنسان:

لما تقدَّم أرى من الأفضل أن نتمهَّل بالحكم، وذلك لأن وجهة نظر الفيلسوف هوفيلد تُعَدّ حُجَّة مهمة لا حاسمة حول الموضوع. تُعَدّ حُجَّة مهمة وذلك لأنها توفر بيانًا واضحًا عن الظروف التي يتواجد بموجبها الحق. إذ يرى أن الحق لا يوجد إلا في حال ما إذا كان لدى الناس واجبٌ بعدم التدخُّل بممارسة الفرد لحقه. ولكن مع ذلك لا تُعَدّ حُجَّة حاسمة، وذلك لسببٍ وحيد: أن نظريَّته لا تُفسِّر لنا لماذا يوجد الحق؟

وللإجابة عن هذا السؤال سننتقل إلى الفيلسوف دوركين- Dworkin، والذي فَسَّر في كتابه “أخذ الحقوق على محمل الجد” Taking Rights Seriously تلك الحالات التي ينشأ الواجب فيها نتيجة منح الحق لفردٍ ما، وتلك الحالات التي ينشأ الحق فيها نتيجة لفرض واجب على الغير، كما يلي:

“يوجد فرق بين فكرة أن عليك واجبًا بعدم الكذب، وذلك لأن لدي حقًا في عدم الكذب علي، وفكرة أن لدي حقًا بعدم الكذب عليّ لأن عليك واجبًا بعدم الكذب. نسند وجود الواجب في الحالة الأولى، نتيجة لوجود الحق، وفي حالة ما إذا رغبت بوجود أسانيد أكثر، فيجب عليّ أن أسند وجود الحق، ولكن لا يمكنني إسناد الحق إلى الواجب نفسه في حقيقة الأمر، وأما الحالة الثانية فتكون بالعكس. يُعَدّ هذا الفرق مهمًا، وذلك لأن النظرية التي ترى الحقوق أساسًا، تختلف عن تلك النظرية التي ترى الواجبات أساسًا”.

ولو طبقنا هذا التمييز على النظريات في اليونان القديمة، لكان واجب عدم قتل الحيوان يستند إلى حق الحيوان بعدم قتله وأكله. إن للحيوان الحق بعدم قتله وأكله وذلك لأنه من الخطأ أكله وقتله. لا بسبب أن منع القتل والأكل يستند إلى حق الحيوان بالحياة، ولو صغنا النظرية بهذا الشكل نكون أمام مفهوم حقوق الحيوان.

كما أن نفس الأمر ينطبق على حقوق الإنسان، هذا وقد ركَّزنا في هذه الورقة على الحيوانات وذلك لأن التقليد الذي أسَّسه أمبيدوقليس، جعل الحيوانات إحدى الكائنات المنتفعة من القانون الطبيعيّ.

وبالعودة إلى رأي السَّيدة تاتشر، فإنه في الغالب كانت تقصد النظرية الرواقيَّة في القانون الطبيعيّ، والتي تفترض وجود نظام من القوانين، والذي يستند إلى الطبيعة وملزم لكل الكائنات العقلانيَّة. ولا تنتفع أدنى صنوف الحيوانات من هذا النظام، وذلك لأن نظرية الرواقيين ترى بأن الحيوانات غير عقلانيَّةٍ ولا يمكنها أن ترتبط أو أن تبرم عهدًا مع الإنسان. ولكن ينتفع الإنسان من هذا القانون، بالقدر الذي تعكس به القوانين الفعليَّة مبادئ القانون الطبيعيَّة، ولا يحميك القانون الطبيعيّ بموجب هذه النظرية من المخاطر التي تتعرَّض إليها، لكن سيحضر أشكالًا عديدة لعدم الإنصاف. فعلى سبيل المثال، يُعَدّ مخالفًا للقانون الطبيعي عدم مساعدة المسافرين الغرباء حينما يحتاجون إلى هذه المساعدة.

لكن مضاعفة وتكرار ذكر نظريات القانون الطبيعيّ لن تَحِلّ إشكاليَّة هذه الورقة، مهما وجدنا من وثائقٍ في العَالَم القديم عن القانون الطبيعيّ الذي يفرض واجبات على الإنسان. ولن نذكر نظرية تذكر مفهوم حقوق الإنسان إلا حينما يحدد نطاق من يشملهم الحق، ولن أتكلَّم عن مفهوم حقوق الإنسان، حتى لو كانت وجهة نظرهم تشبه وجهة نظر الفقيه هوفيلد. فما نفتقر إليه ليس وجود أسباب تبرِّر وجود الحق، إنما مفهوم حقوق الإنسان كما هو لدينا اليوم. ولهذا كنت واضحًا حول ما الذي يعنيه أن يكون لدينا مفهوم حقوق إنسان.

وحينما ناقشت فلسفة فرفوريوس وواجب عدم القتل، اقترحت بأن هذا الواجب يمكن أن يرتبط بحق جميع الحيوانات في الحياة، وحتى مع صياغته بهذه الطريقة فلن يكون لدينا مفهوم لحقوق الإنسان كما هو المفهوم السَّائد لدينا اليوم. ينبع الفرق حينما نأخذ وجهة نظر دوركين بالحسبان من أجل أن نضع أسانيد أكثر. في العَالَم القديم، يمكن للشخص أن يزيد من الأسباب التي لا يكون الشخص بموجبها عادلًا تجاه الحيوانات، وذلك لأنني لن أكون شخصًا جيدًا إلا إذا كنت عادلًا. تُعَدّ العدالة إحدى الفضائل، وتُعَدّ الفضائل ضرورية ليس للكمال الأخلاقيّ فحسب، بل من أجل السعادة. فقد أكَّد الفلاسفة القدماء على أن الشر يجلب التعاسة، ولن نصل إلى السعادة إلا إذا كنا من بين الأخيار، وهذا يعني حمايتنا لحياة الحيوان، ليس لأن ذلك سيجعل الحيوانات سعيدة، بل لأن فعل ذلك سيجعلني سعيدًا. وينطبق نفس الأمر على واجباتي تجاه البشر وواجبات البشر تجاهي. وإن السبب الرئيس لحماية حقوق بعضنا البعض هو أن  العدالة تُعَدّ جزءًا ضروريًّا لسعادتنا. ومن وجهة نظر حديثة، يُعَدّ هذا المفهوم مفهومًا مثاليًّا، وذلك لأنه يفترض أن اهتمامنا بالعدالة والفضيلة يمكن أن يُحفِّز أكبر عدد أفراد من المجتمع من أجل أن يعيشوا متناغمين سويًا.

ولكن فيما يخص المجتمعات الحديثة، فقد اعتدنا على فِكْرة مفادها أن على الناس أن يعتادوا على حقيقة وجود قيم متباينة ومفاهيم غير متوافقة فيما يخص أساليب الحياة الصحيحة. ولن يظهر مفهوم الحق إلا عند ظهور صراعات سياسيَّة ودِينيَّة. إذ تنتمي الحقوق إلى الأفراد وتمنحهم منفعة، كما تفرض الواجبات على الأفراد وتقيِّد حُريَّاتهم. وبهذا تكون الحقوق هي الأساس وتشتق الواجبات منها، لا العكس. ويكون الأفراد هم المنتفعين الأساسيين من النظام المدنيّ بشكلٍ متساوٍ. ولهذا السبب كانت الحقوق الطبيعيَّة هي المبدأ الأساس الذي نظَّم مقاومة للحكم التعسُّفيّ للملوك والبارونات في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

أن يكون لدينا مفهوم لا يعني أن نبدي تصريحات ما بشروط تثبت صحتها. إن البيانات لا تدلى إلا في سياق محدَّد ولغاية محدَّدة، وإن أساليب التفكير تتداخل مع أساليب الحياة وبتغيير ظروف الحياة.

وفي 26 آب من العام 1789 تبنَّت الجمعية الوطنيَّة الفرنسيَّة إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسيّ، والذي تضمَّن بيان:

إن الغاية العظمى لكل مؤسسة سياسيَّة هو حفظ حقوق الإنسان الطبيعيَّة، ولا يمكن أن تتقادم. وهذه الحقوق هي تلك الحقوق المتعلِّقة بالحُرِّيَّة والملكيَّة والأمن ومُقَاوَمة الاضطهاد.

وكان هدف هذا البيان تعزيز نظام اجتماعيّ، والذي يكون فيه كل فردٍ منتفعًا من حماية القوانين كحقوق، لا لأنها فاضلة وخيرة للسماح لهم بالانتفاع بها. إن الهدف السَّلبيّ كان مهمًا بمقدار الهدف الإيجابيّ، إذ جرى تصويت على وجوب وجود إعلان للحقوق والواجبات. فقد بيَّن القس شارتر في تاريخ 3 آب:

“بأنه يوجد شرك يجب أن نتفاداه وذلك في حال ما إذا كان الإعلان ضروريًا، وذلك لوجود خطر في أن نوقظ الأنانية والكبرياء، وبذلك يجب أن يرتبط مفهوم كل حق بواجب”.

بيَّنت المعارضة حينئذ بعدم وجود أي حاجة لذلك، إذ إن الواجبات ترتبط بالحقوق ولا يوجد أي حاجة إلى إعلانٍ صريحٍ عنها، وفي النهاية انتصر موقف المعارضة. إذ كانت أصوات المعارضة 570 صوت مقارنة ب433 صوت، لم يكن انتصارًا كاسحًا، بل ضَمن أن  النظام الاجتماعيّ تكون فيه الحقوق أولى من الواجبات ([2]).

لم يتحقَّق النظام الاجتماعيّ الجديد، إذ حَلَّ عهد الإرهاب في فرنسا. ولكن الفِكْرة نفسها لم تمت، وعاشت في سياستنا، والتي قدمت الفرد أولًا بطريقة لم يفعل القدماء مثلها. لا تكمن الصعوبة في أن نص إعلان حقوق الإنسان لا يمكن أن يترجم للإغريقيَّة القديمة، بل على العكس يمكن أن يترجم. لكنه لن يكون منطقيًّا بل كان ليصبح النص غريبًا وعديم المعنى في عَالَمٍ لم يُشكِّك فيه أحد بمؤسسات الرق.

وفي مجتمعنا السياسيّ المُعاصِر تُمنَح صفة الإنسان، لأي إنسان، من دون الحاجة إلى توفُّر شروط تؤهلهم أو تمنحهم استحقاقًا، ونرى هذا تقدُّمًا من الأزمنة السابقة. أي أن ولادتك إنسانًا هي التي تضفي عليك الصفة الإنسانيَّة.

ولهذا السبب لم أُبدِ رأيًا في احتفالات باريس حينئذ، بل احتفلت معهم، مؤمنًا بما أحدثته الثَّورة الفرنسيَّة من تقدُّمٍ.


([1]) استلهمت وعدلت هذه الترجمة عن:

أرسطو طاليس، الخطابة، الترجمة العربية القديمة، حققه وعدل عليها عبد الرحمن البدوي، ص65.

([2]) تعود هذه الفقرة:

Baker (1994), esp. 181-3.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد رسول

تدقيق لغوي: أمل فاخر

اترك تعليقا