فلسفة الأخلاق وكون المرء صالحاً (مترجم)

“لسنا نهدف في مبحثنا الحالي إلى معرفة نظرية مجردة كالمباحث الأخرى. ذلك لأننا لا نبحث مبتغين الكشف عن ماهية الفضيلة، بل نبحث بغاية أن نصبح صالحين. ولولا ذلك لن يكون لمبحثنا أي فائدة.” علم الأخلاق النيقوماخية – أرسطو.

ينبغي لدراسة فلسفة الأخلاق/علم الأخلاق أن تجعلنا أشخاصًا أفضل. وينبغي لها أن تمنحنا القدرة على فهم الطرق التي تؤثر بها أفكارنا وأفعالنا على الآخرين. هذا ما يمكّننا من التفكير بشكل ناقد حول كيفية عيش أفضل حياة ممكنة. علاوة على ذلك، نأمل أن تجعلنا دراسة أي فلسفة أخلاقية أن نسعى لتبنّي سلوكٍ حسن، حتى لو لم نستطع فعل ذلك دائمًا. فإن لم تؤدِّ دراسة الفلسفة الأخلاقية إلى أي من هذه النتائج، فمن المؤكد أن علينا السؤال عن الهدف من هذه الفلسفات.

ويلاحظ أرسطو أن الموسيقيين لا يصبحون موسيقيين إلا من خلال عزفهم على آلات موسيقية. وتمامًا كما يمكننا أن نتساءل عن الغرض من تعلم نظرية الموسيقى دون اختيار آلة موسيقية، يمكننا أن نتساءل بصورةٍ معقولة عن الغرض من مناقشة الفلسفات الأخلاقية لو لم يكن لذلك أي أثرٍ على أفعالنا. ما الهدف من أي نظرية كانت إذا انفصلت عن التطبيق والممارسة؟!

هل تؤدي الفلسفة الأخلاقية غرضها؟

غالبًا ما ينظر للفلسفة على أنها قليلة الأهمية، خاصة عندما تصبح الدراسة الأكاديمية لها معزولة، وغير متاحة، ومنفصلة عن هدفها الأصلي. أرى أن هذا الأمر مقلق، خاصةً في حالة فلسفة الأخلاق. ذلك لأن النمو الأخلاقي للأجيال القادمة سيتعرض للخطر إذا انفصلت هذه الفلسفة عن هدفها.

في السلسلة التلفزيونية الكوميدية (The Good Place NBC, 2016-2020) توضح إحدى الشخصيات البارزة في العرض المشاكل الناجمة عن فصل الفلسفة الأخلاقية عن الممارسة الأخلاقية. فشخصية تشيدي، بروفيسور لامع يحب القراءة ولديه معرفة موسوعية بالفلسفة الأخلاقية عبر تاريخها. ومع ذلك، نظرًا لأنه يكرس حياته كلها لدراسة الفلسفة الأخلاقية، ولأن معرفته الواسعة تجعله يضطر إلى موازنة كل نتيجة ممكنة، أو واجب أو نية في كل مرة يضطر فيها إلى اتخاذ قرار، فلن يكون قادرًا على اتخاذ أي قرار أخلاقيّ في الواقع. وما يجعل مشاهد السلسلة مضحكة هو كونها تظهر الفجوة بين الفلسفة الأخلاقية والممارسة الأخلاقية على نحو سخيف. كما هي في الواقع بمعظم الأحيان- على سبيل المثال، في أحد المشاهد يتعين على تشيدي أن يفكر في التداعيات الأخلاقية لكل عنصر من عناصر قائمة الطعام المقدمة له. يعود النادل لطاولة تشيدي خمس مرات قبل أن يقرر ما سيطلبه- لكن هذه الفجوة تثير أسئلةً جادة حول الطريقة التي تُدرَس وتُدرَّس بها فلسفة الأخلاق.

إعلان

في عام 2009، نشر عالما النفس “أريك شفيتزجيبل” و”جوشوا راست” ورقةً بحثية بعنوان “السلوك الأخلاقي لعلماء الأخلاق: رأي الأقران” (Mind, vol.118, no.472, pp.1043-1059). حدد العالمان النتائج التي توصلا إليها من دراسة سعت إلى تحليل تصورات السلوك الأخلاقي لفلاسفة الأخلاق مقارنة بالأكاديميين من تخصصات مختلفة وغير الأكاديميين. لخص العالمان ما توصلا إليه على النحو الآتي:

“في اجتماع الجمعية الأمريكية للفلسفة، قسم المحيط الهادي، عام 2007، استخدمنا الشوكولا في إغراء 277 شخص من المارة لجعلهم يكملون استبيانات مجهولة المصدر دون علمهم بموضوع هذه الاستبيانات. طلبت نسخة الاستبيانات الأولى من المشاركين أن يقارنوا السلوك الأخلاقي لعلماء الأخلاق بشكل عام بسلوك الفلاسفة غير المتخصصين بمجال الأخلاق، وغير الأكاديميين من ذات الخلفية الاجتماعية. أما النسخة الثانية فقد طرحت على المشاركين أسئلة مماثلة حول السلوك الأخلاقي لمختصي الأخلاق في قسمهم. والذين تأتي أسماؤهم بعد اسم المشارك حسب الترتيب الهجائي. طرحت كلتا النسختين أسئلة رقابية عن مختصي الميتافيزيقيا ومختصي الإبستيمولوجيا. كانت وجهة نظر معظم المشاركين تقول أن سلوك علماء الأخلاق، بشكل عام، ليس أكثر صلاحًا من سلوك غير المختصين بالأخلاق. في حين يميل علماء الأخلاق إلى تجنب القول بأن سلوكهم أسوأ من سلوك غير المختصين بالأخلاق. أعرب نفر من غير المختصين بالأخلاق عن وجهة نظر تشاؤمية حول ذلك، بقدر ما أعرب نفر آخر منهم عن رأي مفاده أن سلوك علماء الأخلاق أصلح.”

يقر المؤلفان أن هذه الدراسة ليست شاملة أو جازمة. ولكن على أية حال، لا تزال نتائجهم تسلط الضوء على قضية بيّنة. وهي قضية اعتقاد الكثير من الناس بأنه ليس ثمة فرق حقيقي بين سلوك من يدرس فلسفة الأخلاق وسلوك من لا يدرسها. في الحقيقة، أجرى “شفيتزجيبل” دراسة أخرى وثقها في ورقة بحثية بعنوان “هل يسرق علماء الأخلاق المزيد من الكتب؟”. أشارت نتائج بحثه إلى أن احتمال اختفاء كتب الأخلاق من مكتبات الجامعات يزيد بمقدار الضعف عن احتمال اختفاء غيرها من أنواع الكتب. مما يظهر أن سلوك دارسي فلسفة الأخلاق قد يكون أسوأ من سلوك الطلاب الآخرين على الصعيد الأخلاقي!

إذا كان من المفترض أن تساعدنا دراسة فلسفة الأخلاق على تحسين سلوكنا الأخلاقي -كما أكد أرسطو- فإن كل ما تحدثنا عنه حتى الآن يشير إلى أن الطريقة التي تدرس بها فلسفة الأخلاق ليست فعالة كما ينبغي لها أن تكون.

في نهاية بحثهم الأصلي، حدد “شفيتزجيبل” و”راست” مخاوفهما بالنص الآتي:

“بودنا الاعتقاد أنه بمقدور التفكير الأخلاقي والأخلاق الفلسفية، إذا ما طُبّقا بشكلٍ جيد، أن يؤثرا على سلوك الفرد بصورة إيجابية. ويمكن لهما أن يكونا قيّمين بسبب ميلهما لتوجيه الأشخاص الذين يجسدون الخير. أما إذا كشف الاستقصاء التجريبي في نهاية الأمر أن التفكير الأخلاقي الفلسفي جامد بذاته أو حتى أنه ذو ضرر، فسيتعين على الكثير منا إعادة التفكير في افتراضاتنا حول علم النفس الأخلاقي والتعليم الأخلاقي ودور التفكير في الحياة الجيدة أخلاقيًّا.”

لا يقصد “شفيتزجيبل” و”راست” أن فلسفة الأخلاق غير ذات جدوى. بل يقترحان إعادة تقييم طريقة تدريسها ودراستها.

هل بمقدور فلسفة الأخلاق مساعدتنا على أن نكون أكثر صلاحًا؟

“إن شراءك للطماطم من أي بقالة يعني أنك تدعم عن غير قصد المبيدات السامة، وتستغل العمالة، وتساهم في الاحتباس الحراري. يعتقد البشر أنهم يتخذون قرارًا واحدًا، لكنهم في حقيقة الأمر يتخذون العشرات دون أن يدركوا ذلك.”

مايكل من سلسلة The Good Place.

يجب أن تكون فلسفة الأخلاق واحدة من أهم المجالات التي قد يدرسها أي إنسان. وكما يوضح مايكل في الاقتباس السابق، فإن العولمة والتصنيع والرأسمالية عوامل من بين عدة عوامل أخرى تجعل العالم في حالة لا يقين أخلاقي. إنه تحدٍّ للجميع، أن يحمل الشخص أعباء التداعيات الأخلاقية لأفعاله بناء على تأثيرها. مع ذلك، فهذا أمرٌ يريد كل شخصٍ يملك ضميرًا أن يكون قادرًا على فعله بصورة حسنة.

برأيي، إذا أردنا لفلسفة الأخلاق أن تكون فعالة في مساعدتنا على أن نكون أكثر صلاحًا، فينبغي لها أن تنطلق بهذا النوع من التحديات. أي يجب عليها أن تعلّمنا ما يتعلق بآثار القضايا الحقيقية بالتفصيل. بحيث تكون معتقداتنا وأفعالنا الأخلاقية مستنيرة بمعارف جوهرية ومناسبة.

لقد أمضيت ثماني سنوات من مسيرتي المهنية كمدرس للفلسفة وثلاث سنوات في دراستها للحصول على درجة علمية. قبل أن يتضح لي، بِناءً على تجربتي الشخصية وعلى تجارب الآخرين، أن مناهج علم الأخلاق تميل إلى البدء بملخصات نظرية. حيث تطرح في هذه الملخصات أسئلة عامة حول ماهية الأخلاق، وحول الطريقة التي نميز بها الخير من الشر. كما أنها تثير تجارب فكرية لا يمكن أن تحدث في واقعنا. بعد الملخص تقدم مناهج علم الأخلاق النظريات الأخلاقية التاريخية والتي لا يعيش وفقها أحد بشكل مباشر اليوم. وغالبًا ما تقدَّم تلك النظريات دون أي إشارة إلى سياقها التاريخي. بعد ذلك تطلب المناهج من التلاميذ أن يشرحوا كيف تستخدم هذه النظريات التاريخية للرد على السيناريوهات الفكرية المثارة. بمقدورنا أن نمتلك معرفة عن النظريات الأخلاقية وعن الفلاسفة الذين ابتدعوها. بالإضافة للعديد من المفردات التقنية لشرح المفاهيم الأخلاقية عندما نطبق هذه الطريقة. لكن يتوجب علينا أن نسأل: كيف سيساعدنا هذا على أن نكون أشخاصًا أصلح؟

تقسَّم فلسفة الأخلاق تقليديًّا لأربع فروع. الفرع الأول هو (الأخلاقيات الفوقية)، ويعنى بدراسة ماهية الأخلاق. والثاني هو (الأخلاقيات المعيارية)، ويعنى بتحديد أسباب وطرق تصرفاتنا. والثالث هو (الأخلاقيات الوصفية)، ويعنى بما يظنه الناس خيرًا وشرًّا. أما الفرع الأخير هو (الأخلاق التطبيقية)، الذي يعنى بتطبيق النظريات الأخلاقية. ويجد الطلاب الفرصة لدراسة القضايا المتصلة مباشرة بحياتهم فقط عند دراسة الأخلاقيات التطبيقية. ومع ذلك، فإن مستوى العمق الذي تغطى به هذه القضايا محدود؛ بسبب متطلبات دراسة الفروع الثلاثة الأخرى أيضًا. بالتالي، لا تكون المعرفة المكتسبة كبيرة بما يكفي لمعالجة تلك القضايا بشكل مناسب. زد على ذلك أن النظريات التي يتعلمها الطلاب للتطبيق، غالبًا ما تكون تاريخية. فهي على هذا النحو ستطبق بشكل أفضل ضمن سياقها التاريخي الخاص.

لم تتشكل النظريات الأخلاقية التاريخية (كالنفعية وأخلاقيات الموقف) بصورة معزولة، بل عكست معتقدات أنصارها في الرد على القضايا الأخلاقية المثارة في زمنهم. وكان المبتكران الأساسيان للفلسفة النفعية “جيريمي بينثام” (1748-1832) و”جون ستيوارت مل” (1806-1873) من النشطاء المتحمسين للإصلاح السياسي. وتحدثا في طليعة زمنهم عن قضايا حقوقية. كالحاجة للديمقراطية، مكافحة الاسترقاق، حق المرأة في الاقتراع. وحقوق الحيوان أيضًا. على وجه الخصوص، تحدى “مل” القانون في زمن أُعلن فيه أن النساء لا يحق لهن الاقتراع باعتبار أن أزواجهن يمثلونهن. تعارض النفعية -التي ترى أن أفعالنا يجب أن تزيد مجموع السعادة عند البشر- بوضوح القوانين من هذا الطراز. أما “جوزيف فليتشر” (1905-1991) -مؤسس أخلاقيات الموقف- فقد كان رائدًا في مجال أخلاقيات الطب الحيوي. وقادت أفكاره إلى نهج أكثر ليبرالية وأقل دوغمائية في القضايا الأخلاقية من قبيل الإجهاض ومعالجات الخصوبة. كانت نظرية أخلاقيات الموقف متجذرة في تعاليم المسيح. حيث شجعت الناس على التصرف بدافع الحب تجاه الآخرين، بدلًا من التصرف بطاعة عمياء للأوامر الأخلاقية.

مع ذلك: تُدرس النظريات الأخلاقية في الوسط الأكاديمي بصورة منعزلة قبل تطبيقها على قضايا لا تنطبق عليها أساسًا بشكل مفيد. لهذا السبب قلتُ أنه ما من أحدٍ تقريبًا يعيش وفق هذه النظريات في أيامنا. لكن ليس هنالك أساليب جديدة تحل محلها. غالبًا يكون للأسئلة المجردة البحتة أجوبة مجردة بحتة. لكن عندما نسأل بشكل معزول أسئلة مثل “كيف نعرف الخير من الشر؟” أو “كيف يتعين علينا أن نعيش؟”، فإنها تكون أسئلة مجردة. وعندما نجيب عليها بشكل معزول نحصل على أجوبة مجردة. نتيجة لذلك، فإن المناقشات الفلسفية التي تقارن بين حساب المتعة عند “بينثام” وبين حتمية “كانط” الفئوية، أو تلك التي تدور حول كون العبارات الأخلاقية أشياء واقعية أم مجرد تعبير عن الإيمان، غالبًا تكون مجرد نظريات بحتة لا تأثير لها على الحياة الواقعية. هكذا ينهي الطلاب دراستهم من غير أن يحصدوا أفكار أفضل مما لديهم. وقبل البدء بمعالجة التحديات الأخلاقية التي يجب عليهم مواجهتها.

ما الذي يجب تغييره؟

يتعين على فلسفة الأخلاق أن تمنح دارسيها الفرصة ليصبحوا أشخاصًا أصلح. لكنها حاليًا تفشل في ذلك على عدة أصعدة. يمكن لهذا أن يتغير. يمكن لفلسفة الأخلاق أن تستعيد سمعتها وتصبح مجالًا ذا قيمة جوهرية. لكي نحدث هذا التغيير، أقترح التغييرات الثلاثة التالية:

  1. يجب ألا يوجد فرق بين “الأخلاق” و”الأخلاقيات التطبيقية”. فلا يجب أن ننظر للأخلاقيات التطبيقية كفرع من فروع الأخلاق. بل يجب النظر إليهما باعتبارهما شيء واحد.
  2. يجب أن تبدأ دراسة الأخلاق بقضايا حياتيّة واقعيّة بدلًا من التجارب الفكرية الافتراضية أو التعريفات واسعة النطاق للغة الفلسفية أو النظريات الأخلاقية التاريخية. يجب أن ترتكز دراسة القضايا الأخلاقية الواقعية على مجموعة قوية من المعارف الحالية. بحيث يتمكن الطلاب من تطوير إدراك دقيق للآثار المترتبة على آرائهم وأفعالهم.

3. لا ينبغي دراسة النظريات الاخلاقية التاريخية بصورة معزولة. كما لا ينبغي تطبيقها بشكلٍ تعسفيٍّ على قضايا الحياة الواقعية. بل يجب تدريس هذه النظريات ضمن إطار سياقها التاريخي. علاوة على ذلك، يجب أن تستند معتقدات الطلاب الأخلاقية إلى استجاباتهم الشخصية للقضايا الأخلاقية في الحياة الواقعية حتى يكون لديهم الدافع للتصرف وفقًا لها.

المصدر

إعلان

فريق الإعداد

تدقيق لغوي: مريم حمدي

اترك تعليقا