العلم والفلسفة.. أيهما أهم؟

يدور نوع من الجدل بين صدى مطرقة العلم الصاعد بعد كل اكتشافٍ علميٍّ، وبين رجَّة الوعي المرافقة لكل قراءة فلسفية، ويُقال “الفلسفة أُمُّ العلوم” كما يُقال “العلم قتل الفلسفة”، ولكن، وبالرغم من اختلاف بعض الاعتبارات الجوهرية بين العلم والفلسفة.، نجدهم يشتركون باعتبارات عدَّة تفتح الطريق للمعرفة للانتقال من مرحلة لأُخرى تزيدها قيمةً وإدراكًا للحقائق، كما يؤكِّد كُل من العلم والفلسفة على أهمية المعرفة القصوى من أجل تحقيق مجتمع بشري مترابط ومتكامل بشكل أكبر.

نُعزي هذا المفهوم في البداية إلى فلسفة الفارابي، الفلسفة الإسلامية، والتي ليسَ بالضرورة أن تُعرَّف بشكلٍ حرفيٍّ على أنها قائمة على تفسير الدينِ الإسلاميِّ والنصِّ القرآني أو ما إلى ذلك، بل هي إشارة للعصر الذي وِلدت به هذه الفلسفة “الحضارة الإسلامية”، والتي ضمَّت العلماء والفلاسفة من كافة الانتماءات الدينية والفكرية، يقول الفيلسوف الفارابي في كتابه “الملة” الذي تناول به فلسفة الدين والمجتمع، بأن الدين، ويقصد به النظام هُنا، هو الجزء الإداري للمدينة الذي يتوجَّب به دعوة الفرد نحو السعادة والمعرفة دائمًا، وهذا ما يسيِّر المدينة والأمَّة بكاملها نحو الكمال، وكما يشترط على الرئيس الأول، أن يكون فاضلًا بطبعه، وهذا يعني أن يُمارس آراءه وأفعاله بما يخدم المعرفة والوصول للسعادة؛ نرى في هذا المقتضب من فلسفته أهمية مصطلح “المعرفة”، وهذا دلالة لتقديرها الكبير في الفلسفة منذ الإرث الأرسطي وحتى الفارابي ومن تلاه من فلاسفة الشرق والغرب اللاتيني، كما يرتبط مصطلح “المعرفة” في فلسفة الفارابي مع مفهوم السعادة والمدينة الفاضلة والكمال، والمعرفة “العلم كمصطلح حديث” هي النهج الوحيد القادر على الاستقراء الصحيح للكون والوجود والطبيعة، على خلاف الدين “حسب فلسفة الفارابي”.

ربّما هنا تتضح أولى ملامح الارتباط بين الفلسفة والعلم (٧)، ويعيدنا هذا لبناء النهج العلمي في القرن الثاني عشر-السادس عشر في الجامعات الغربية اللاتينية؛ حيث أثَّرت الفلسفة العربية وتقسيم العلم لدى الفارابي وابن رشد بشكل مباشر في بناء النهج الأكاديمي للجامعات اللاتينية، حيث مقالة “تقسيم العلوم” المنشورة من جامعة أكسفورد Oxford University تشرح تأثير الفلسفة العربية بالمنهج العلمي والمعرفي (٢)، كما أن أستاذ الفلسفة الألماني داغ نيكولاس هيسه قدَّم ورقةً بحثيةً بعنوان “Influence of Arabic and Islamic Philosophy on the Latin West” في موسوعة ستانفورد لتوضيح أهمية الفلسفة العربية في تقسيم العلوم وبناء النهج العلمي (٣).

لكن هناك رؤية متداولة في العصر الحديث عن مفهوم “سقوط الفلسفة”، وهي مجموعة شروحات تدعي عدم احتياج الفلسفة في العصر الحاليّ، وتأطيرها على أنها مادة متخصصة ومستقلة عن العلم، وهذا ما يقودها لمقارعة مع العلم، وإضافة إلى ذلك توضَع الفلسفة في خانة “اللاحاجة”؛ ويُبرَّر ذلك بأنها قدمت المهمة المطلوبة منها وانتهى الأمر، وما يجدر بنا الآن هو دعم المنهج العلمي كونه الوحيد الذي يقدم الحلول.

تقول سابرينا أي سميث، وهي أستاذة مساعدة في علوم الفلسفة بجامعة نيو هابنشر، أن علم الفلسفة يتناول القضايا التي لا يمكن حسمها بالحقائق وحدها، بل معتمدة على الاستقراء؛ أيّ جمع الملاحظات والأدلة للحصول على النتائج، والعلم يتبع هذا النهج بالتحديد […]، على سبيل المثال التجارب الفكرية الفلسفية لآلبرت آينشتاين جعلت مشروع كاسيني ممكن الحدوث، ومنطق أرسطو هو أساس علم الحاسوب الذي أنتج لنا تقنية الحاضر والهواتف المحمولة، وعمل الفلاسفة في ماهية العقل والجسد أنتج لنا علم النفس العصبي […] كما تُعزي السبب الأول لعدم إدراك أهمية الفلسفة في المنهج العلمي، وما يخص وجهة النظر التي تدعي عدم الحاجة للفلسفة بعد الآن، هو قلَّة الوعي التاريخي لدى الطلاب الجامعيين، حيث بعض الموضوعات المتناولة اليوم كموضعات علمية، كانت تحت مسميات مختلفة في التاريخ، وكما أن هذا بالتاريخ ما أسَّس لظهورها في الساحة العلمية؛ الفيزياء على سبيل المثال كانت تسمى فلسفة الطبيعة، والموسيقى كانت قلب فلسفة الرياضيات (١) (مع ذكر أن الفارابي في كتابه “علم الموسيقى” وضَّح هذا الارتباط بين الرياضيات والموسيقى)، ويعود أحد أهم الأسباب هي النظرة الاستباقية للنتائج دون الأخذ بعين الاعتبار النهج المُتّبَع للوصول لهذه النتائج، كون العلم هو من يقدِّم البراهين والتقنية بشكل مُباشر وهذا ما يجعله يتخذ الأولية (حسب رأي معارضي الفلسفة) لإيجاد الحلول في الثقافات المختلفة، ولكن من صورة أكثر اتساعًا من مفهوم “النتيجة” بل نظرة من مفهوم “كيف وصل العلم لتلك النتيجة؟” سوف نجد دور الفلسفة الهام في ذلك، وخاصة تاريخيًا بما يخص تقسيم وتأسيس العلوم.

إعلان

ويقع الاختلاف غالبًا، بهذه الرؤية، بالتعريف المغلوط للفلسفة بذاتها، حيث أنها لم تُبنَى لتقديم الحلول بل للوصول للحلول عند طريق الاستقراء؛ وهذا يتفرع لكل مجالات العلوم مثل الرياضيات والطبيعة والموسيقى والفيزياء وعلم النفس والعلوم السياسية والاجتماعية، إذًا الفلسفة هي “ما لا نعرف” والعلم هو “ما نعرف” كما قال الفيلسوف برتراند راسل؛ وهنا أُعزي شرح أهمية اللامعرفة للوصول للمعرفة إلى أستاذة الفلسفة في جامعة باريس “جوديث ريڤال” في كتابها “معجم ميشيل فوكو/ قسم العقل واللاعقلانية” (٥)، حيث يشير الفيلسوف ميشيل فوكو لأهمية النقيض دائمًا، وإن أخذنا العلم كمثال نعلم أنه وليد الجهل بشكل غير مُباشر؛ لولا الشعور بالجهل لأن الفرضية الدينية الخلقية لامنطقية لما بحث ريتشارد داروين في أصل الأنواع بحثًا فلسفيًا في البداية ومن ثمَّ صاغ أولى صور نظرية التطور، التي تعتبر اليوم حقيقة علمية، وعلى هذا المنوال نستطيع وزن كل النظريات العلمية التي بدأت من الجهل والتساؤل واللجوء للنهج الفلسفي من أجل الاستقراء المنطقي لحين الوصول للمعرفة/ البرهان فأصبحت الفلسفة “ما نعرف” أيّ “علم”.

وفي تعريف الفلسفة هي (مشتقة من اللفظ اليوناني φιλοσοφία فيلوسوفيا، وتعني حرفيًا “حب الحكمة”) (٤)، وهذا ما يشير لاعتبار مهم وهو أهمية الحكمة في التفكير كقيمة عُليا، لهذا غالبًا ما يصعب انطواء الفلسفة تحت راية الوهم الجمعي أو الاعتقاد الراسخ بل هي مُطلقة التفكير لملاحقة الحكمة، على عكس العلم المحدود بالبرهنة والرياضيات والمعادلات والأوراق البحثية، لأنه محكوم بالمعرفة “ما نعرف” أيّ بالمعطيات الواردة لدينا فقط، وهذا ما يجعله يحتاج لطريق خارج حدوده المعرفية للاستمرار نحو مرحلة أكبر من المعرفة؛ الفلسفة هنا تلعب دورها في نقاش هذه المسألة، ولهذا في العصر الحديث تعتبر الفلسفة شبه صفة في الفرد والعقل العلمي تسمح له باتخاذ نهج أفضل بالاستقراء، وهذا ما يؤهلها كاعتبار مركزي في المنهج العلمي الأكاديمي (٦) سواء كان ذلك بطريقة مباشرة معترف بها أو بطريقة غير مباشرة.

بهذه النقطة بالتحديد تُعرَّف الفلسفة كطريقة تفكير للفرد أكثر من كونها مدرسة مستقلة بذاتها، وكون الفلسفة تتناول القِيَم والوجود والأنطولوجيا والأبستمولوجيا والميتافيزيقيا […] نستطيع اعتبارها في مرحلة محرَّرة في التفكير وتفهم الذات والكون لحد إمساك رأس الخيط من العلم وإكماله النهج بشكل أكاديمي لحيث الوصول للمعرفة، وهنا يتضح أن السؤال المطروح “العلم والفلسفة ، أيهما أهم؟” هو سؤال مغلوط لحد ما، العلم والفلسفة في تراتبية واحدة وغالبًا ما نسمع بجملة “الفلسفة أُمّ العلوم” التي تدل على هذه التراتبية، ويختلف كل منهما في تعريفه واعتباراته ولا يقل أو يزيد أحدهما عن الآخر من حيث الأهمية في إدراك المعرفة.

وبعيدًا عن مقارنة العلم والفلسفة فقط، تكوّن الفلسفة غاية منفصلة في فهم الوجود والنفس والمجتمع، نُشر في مراجعة كتاب “الفلسفة كتهذيب إنساني” لبرنارد ويليمز، مدرِّس الفلسفة في جامعة أكسفورد وجامعة كالفورنيا (٨) في مجلة The Threepenny Review، أن الفلسفة أصبحت موضوعًا شائكًا وواسعًا، ويشعر بالأسف لاعتبارها من قبل الطلاب الجامعيين أنها مادة مستقلة ومتخصصة، إذا يعتقد أن الفلسفة يجب إلى حدّ ما أن تكون جزءًا من محاولة خلق معنى أفضل للحياة وأنشطتنا العقلية وغير متخصصة ومستقلة عن ذلك، وأيضًا لأن الفلسفة (حسب نظرة برنارد ويليمز) جزءٌ مهم في التفكير الكامل بجميع المناحي، فلا يجب أن تكون متخصصةً أو منفصلةً عن النهج العلمي والحياتي والتفكير الشامل، بل هي طريقة حياة وتفلسف لا غنى عنها، كما أنها تسمح للإنسان بعدم التأطير والاحتكام لاعتبار معيّن بل يسعى دائمًا للتنقيح والتحليل لكل شيء.

المراجع:
"1" Why philosophy is so important in science education
"2" http://www.oxfordscholarship.com/mobile/view/10.1093/acprof:osobl/9780199653782.001.0026-chapter-9780199653782-01/acprof
"3" Influence of Arabic and Islamic Philosophy on the Latin West
"4" https://biblehub.com/greek/5385.htm
"5" معجم ميشيل فوكو مدخل نحو فلسفته
"6" - Is a Philosophy Degree Useful
"7" Al-Farabi's Philosophy of Society and Religion
"8" الغاية من الفلسفة

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مجد حرب

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

اترك تعليقا