العلم الكئيب: قراءة في كتاب “مقال حول مبادئ السكان” لتوماس مالتوس

سلسلة أشهر الكتب الاقتصادية : " An Essay on The Principle of Population"


“مقال حول مبادئ السكان” لتوماس مالتوس هو الكتاب الثاني في سلسلة المراجعات الأسبوعية التي  بدأتها في مقالي السابق. ولقد اخترت هذا الكتاب لثلاثة أسباب، هذا إلى جانب أهميته القصوى في تاريخ الاقتصاد والفكر العالمي. واعترفُ أنَّ أسلوبي في اختيار الكتب يعتمد على ذائقتي الشخصية التي تتجاوز حدود الترتيب الزمني وربما درجة الأهمية، هذا مع إقراري بأهمية الأسباب الموضوعية عند اختيار كتاب للمراجعة.

أسباب اختيار الكتاب

يتمثل السبب الأوَّل -وفيه بعض الطرافة- في أنَّ هذا الكتاب كان سببًا في وصم علم الاقتصاد للأبد بأنَّه “العلم الكئيب”. وقد أطلق هذه التسمية “العلم الكئيب dismal science” المؤرِّخ توماس كارليل عندما قرأ كتاب مالتوس ، وعاين ذلك المستقبل المظلم الذي ينتظر البشرية إذا استمَّرت معدلات الزيادة السكانية في تصاعدها دون رادع.  أما السبب الثاني فـ لأنَّه كتاب يسبح ضد التيار السائد في زمانه والذي كان يرى مفكِّروه أنَّ الإنجاب نعمة وأنَّ الخالق أمدَّ الإنسان والطبيعة بما يكفي من وسائل العيش ولكلِّ إنسان رزقه وأنَّ البشرية تتقدَّم بهذه الأدوات إلى مستقبل وردي. ويتمثَّل السبب الثالث في تأثير هذا الكتاب على تشارلز داروين حيث إنَّ فكرة الصراع من أجل البقاء التي لفت إليها توماس مالتوس الأبصار قد ساعدت داروين في تصوُّره للآلية (الانتخاب الطبيعي ) التي تسمح للأنواع بالتكيُّف والنمو.

تاريخ النشر وموضوع الكتاب

نُشر هذا كتاب “مقال حول مبادئ السكان” لأوَّل مرة في عام 1798 دون الإعلان عن اسم المؤلِّف، لكن سرعان ما تمَّ الكشف عنه، وهو توماس روبرت مالتوس. ولقد تنبَّأ الكتاب بمستقبل قاتم للبشرية فعدد السكان سيزداد بمتوالية هندسية، ويتضاعف كل 25 عامًا، أما معدَّل إنتاج الطعام فيزداد بمتوالية حسابية، مما يفضي في النهاية إلى المجاعات والفقر، هذا إذا لم يتم السيطرة على معدَّلات الإنجاب. وخلال الفترة من 1798 الى 1826 نشر مالتوس ست طبعات من كتابه هذا، وأدرج في كلِّ طبعة مواد جديدة لمواجهة الانتقادات التي وجِّهت له، ولقد قام توماس مالثوس بتأليفه بعد مناقشات مطوَّلة بينه من ناحية، وأبيه المفكِّر والمؤلِّف دانيال مالثوس والفيلسوف روسو من ناحية أخرى، وردًّا على الكتابات التفاؤلية بمستقبل البشرية وانتصار العقل للمصلحَيْن الاجتماعيين ويليام جودوين (1756-1836) وماركيز دي كوندورشيه (1743-1794).

لغة “مقال حول مبادئ السكان”

اقتربت لغة الكتاب -ويضم 19 فصلًا-  بشدَّة من لغة الأدب والبلاغة حيث لم يكن الأسلوب العلمي في الكتابة هو الأسلوب المستخدم في كتابة الاقتصاد في ذلك الوقت، هذا إلى جانب أنَّ مالتوس نفسه لم يكن اقتصاديًا مثل صديقه دافيد ريكاردو بل كان قسيسًا إنجيليًا، ومفكِّرًا يحاول إصلاح العالم.

ولقد استهَّل مالتوس كتابه مشيرًا بسخرية لطيفة إلى عدم شكِّه في مواهب رجال أفذاذ مثل جودون، وكوندرشيه Concdorcet، وقال إنَّه اطلَّع -وبسرور شديد- على آرائهما حول سبل الوصول بالإنسان والمجتمع إلى حدِّ الكمال، ولقد ابتهجت بالصورة البهيجة التي رسماها”· وأضاف أنَّه “يرى صعوبات شديدة لا تقهر أمام كل الأفكار التي ذكراها”.

إعلان

فرضية مالتوس الأساسية

الاقتصاد

حاول مالتوس أن يصيغ فرضياته بشكلٍ رياضي، فافترض أنَّ الطعام يزيد كل 52 عاما بمتوالية حسابية (من 1 إلى 2 إلى 3 إلى 4 إلى 5 إلى 6 وهكذا) أما السكان فيزيدون – إذا لم تكن هناك عوائق تمنع الزيادة – بمتوالية هندسية (1، 2، 3، 4، 8، 61، 23·· وهكذا)، مفترضًا أنَّ كلَّ زوجٍ وزوجةٍ سينجبان 4 أبناء يظلُّون على قيد الحياة. ووفق هذه النسب، فإنَّه في غضون قرنين تصبح نسبة (عدد السكان) إلى الإنتاج من الطعام نحو 52 إلى 9 . وفي غضون ثلاثة قرون 690 الى 31 ، وخلال ألفي سنة يصبح الفارق فلكيًا. ويعني هذا ببساطة أنَّه كلَّما زاد إنتاج الطعام وتحقَّق على أثره رخاء، فسرعان ما يؤدي تزايد السكان إلى التهام هذا الرخاء، وطالما كانت خصوبة الأرض محدودة و الشهوة الجنسية موجودة فلا سبيل إلى وقف النمو السكاني.

السياسة : الرد على الاناركية

وحول الطرح الطوباوي لجودين بالاستغناء عن الحكومة، قال مالتوس إنَّه إذا اختفت الحكومة وسادت الحريات في العلاقات البشرية دون ضابطٍ أو قانون، وتزايدت أعداد المواليد، نتيجة للحريَّة الجنسية غير المحدودة، بمعدَّلات أكبر بكثير من زيادة الموارد دخل الناس في صراع دموي فيما بينهم ليؤمِّنوا وسائل عيشهم، وسادت الفوضى وغاب الأمن. ويصبح الحل الوحيد هو إعادة الحكومة لإقامة النظام و تأمين الأسواق وتشجيع القطاع الخاص.

توصيات مالتوس

خلص مالتوس من هذا التحليل الكئيب الذي أورده في كتابه مقال حول مبادئ السكان بنتائج جريئة منها :
أوَّلًا، لا داعي لزيادة أجور العمال لأنَّه إن زادت أجورهم تزوَّجوا مبكِّرًا وأنجبوا مزيدًا مـن الأطفال مما سيؤدِّي إلى زيادة السكان زيادة تفوق الزيادة المتاحة في الطعام فيعود الفقر من جديد.

ثانيًا: لا داعي لزيادة الضرائب المخصَّصة للإنفاق على العاطلين (علاوات البطالة) فهذا يشجِّع على الكسل والمزيد من الجنس، ومن ثم زيادة أعدد أفراد الأسرة بسرعة أكبر من معدَّل إنتاج الطعام، ويخلق هذا تنافسًا حادًا بين الناس حيث سيرفع البائعون أسعار بضائعهم.

وحول سبل الحد من النمو السكاني اقترح مالتوس

وضع بعض المعوِّقات امام إقبال الناس على الزواج المبكِّر  بهدف تخفيض نسبة المواليد مثل عدم الزواج إلَّا في حالة كفاية إمكانات الراغب في الزواج لإعالة الأبناء بشكلٍ لائق، وعلى الناس تعلُّم كيف يكبحون شهواتهم قبل الزواج وبعده. ولا بدَّ أن تتسِّم الفترة الواقعة بين سن البلوغ والزواج، بالعفة والتزام الفضيلة. وخلال الزواج يجب منع الحمل من فترة لأخرى بالطرق المعروفة آنذاك. وحذَّر مالتوس أنه في حالة عدم الالتزام بهذه التدابير، فـ على البشرية أن تجهِّز نفسها لمقدمة من المجاعات والأوبئة والحروب التي تقلِّص عدد السكان.

نقد كتاب مالتوس

ربما يكون الانتقاد الرئيسي الذي يمكن توجيهه إلى توماس مالتوس ونظرياته هو عجزه عن إدراك حجم دور العلم والتكنولوجيا ومدى التقدُّم الهائل الذي سيحدث في مجال الزراعة وإنتاج الطعام، ذلك التقدم الذي يهدم تلك العلاقات الطردية التي طرحها بين السكان واليد العاملة والغذاء. الآن يمكن مثلًا لجرَّار أو آلة حصد القيام بعمل 500 عامل وإنتاج ما يكفيهم وزيادة، وباتت الأسمدة والمواد الكيميائية والأنواع المختلفة من الزراعات قادرة على إنتاج غلة كبيرة محاصيل بحجم فلكي لدرجة أن بعض الدول تقوم بإلقائها في البحر حتى لا تخفض أسعاره.

على سبيل المثال، في الولايات المتحدَّة الأمريكية تضاعف عدد السكان عدة مرات منذ سنة 1800، ومع ذلك زاد الإنتاج الزراعي عن الحاجة وتبقَّى فائض وفير للتصدير. وعلى العكس مما قاله مالتوس أدى ارتفاع الأجور إلى انخفاض نسبة المواليد حيث لوحظ انخفاض أعداد الأطفال في الأسر ذات الدخل المرتفع والتي تفضِّل استثمار المزيد من جهدها ووقتها في طفل او اثنين، ولم تعد المشكلة نقص البذور أو الحقول، وإنما نقص الطاقة غير البشرية (الآلات) لاستخدامها في الزراعة والصناعة.

تعليق ختامي

لم يعد الأمن الغذائي في الوقت الحالي يمثِّل مشكلةً كبيرة بالصورة التي كنا نراها في العصور السابقة على الرغم من ارتفاع إجمالي أعداد السكان في هذا العالم إلى المليارات من البشر، فليس المهم عدد الأفراد، ولكن المهم قدرتهم على استخدام الموارد وتعظيم الاستفادة منها باستخدام العلم والتكنولوجيا.

ومع ذلك هناك فترات في حياة الشعوب يجب فيها أخذ مخاوف مالثوس في عين الاعتبار بشكل جدي، مع الإيمان بمقدرة العلم والتكنولوجيا على حلِّ كافة الأزمات.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سمير الشناوي

تدقيق لغوي: ندى حمدي

اترك تعليقا