هوية طرائد الشرق وكآبته

نوستاليجيا، أفتح دفاتري القديمة كل يوم، وأذهب لزيارة أبي في المقابر، وأستهلك ذاتي على التذكر والتخييل لكل من غاب بموته أو غاب لبعاده.. لا أعرف هل تاريخي في التخيل من تاريخ الشعر أم من تاريخ الشرق؟

 الشرق حمّل الحزن دوما حِمل الذي جعله يحيا في التخييل مثلي ويؤسس التخييل القديم.

الشرق
العمل لـ السعيد عبدالغني بعنوان” كآبة الشرق”

ولكن هل تخلصت من كآبة الشرق وسِحر كآبته، من الرغبة في الانسلاخ أكثر والرغبة في العري بالكتابة أو الرسم أو الوقوف أمام المرايا؟

الهوية المجهولة لجنس طاقة المكان، أو هوية الغامض الشرقي الذي يحمل الكثير من البدء وأنواعه سواء الإبراهيمي أو غيره مِن الحضارة المصرية القديمة والحضارة السومرية والبابلية وهذه الأرض لها طاقة نبوية.

من النص الأول الذي بدأ بإينوما إيليش في الحضارة العراقية القديمة “هناك في الأعالي لم يكن هناك سماء.. وفي الأسفل لم يكن هناك أرض” شعرية الخراب وحزنه الأول.

إعلان

طاقة الشرق الغامضة والخيال

أحب زيارة الأماكن الجنائزية والخَرِبة دوما، تتواصل معي بشكل من الأشكال أكثر من المعماريات الملونة. ربما يتزامن الداخل مع الخارج.

 وأشعر دوما أن للمهجور والخرِب طاقة شعرية، لهذا أزور المدافن ليلا بعد الثانية عشر وأقضي حتى الفجر أنظر للسماء على مقبرة ضمت دنيا كاملة لي.

الخراب في السينما

تاركوفسكي في”stalker” أبدع في الخراب بُعد السكون الذي أدرِكه، نقل الغامض بمعلوم، ونقل هذه المساحة. كنت أظنني دوما مشاهِدًا في هذه الأماكن، وهي الأماكن الوحيدة التي لا أتخيل فيه لا إراديا تركيبات متشابكة.

وشادي عبدالسلام في المومياء أظهر هذه الطاقة في الكادرات، ورضوان الكاشف في عرق البلح.

لم الخراب مطوّق؟

في البدء كان الخراب كما في الميثولوجيات من نصوص إينوما إيليش للحضارة الصينية واليابانية.. إلخ. ويظهر ذلك في أساطير التكوين في الميثولوجيات.

ربما لأن الخرِب المدَمر، والبعيد دوما يكتنز أكثر، الوجود البعيد هو وجود متوق، فأنا لا أحب الطبيعة وأنا فيها، أحب السماء أكثر.

 أحب الصحراء كذلك لأن الفراغ شكل من أشكال الخراب الأولي، البعيد لأنه يسمح بالتصور أكثر.

 كونه لم يتعين لذلك الآلهه فارقت الحيز المكاني، التشبيه، التماثل ..الخ.

أساطير التكوين وجنس البدء

ومادتنا هنا عن نوع من الأسطورة وهو” أسطورة التكوين” لكونه له علاقة بالمورد للتصور عن المطلق والشكل للدين ينبثق منه بعد ذلك وهي “التي تبحث وتصور عملية خلق الكون، مثل أسطورة خلق الكون التي تثبت الاعتقاد بوحدة الحياة لأن الفكر الأسطوري آبٍ أن يسلّم بفناء الإنسان، وهو ينكر ظاهرة الموت”.

الحضارة السومرية

1.في الحضارة السومرية ملحمة إينوما إيليش في النص:

“عندما في الأعالي لم يكن هناك سماء.. وفي الأسفل لم يكن هناك أرض.”

وهنا في التصور يُنتِج معرفيا شبيه التأسيس المعماري كبدء حوله وهو الفراغ بدون تفاصيل أو منطقيات.

فالفراغ هو ما يتم ملؤه أي الأول حيزًا.

الهندوسية

2. وفي الهندوسية، أنشودة ريويدا أقدس الكتب الهندوسية وأقدمها

“لم يكن إذ ذاك شيء لا الوجود ولا العدم، لا الهواء ولا السماء

وما ذا كان يغشى الكل؟ وعلى ماذا كان يستقر الكل؟

لم يكن هناك شيء إلا لجة عظيمة متلاطمة من الماء.

لم يكن الموت، ولا عدم الموت، ولا كان الليل ولا النهار.

كان الواحد الوحيد، وحده إذ ذاك، يتنفس بهدوء، مدعما نفسه بنفسه، ولم يوجد شيء غيره ولا وراءه”

المصرية القديمة

3. وفي المصرية القديمة “يقال إنه عند بوابة معبد تاييس في روما كان ينتصب تمثال لامرأة منتقبة من رأسها حتى أخمص قدميها، تحمل بين يديها لوحا نُقش عليه “أنا إيزيس ذات الجلال… تلك التي كانت وما زالت وستبقى إلى الأبد… تلك التي لا يكشف نقابها حيٌّ…”.

وفي المصرية القديمة مفهوم الحجاب، النقاب، أي الغموض المفتوح الذي لا يستطيع معرفته أحد والذي تشترك فيه الصوفية الإسلامية من مفهوم الاحتجاب وكثرة الاستخدام لهذا التكوين.

نلاحظ في تكرار البدء أن التصور الإنساني كان مشتركا في الفراغ أو العدم أو الفوضى ولم يكونوا بهذه الدلالات الآنية في الفلسفة المجردة بل هي مفاهيم عن الفراغ.

المسيحية والبدء

وفي المسيحية “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.” [1]

والكلمة هنا تؤوَل إلى المسيح أو أحيانا إلى اللغة نفسها التي منذ تكونها أصبحت شِعرا ويظهر ذلك في كل النصوص القديمة والتي في التأويل الأول تعادل الله وفي التأويل الثاني تُظهِر أهمية اللغة الشِعرية حيزًا غامضًا وحيزًا عمليًا “في اعتبارات الخلق الخاصة بمعظم الديانات الكبرى، تظهر الكلمة عادة متحالفة مع الخالق أو الصانع. للكلمة قوى صوفية معينة تؤثر على كل شيء وترفعه منذ البداية إلى المكانة الأسمى.” [2]

تطور البدء

وتطور المفهوم كثيرا في الأديان جميعها مما بقي منها، وهذا التطور يمكن أن يكون

 أولا: من المزج الفلسفي وأعني بالفلسفي “الشكل الحر للدين الذي يرتكز على الفكر الذاتي والعقلانية والبصيرة الحرة”[3]

ثانيا: بصفته لاهوتًا فلسفيًا “حول شروط إمكانية التفكير في الله. إنه أساس التحليل العقلاني البحت عن السؤال عن كيفية تصور الله، إذا كان موجودًا. أسئلة حول الكمال، والقدرة المطلقة، والصلابة، وما إلى ذلك من الله..” [4]

ثالثا: فلسفة الوحي التأملية التي تسعى للوصول إلى المحتوى الإيماني للدين من خلال البصيرة والتجربة التأملية. [5]

الانسلاخ

ويتحدد جزء من الهوية الشخصية بتحديد جزء من هوية العالم وبدئه ومفهوم الانسلاخ الذي لا يُوجد إلا فنيا فقط.

فقد ترى رأس حيوان على جسد إنسان، وقد ترى رأس إنسان على جسد سمكة.

هذا نوع من الفن يُسمَى فن “الانسلاخ/ أو التحول”، هذا نوع من الحجاب والعري، هذا نوع من الهُوية المتطورة.

الشعر له حيز كبير في المذاهب الفنية فالمجاز الذي يجعل الشاعر يتحدث باسم أي شيء هو ما يمكن أن يسمى فنا انسلاخيا بصريا، تغير ضمائر المتكلم، الحلول، التقمص.. إلخ.

وكذلك في الحس الفني من دلالات بدائية في التفكير الشعري في العالم أو الشعر في الفن بشكل تنظيري وواضح كما في السريالية التي كان مؤسِسها شاعر وهو أندري بريتون.

 واستخدام قصائد وتحويلها إلى أعمال فنية كالكوميديا الإلهية لدانتي، أو كتاب التحولات لأوفيد.. إلخ.

الانسلاخ في الحضارات القديمة

تجد لوحات كثيرة أو منحوتات أو جداريات منذ الحضارات الأولى مصر القديمة أو البابلية عليها كائنات نصفها إنسان ونصفها حيوان أو تحوي ملامح كائنين متفرقين بالطبيعة.

ويعبر عن ذلك بالانسلاخ أو التحول لكن لم يتم التنظير له حتى ظهرت كتابات أوفيد الشعرية “التحولات”.

 وهو كتاب شعري مكتوب باللاتيني في القرن الأول قبل الميلاد.

والذي توجد تناصات معه بعد ذلك كثيرة جدا فاعتُبر مرجعًا وكان بعد الكتاب المقدس من حيث الكم التناصي.

التحول/ الانسلاخ كمفهوم ومصطلح

مصطلح “التحول/الانسلاخ” يشير بيولوجيًا إلى تغيير كامل في الشكل المادي، ولأن الفن أداته البصري فيتم التغيير في صفات وملامح كائن ما.

الشرق
العمل لـ السعيد عبدالغني بعنوان الانسلاخ

على الرغم من أنه يصف أيضًا تغييرًا بوسائل خارقة للطبيعة ولم يقتصر على البصري فقط بل أيضا الذات وتطوراتها أو معانيها أو مزاجياتها، يرتبط بالتحولات النفسية الذاتية للهوية والسؤال عنها.

الانسلاخ النفسي والعقلي والفكري

ولا يقتصر الانسلاخ حديثا على الشكل الفني، بل على المظهر من آلات تجميلية أو مفهوم القناع الذي يظهر في المجتمعات المغلقة فيرتدي الأشخاص الأقنعة التي من الممكن أن تأكل وجهه الأصلي بعد ذلك.

 أو مفهوم الحجاب وعدم العري أمام أي أحد ولا حتى أمام الذات وحدها، فتخبيء الذات جوهرها طوال حياتها.

فالانسلاخ النفسي أو العقلي أو الفكري هو ظاهرة صحية تدل على الحركة الجوانية وعدم الجمود أو الثبات.

وليس ذلك فقط بل أيضا الاستمتاع بنشوات ذاتية أكثر، وذلك من كثرة التجارب فهذه الانسلاخات هي تغييرات في طريقة التفكير التي ترى ويتم إدراك بها العالم.

أدوات الانسلاخ اليومية

مِن أدوات الانسلاخ اليومية المرايا، القصائد، الأعمال الأدبية التي تسمح لنا أن نعيش غيرنا بالشكل الكامل أو الجزئي.

حركات الكاميرا مثلا، تقريبها أو إبعادها، السينما التي نعجز عن تحقيقها في الواقع، الكثير مما نعيشه في مخيلاتنا.

بدلا من الاستعمالات والرموز اللغوية الانسلاخ هو المعادِل لهما في الفن، إخفاء معنى وكيان في معنى وكيان آخر.

  • الأعمال الفنية المرفقة للكاتب

المراجع:

  1. (إنجيل يوحنا 1: 1)
  2. https://cutt.ly/QCf0pkJ
  3. THE CONCEPT OF GOD, THE ORIGIN OF THE WORLD, AND THE IMAGE OF THE HUMAN IN THE WORLD RELIGIONS Editedby PETER KOSLOWSKI
  4.  Ibid
  5. f. P. Koslowski, Philosophien der Offenbarung: Antiker Gnostizismus, Franz von

Baader, Schelling (Padcrborn: Schoningh, 2001).

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: السعيد عبد الغني

تدقيق لغوي: رنا داود

اترك تعليقا