تأخذك إلى أعماق الفكر

هل انتهى دور الشرع؟

نقد كتاب (الدين والتدين)

توجد ثلاثة مواقف تجاه تطبيق الشريعة الإسلامية:

  1. النصية:

وهو موقف يَعتبر الأحكام الشرعية ثابتة ودائمة ولا يجوز تغييرها إطلاقًا، وأنه لا اجتهاد مع النص؛ أي أن نجتهد ونبحث لاستنباط أحكام فيما لم يَرِد فيه نص فقط، أما ما ورد فيه نص فلا مجال للاجتهاد والبحث بل المسألة ببساطة: ربٌ يأمر وعبدٌ يطيع وأن الغرض من التشريع هو اختبار الطاعة.

  1. المقاصدية:

يقسِّم التيار المقاصدي الشريعة إلى عبادات ومعاملات، فأما العبادات فهي طقوس رمزية غير معقولة المعنى، كمناسك الحج وهيئة الصلاة، وبالتالي فهي ثابتة ولا تتغير. أما أحكام المعاملات، فهي تستهدف مصالح العباد وبالتالي فهي معقولة المعنى، منطقية ومعللة، والقاعدة: “الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا”، و” تتغير الأحكام بتغير موجباتها”، لذلك فأحكام المعاملات قابلة للتغيير، ليس لأنها أحكام غير صحيحة أو يوجد أفضل منها، وليس نسخًا للحكم ولا تبديله، بل لتغير محل الحكم، أي أن الشروط التي يُطبق عندها الحكم لم تتوفر، وتطبيق الحكم في غير محله لا يسمح له بتحقيق مقصده.

  1. التاريخية:

يتفق هذا التيار مع التيار المقاصدي في أن أحكام الشرع قابلة للتغيير، وأنها تدور مع مصلحة العباد، لكنه يفارقه بعد ذلك ويرى أن أحكام الشرع نزلت لعصر النبي وبيئته فقط، وبالتالي فدورها ينتهي بوفاة النبي، وبعد ذلك كان على العقل المسلم أن يطوي صفحة النص ليعيد البحث من جديد بعقله ويحكم بما يراه المجتمع صالحًا لزمنه وبيئته. لكن للأسف نشأت المنظومة الفقهية التي حجَّرت الفكر وقيَّدته بعصر التنزيل، وهذه المنظومة بمثابة دين جديد ظهر بعد وفاة النبي، دين قائم على الكهنوت وتسلط الفقهاء وتدخلهم في حياة البشر، وقائم على النصية والحرفية، يريد أن يعيدنا دائمًا لعصر التنزيل، والواجب علينا نسف كل هذه المنظومة والتحرر من النص.

ونحن نتبنى التيار المقاصدي، وفي هذا المقال نحلل تيار التاريخية، ونجد كتاب (الدين والتدين) للدكتور عبد الجواد ياسين أحد أقيم الكتب التي يستشهد بها تيار التاريخية، لذا فنفهم التاريخية ونقف عند أدلتها وننتقد مضمونها.


أولًا: عرض الكتاب

بدايةً يجب التفريق بين الدين والتدين؛ فالدين هو الجانب المقدس، الثابت، المطلق والكلي، وهو يتمثل في (الله – الأخلاق)، أما التدين فهو التزام البشر بالدين، أي ممارسة بشرية للدين، وهو متغير.

إعلان

غرض الكتاب هو إثبات أن التشريع الإسلامي والأحكام الفقهية، عبادات ومعاملات تندرج تحت التدين وليس الدين، ومن ثم فهي متغيرة، ومتجددة(1).

يقول د. عبد الجواد:

تهدف هذه الدراسة إلى إثارة النقاش حول تسكين التشريع بما في ذلك شِقِّه المنصوص داخل التدين لا الدين؛ أعني داخل دائرة المتغير القابل للتطور، لا دائرة الثابت الممتنع على التغير(2).

ويضيف:

النص الديني (الصحيح) يتضمن ما هو مطلق وثابت، يمكن وصفه بأنه من (الدين في ذاته)، وما هو اجتماعي قابل للتغير لا يجوز إلحاقه بالدين في ذاته، أي لا يجوز القول بتأبيده، لأن طبيعته النسبية المتغيرة سوف تفرض ذاتها في أرض الواقع بقوة الاجتماع وقانون التطور. الأخلاق الكلية وحدها هي التشريع أو القانون المطلق في الدين، وحين يقوم النص بإنزالها تطبيقيًا على الواقع متبنيًا خيارات اجتماعية فهو يعلن أن شقًا من البنية الدينية اجتماعي، قابل للتطور. يمكن تسمية هذا الشق بـ(الاجتماع المنصوص) وإلحاقه مجازًا بمفهوم التدين(3).

وأدلة ذلك:

تنجيم القرآن

لم ينزل القرآن في صورة نص واحد مجمَّع مرة واحدة، بل نزل منجمًا عبر ثلاثة وعشرين سنة، ونزول الآيات جاء استجابةً لنداء الواقع، فقد وقعت مشكلات استدعت وجود حكم إلهي، عندئذ نزل حكم الله، ولولا الواقعة، ما نزل حكم.

يقول د. عبد الجواد:

على المستوى التشريعي لم تصدر لائحة قانونية عامة ومجردة تستبق الوقائع والأحداث، بل كانت الأحكام التكليفية ترد متفرقة، كرد فعل لاحق للوقائع والأحداث، وذلك في إطار منهجية التنجيم التي اتبعها النص القرآني(4).

أسباب النزول

صياغة الآيات غالبًا لا تشير لأسباب نزولها والحادثة التي تعلِّق عليها، رغم أن معرفة هذه الأسباب جزء أساسي من فهم النص، ولا يمكن فهمه بدونها، مما يقتضي أن النص يخاطب قوم يعرفون جيدًا هذه الأسباب والحوادث، وهذا متوفر للمخاطَبين وقت النزول وغير متوفر لنا، إذن فهم المعنيون بهذه النصوص وليس من بعدهم.

كما أن قاعدة: “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب” التي صاغها الفقهاء جرَّت النص لأفهام غير مقصودة إطلاقًا.

مثلًا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى)، فقد تخبطت أقوال المفسرين كثيرًا، وأقروا أن الحر لا يُقتل بالعبد! في حين لو عرفنا من أسباب النزول أن الآية نزلت في حيَّين تقاتلا، وكان أحدهما أقوى من الآخر فقال الحي الأقوى: نقتل بالعبد منا الحر منكم، والمرأة منا الرجل منكم. فنزلت الآية لتنهى عن هذا الظلم وتقول: القصاص هو الحكم المقرر في القتل، لكن لا تقتلوا الحر  البريء بالعبد ظلمًا وعدوانًا، بل اقتلوا الحر بالحر والعبد بالعبد.

وقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) لا يمكن فهمها كنص تشريعي عام، وقد جرَّ ذلك للقول بأن الآية نسخت كل آيات التسامح والسلم! بل الحقيقة أنه نص نزل في جماعة محددة وانتهى دوره.

يقول د. عبد الجواد:

لم يبدُ أن النص يقصد إلى إصدار لائحة نهائية تشرِّع للمستقبل، بقدر ما كان يقصد إلى معالجة الأحداث والحالات القائمة، بما يمكن اعتباره إقرارًا وقتيًا متعلقًا بسببه ومحله(5).

لا مفر من الإقرار بخصوصية الخطاب، وأنه كان يعالج كمقصود أساسي حالات الواقع الآنية التي يعانيها المخاطبون، ولم يكن النص يصدر قانونًا عامًا مجردًا يشرِّع للمستقبل (بغض النظر عن النقاش حول استنباط التشريع منه لاحقًا(6).

السُنَّة التقريرية

كانت القاعدة في التشريع وقت النبي هو اتباع العرف السائد، فلم تتوقف حياة المسلمين في انتظار الوحي، بل عاشوا كما يعيش قومهم، فتزوجوا وطلقوا ومارسوا السياسة والقتال طبقًا لعاداتهم، وكان بينهم النبي يرى ولا يعترض، بل يشارك معهم. لكن فيما بعد سُمي هذا السلوك (سنة تقريرية) فأصبح كل ما يمارسه النبي أو لا يعترض عليه كأنه سنة عن النبي مصبوغة بصبغة دينية، في حين أنه في الأصل عرف مصدره عهد الجاهلية، والنبي أقره بحكم السائد.

إذن فسلوك النبي والصحابة كان تابعًا لشريعة المجتمع باستثناء بعض الأحكام التي نزل بها الوحي، أما التعامل مع عصر النبي باعتباره كله هو الدين الثابت المقدس فهو تدليس.

اقتباس القرآن من شرائع الأمم

رغم أن الإسلام أحدث ثورة انقلابية في العقيدة، إلا أن أحكامه لم تكن انقلابية، بل هي أحكام مستوحاة من الواقع، ومقتبسة من التشريعات البشرية؛ فأغلب – إن لم يكن كل – تشريعات الإسلام ليست اختراعات دينية، بل هي انتقاء واختيار من البدائل المتاحة وقتئذ، فنظام المكاتبة مع العبد لتحرره موجود في اليهودية، ونظام الولي في الزواج موجود في الجاهلية، ونظام قطع يد السارق موجود في قريش، والعرب قبل الإسلام عرفوا العدة، وربع الغنيمة كانت تذهب للقائد، وتحريم القتل في الأشهر الحرم، إذن فدور النص كان تعديل للواقع أكثر منه إنشاء واختراع تشريعات جديدة.

يقول د. عبد الجواد:

إذا كان بإمكاننا الحديث عن انقلاب جذري أحدثه القرآن في مجتمع الجزيرة على مستوى العقيدة، فليس بإمكاننا الحديث عن انقلاب جذري، أو حتى انقلاب كبير، على مستوى التشريع والقانون. كما يظهر مثلًا في تبني القرآن لتقاليد الزواج التي كانت سائدة في المجتمع المكي، والتي تتشابه تشابهًا لافتًا مع تشريعات ما بين النهرين، وفي التعديل الجزئي الذي أدخله النص على أحكام الطلاق كما في تنويع مدد العدة(7).

جميع الأحكام التي تبناها القرآن في مجالي العقوبات والأحوال الشخصية وفي غيرهما من مجالات التشريع كانت، باستثناءات قليلة، مستعارة من النظام العرفي السائد قبل الإسلام أو لها أصل فيه أو على الأقل لا تمثل تناقضًا مع خطوطه الأساسية. لقد عكست التشريعات القرآنية كأصل عام أعراف وتقاليد المجتمع العربي قبل الإسلام، وتوافقت إجمالًا مع نظامه القانوني العرفي، وليس العكس(8).

النسخ وتغير المصالح

أنكر اليهود النسخ، وقالوا بأن النسخ يعني البداء؛ أي بدى لله ما كان يجهله! وهو مستحيل على الله، لذلك يستحيل نسخ الشرائع الدينية.

أما في الإسلام، فكل المسلمين يقرُّون أن الشرائع الدينية جائز نسخها بين الشرائع. ولو كانت الأحكام غرضها استهداف المصلحة، فالواقع يتغير، والأحكام التي كانت تحقق المصلحة لم تعد صالحة لتحقيقها مع تغير الواقع.

إذن فالعقلية الإسلامية لا تجد مانًعا من تغير الأحكام، لماذا تحجَّرت عند النص القرآني ومنعت تغيير أحكامه؟ لماذا ناقشوا النسخ عن الأحكام السابقة، ولم يناقشوا النسخ في المستقبل؟! لماذا أكَّدوا أن مصالح العباد تغيرت من عهد موسى إلى محمد، ثم أنكروا كل تغير حدث بعد وفاة النبي؟!

يقول د. عبد الجواد:

برز التساؤل حول إمكان تغير الشرائع التي أرادها الله، وكانت زاوية النقاش موجهة نحو الماضي، إذ انصب على الدفاع عن مفهوم النسخ الكلي لشريعة التوراة، لصالح الشريعة المنزلة في القرآن، فحاور الرؤية اليهودية القائلة بامتناع النسخ في حق الله باعتباره ضربًا من البداء. ورغم أنه في هذه المحاورة اعتمد جزئيًا على فكرة المصالح المتغيرة، إلا أنه توقف بهذه الفكرة عند حدود التوراة، فلم يطور البحث من خلالها ليطاول النظر في الأحكام المنزلة في القرآن، والتي ستقابل بدورها في الزمن المتغير مصالح متغيرة(9).


ثانيًا: انتقاد الكتاب

رسالة الكتاب أن الأحكام الشرعية قابلة للتغيير، وهو ما نجح الكتاب في إثباته بشكل عميق ومفصل، وهو محل اتفاق بين التيار المقاصدي والتاريخية.

لكن كيف تتغير الأحكام؟ هل انتهى دورها تمامًا؟ هل نأخذ من القرآن مقاصده ونبني أحكامًا تفصيلية تحققها؟ هل تستمر الأحكام طالما تحقق المصلحة وعلة الحكم متوفرة، وإن انعدمت العلة يزول الحكم؟ هل يتبنى الكتاب المقاصدية أم التاريخية؟ هذا ما لم يجب عليه الكتاب صراحةً.

لكن كرر الكتاب في أكثر من موضع كلمات تساعد على تحديد وجهته؛ إذ قال:

لم يبدُ أن النص يقصد إلى إصدار لائحة نهائية تشرِّع للمستقبل، بقدر ما كان يقصد إلى معالجة الأحداث والحالات القائمة، بما يمكن اعتباره إقرارًا وقتيًا متعلقًا بسببه ومحله(10).

وأضاف: “لا مفر من الإقرار بخصوصية الخطاب، وأنه كان يعالج كمقصود أساسي حالات الواقع الآنية التي يعانيها المخاطَبون، ولم يكن النص يُصدِر قانونًا عامًا مجردًا يشرِّع للمستقبل”(11).

كما نقد الفكر المقاصدي للشاطبي في جملة مختزلة جدًا فقال: “نظرية الشاطبي في النهاية نظرية تفسيرية، أعني تؤدي إلى تبرير الشريعة التفصيلية كما هي عليه، ولكنها غير كافية لمواجهة شافية لمشكل التطور”(12).

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: خالد باظة

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.