تأخذك إلى أعماق الفكر
النمو الاقتصادي، نموذج الكلاسيكية الجديدة

نظريات النمو الاقتصادي من آدم سميث إلى بول رومر الحائز على نوبل في الاقتصاد ٢٠١٨

تحاول نظريات النموّ الاقتصادي والتنمية على مدار التاريخ الاقتصادي أن توضّح الشروط الضرورية التي تؤدي إلى تحقّق النمو، ومن خلال إيجاد المحدِّدات العامة للنمو وتتبّع أنماطه في الدول والأزمنة المختلفة يمكن الكشف عن بعض القوانين العامة التي تحكم النمو الاقتصادي. ولأننا لازلنا في رحاب الإعلان عن جائزة نوبل في الاقتصاد لعام ٢٠١٨، اسمحوا لي أن أقدّم عرضًا مبسطًا، يتجنب جميع التعقيدات الرياضية الخاصة ببناء نماذج الاقتصاد القياسي، لأهمّ نظريات النمو الاقتصادي التي ظهرت على مدار حوالي قرنين ونصف من تاريخ علم الاقتصاد.

١- النموذج الكلاسيكي للنمو الاقتصادي Classical Model

(أ) آدم سميث

طرح آدم سميث النموذج الكلاسيكي للنموّ في كتابه الشهير ثروة الأمم (١٧٧٦) مُشيرًا إلى عدة عوامل تؤدي إلى زيادة النمو الاقتصادي:

  • دور الأسواق في تحديد العرض والطلب.
  • إنتاجية العامل حيث يحدد دخل الفرد درجة المهارة والحرفية والحكم الصائب التي يتم بها تنفيذ العمل في أي دولة.
  • دور التجارة في تعميق عملية “تخصيص العمل”.
  • تزايد العوائد مع كبر حجم المشاريع الاقتصادية، حيث يؤدي تخصيص العمل على نطاق واسع كما نراه في المصانع الحديثة إلى زيادة الإنتاج.

(ب) ريكاردو ومالثوس

قام هذان العالمان الكبيرَين بتطوير نموذج سميث الكلاسيكي حيث افترضا أنّ التغيّر التكنولوجي معامل “ثابت constant”، وأن زيادة المدخلات يمكن أن تؤدي إلى تناقص العوائد وفقًا لقانون العوائد المتناقصة. ولقد ترتّب على هذا النموذج تلك التنبؤات المتشائمة لمالثوس بأنّ عدد سكان هذا الكوكب سينمو بسرعة تفوق بكثير قدرة هذا العالم على إطعام سكانه. والحقيقة أنّ مالثوس لم يتمكن من إدراك مدى قوة التغيرات التكنولوجية على زيادة المحاصيل والمنتجات الغذائية.

٢- نموذج الكلاسيكية الجديدة Solow and Swan Model

تشير النظرية الكلاسيكية الجديدة (exogenous Model) إلى أنّ زيادة رأس المال والعمل تؤديان في النهاية إلى تناقص العوائد، ولذلك فإنّ زيادة رأس المال ذات أثر مؤقت ومحدود على زيادة معدلات النمو الاقتصادي، وهناك مرحلة لن تؤدي فيها زيادة رأس المال مهما بلغت إلا إلى الإبقاء على معدل النمو الاقتصادي ثابتًا. وعلى هذا فإنه حتى نستطيع زيادة النمو الاقتصادي وفقًا لهذا النموذج علينا أن نقوم بما يلي:

إعلان

– زيادة الاستثمار كنسبة في الناتج المحلي، أخذًا في الاعتبار أن لهذه الزيادة فترة محدودة، وبعدها سيعود معدّل النمو إلى مستواه الثابت، وذلك مع تناقص العوائد الحدّيّة للاستثمار.

– التقدم التكنولوجي الذي يؤدي إلى زيادة إنتاجية رأس المال/ العمل
ووفقًا لهذا النموذج فإنّ الدول الفقيرة التي تستثمر أكثر ستشهد معدلات نمو اقتصادي تماثل نظيراتها في الدول المتقدمة وتتفوق عليها.

والحقيقة أنّ هناك مآخذ عدة على النموذج المذكور حيث لا يشرح أسباب اختلاف مستويات الاستثمار كنسبة من الناتج المحلي بين الدول، ولأسباب عجز بعض الدول عن جذب مستويات مرتفعة من الاستثمار بسبب الفساد وغياب البنية التحتية، هذا بالإضافة إلى عجز النموذج عن تفسير كيفية تحسين معدلات التقدم التكنولوجي.

٣- نموذج هاورد دومار Harrod Domar ( الادخار والاستثمار)

يعد هذا النموذج، في الواقع، نوعًا أو شكلًا من أشكال نموذج الكلاسيكية الجديدة، والذي يركّز على اعتماد النمو على العلاقة بين الادخار والاستثمار، فإذا كان الاستثمار مثلًا هو العامل الأساسي في دفع النمو كما حدث في آسيا، فإننا يجب أن نضع في عين الاعتبار أنه في حالة حدوث مستويات مرتفعة بشكل مغالى به في أحد الاقتصادات، سعيًا وراء استخدامها في زيادة الاستثمار، سوف يتراجع النمو على عكس مما نظن لأنه لن يتبقى لدى الناس القدر الكافي من الدخل للإنفاق الكافي على الاستهلاك.

٤- نظرية النمو الاقتصادي الداخلي Endogenous Growth theory

يركز نموذج النمو الداخلي الذي طرحه بول رومر الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام ٢٠١٨ وروبرت لوكاس على فرضية أساسية وهي أنه خلافًا للأرض ورأس المال، فإن المعرفة knowledge لا تخضع لقانون العوائد المتناقصة، وأنه لكي تنمو الاقتصادات عليها أن تخفف تدريجيًا من اعتمادها على الموارد المادية والتوجّه نحو توسيع قاعدة المعارف لدى مواطنيها. وهنا يبرز مفهوم رأس المال البشري human capital، أي دور العمال الذين يتمتعون بمستوى عالٍ من المعرفة والتعليم والتدريب في زيادة معدلات التقدم التكنولوجي.

وفِي هذا الشأن، تُولي هذه النظرية أهمية كبيرة لضرورة قيام الحكومات بدورٍ نشط في تشجيع النمو التكنولوجي، وذلك لأنه وفقًا للنظرية الكلاسيكية للسوق فإنه تحت ضغوط تنافس الأسواق لن تجد الشركات أي حافز يدفعها للاستثمار في تكنولوجيات جديدة. وعلى الحكومات أن تدعم أنشطة البحوث والتطوير التي يقوم بها القطاع الخاص، وتشجيع المؤسسات التي تساهم في نشر المعارف مثل الجامعات.

ويمكن تلخيص النموذج في النقاط التالية:

1- التركيز على زيادة إنتاجية العامل؛ حيث ترى أنها ليست كغيرها من الموارد الاقتصادية لها عوائد متناقصة، بل لها عوائد متزايدة.
2- الاستثمار في رأس المال -كما تنبأ سولو- ليس له عوائد متناقصة في كل الحال، وأن الأمر مرتبط بنوع الاستثمار مثل الاستثمار في التكنولوجيا والتعليم.
3- هناك أهمية كبيرة للإبقاء على الاقتصاد منفتحًا على قوى التغيير من خلال تخفيض البيروقراطية ورفع الدعم.

خاتمة

بعد عرض كل هذه النماذج التي يحاول علماء الاقتصاد عن طريقها فهم النمو الاقتصادي ووضع السياسات المناسبة لدفعه، ربما يجدر التأكيد هنا، من وجهة نظري، على أنه لا يوجد نموذج شامل ولا مجموعة قواعد محددة يمكن أن يهتدي، في ضوئها، رجال السياسة إلى السياسات السليمة، ويظل الأمر يعتمد على دراسة أفضل الممارسات التي طبقتها الدول، والتحليل العميق لوضع كل دولة على حدة في ضوء هذه النماذج دون الاستناد على واحد منها بمفرده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...