تأخذك إلى أعماق الفكر

الخارجون عن المألوف: نظرة على الطب النفسي والأمراض النفسية

تحيرت في كتابة مقدمة لهذا المقال، فلكي أكتب مقدمة جيدة، عليّ أن أراعي مناسبتها للجميع، لكن هل يتفق «كل» الناس على شيء واحد؟ ربما يكون هذا السؤال خاضعًا للبحث الفلسفي. لكننا اليوم بصدد الحديث عن موضوع آخر يُعتبر من المحرمات أو من الأمور المشينة في المجتمع المصري، إنه المرض النفسي أو ما يصطلح الكثيرون على تسميته بـ«الجنون».

يقول عالم الفيزياء الشهير إرنست رذرفورد:

«كل العلوم إما فيزياء أو جمع طوابع».[1]

دائمًا ما كانت هذه العبارة منفّرة لي، فإذا حصرنا كل العلوم واختزلناها في الفيزياء؛ فإننا لن نعرف الكثير عن ظواهر أخرى غاية في الأهمية، وما هو الأهم من الإنسان؟ أليست تلك العلوم تهدف –وإن كان الهدف ضمنيًّا- إلى السيطرة على الطبيعة وتسخيرها؟

حسنًا، ربما يقصد رذرفورد بأن الفيزياء هي العلم المادي الذي يمكن التأكد من صحة نتائجه، حيث يدوِّن العالِم ملاحظاته عن الطبيعة ويصيغ القوانين التي تعمل بها ولا تخالفها.

لكن في العلوم الأخرى والطب، وخاصة الطب النفسي في حالتنا، فإننا برغم معرفتنا المتوسعة في السنوات السابقة لا زلنا نجهل الكثير عن آليات عمل الجسم وآليات مرضه، ولا زالت حلقة السبب والنتيجة مفقودة بصورة كبيرة في علمنا عن الإنسان.[2]

إعلان

يزداد الأمر تعقيدًا عند التعامل مع سلوكيات عصيّة على التنبؤ كسلوكيات الإنسان، فكلما وضع العلماء قانونًا خرقه الإنسان بسلوكيات لم نتوقعها.

ما هو المرض العقلي؟

تُعرِّف الرابطة الأمريكية للطب النفسي المرض العقلي كالآتي:

«هي حالات صحية تشمل تغيُّرات في المشاعر أو التفكير أو السلوك (أو خليط من الثلاثة). ترتبط الأمراض العقلية بمشاكل أو صعوبات في تأدية المرء وظيفته في المجتمع، وفي الأنشطة المهنية أو العائلية».[3]

تختلف التعريفات بالطبع عند التعامل مع مثل هذا الموضوع الشائك، لكن السمة المشتركة التي لاحظتها من بحثي أن كل التعريفات تربط المرض العقلي بوظيفة المرء في المجتمع، أي في العمل والعلاقات الاجتماعية. ينطوي هذا التعريف على وجود بعض المعايير والأنماط الاجتماعية التي يؤدي الخروج عليها إلى مرض عقلي، لأنه سيعيق قدرة المرء على تأدية وظيفة المرء في المجتمع، إما لأنه مختلف عن المألوف من السلوكيات، أو لأنه مصاب بالفعل بمرض عضوي يغير من كيمياء دماغه، ويجعله غير قادر على تأدية هذه الوظيفة المتوقعة منه.[4][5]

كما أنه ينطوي على بعض الذاتية؛ لأن الفرد قد يكون قادرًا على استغلال اختلافه بصورة خلّاقة، بدلًا من أن يكون هذا الاختلاف عائقًا له في المجتمع، وهذا ما نراه في الحالات الإبداعية، حيث يقول الأديب الفرنسي غاي دو موباسان:

«الفنانون العظماء هم من يفرضون وهمهم الاستثنائي على البشرية».[6]

تنقسم تلك الأمراض أو الاضطرابات العقلية إلى مجموعات، فهناك اضطرابات القلق واضطرابات المزاج (مثل: الاكتئاب واضطراب ثنائي القطب)، واضطرابات النوم، واضطرابات السلوك، والفصام.[5] وتشمل الأعراض التي يصاب بها المريض طيفًا واسعًا، ولكن أشهرها هو الشعور بالحزن والتفكير المضطرب وفقدان القدرة على التركيز، وتغيُّرات حادة في المزاج، القلق والخوف المبالغ بهما، الانسحاب من الأنشطة الاجتماعية، الإرهاق الشديد، وفي الحالات المتقدمة من الاضطراب قد يصاب المريض بضلالات التفكير، أو الهوس، أو الهلوسة، أو التفكير الانتحاري.[5]

ما هو سبب نشوء المرض العقلي؟

هنا تأتينا الآراء المنتشرة في الثقافة الشعبية، بين البعد عن الله وعدم أداء الفروض الدينية، أو وصم المريض العقلي بالجنون، وهو تعبير شديد الغموض والالتباس ولا يفيد معنى واضحًا، على عكس الأعراض التي ذكرناها سابقًا. يسهل تفسير هكذا ردود أفعال على المرض العقلي بأطروحة عالم الاجتماع أوغست كونت عن قانون المراحل الثلاثة [7]، ويقول بأن العقل البشري خلال التاريخ مر بثلاث مراحل من التفكير، الأولى: هي التفكير الأسطوري؛ حيث يفسر الفرد كل أحداث الطبيعة تفسيرًا أسطوريًّا أو دينيًّا، والمرحلة الثانية هي التفكير الميتافيزيقي؛ ويفسر الأحداث فيها تفسيرًا فلسفيًّا مجردًا، ثم المرحلة الأخيرة هي التفكير الوضعي، يعتمد فيها المرء التفسير العلمي للظواهر والأحداث.

وفي مجتمعات لم يتطور فيها العلم الوضعي مثل المجتمعات العربية، يسهل على المرء إطلاق تفسيرات من قبيل البعد عن الله ليسهل على نفسه النظر للمرض النفسي، ويقولب المرضى في أنماط جاهزة تمهيدًا لنبذهم من المجتمع، وبالتالي مضاعفة شعورهم بالعزلة والرفض والمرض.

أما الطب النفسي فيرجع المرض النفسي لعدد من الأسباب. فقد أشارت الأبحاث العلمية إلى ارتباط الأمراض النفسية في بعض الأفراد بعوامل جينية محددة، إذا وجدت في الفرد تؤهله للإصابة بالمرض النفسي. لكن هذه الجينات تحتاج إلى عوامل بيئية أخرى لتنشط مثل: الموترات، والتعرض لبعض السموم، أو الأمراض الالتهابية [5]، يؤدي ذلك إلى تغيُّرات في كيمياء الدماغ، واضطرابات سلوكية وعاطفية وفكرية نتيجة لذلك.

لكن العلاقة بين الاضطراب وتغيُّر كيمياء الدماغ لا زالت مبهمة، فهل يُرفض المرء من محيطه الاجتماعي أولًا وبالتالي تتغير كيمياء الدماغ لتجعله يعاني من المرض النفسي أم العكس؟

تشير دراسة [8] في دورية الطب النفسي الجزيئي Molecular Psychiatry أن الأطفال الذين تعرضوا للتنمر في سن صغيرة، أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بالأمراض العقلية عند وصولهم لسن 18 عامًا، نتيجة تغيُّرات في كيمياء مناطق معينة في الدماغ مسؤولة عن المزاج والمشاعر، مثل: البطامة والنواة الذنبية. تقول الباحثة إرين بورك من جامعة الملك في المملكة المتحدة:

«بالرغم من عدم ارتباطه في الماضي بالقلق، تكمن أهمية التغيُّرات التركيبية في البطامة والنواة الذنبية في تطور القلق أنها تساهم بصورة أساسية في سلوكيات مثل الدوافع الحساسة للعائد، والانتباه، والعمليات العاطفية».[8]

هذا يعني أن تعرض المرء لأحداث مؤذية لسلامته النفسية في الصغر يؤدي إلى عواقب نفسية خطيرة في المستقبل، ويعيق من قدرة الفرد على متابعة حياته بصورة سليمة، لذلك فإنه لا يمكن إغفال المحيط الاجتماعي من كونه سببًا في إحداث تلك التغيُّرات في الدماغ التي يربط العلماء بينها وبين المرض العقلي.

تاريخ الطب النفسي

تأسس الطب النفسي كتخصص طبي مستقل في بداية القرن التاسع عشر، حيث نشأ لعلاج الأفراد المعزولين في الملاجئ والمستشفيات. لكنه كان بدائيًّا ومقارباته العلاجية غير فعالة.

وفي بداية القرن العشرين أسس طبيب الأعصاب سيغموند فرويد مجال التحليل النفسي، مرجعًا أغلب الاضطرابات النفسية أو ما أسماها «العُصاب» إلى عمليات تدور في عقل غير واعٍ يقبع خلف العقل الواعي، فهيمنت تلك النظرة التحليلية النفسية على الطب النفسي وخلقت انقسامًا بين العلاج بالأدوية والعلاج بالتحليل النفسي.[9]

في خمسينات وستينات القرن العشرين، ظهرت مجموعات جديدة من الأدوية من مضادات الذهان، وساهمت في علاج الكثيرين من مرضى المستشفيات. كما ظهرت الأدوية المضادة للاكتئاب وساهمت في علاج المرضى أيضًا. ونتيجة لذلك عدَّلت الرابطة الأمريكية للطب النفسي من الدليل الإحصائي التشخيصي للاضطرابات العقلية في ثمانينات القرن العشرين، لتزيل اللغة التحليلية النفسية وتمحو أي حديث عن «سبب» للأمراض النفسية، لصالح التوجه الوضعي للعلاج بالأدوية والحديث عن آليات وتغيُّرات كيميائية في الدماغ. وبالتالي أوصى الدليل الأطباء إلى تشخيص المرضى عندما يتطابقون مع الشروط التي وضعها الدليل لتشخيص الاضطراب، ووجهتهم إلى النظر للتحليل النفسي بأنه وسيلة غير علمية وغير فعالة للعلاج.[9]

نرشح لك: الخرافات الخمس الأكثر شيوعًا حول الأمراض النفسيّة!

وفي هذه الأثناء صدرت وسائل جديدة للعلاج، مثل العلاج السلوكي الإدراكي لعلاج الاكتئاب والقلق وغيرها من الاضطرابات. لكن لا زال تشخيص الأمراض والاضطرابات بناءً على الشروط الموضوعة في الدليل فقط.

لكن في بداية القرن الحادي والعشرين لم تُكتشف أي مجموعات أدوية جديدة لعلاج الاضطرابات العقلية. وعلاوة على ذلك، فقد ظهرت أعراض جانبية خطيرة لبعض الأدوية لا يمكن تجاهلها، فقد سببت مثبطات استرجاع السيروتونين الانتقائية أفكارًا انتحارية عند بعض المرضى، كما ارتبطت أدوية أخرى بأمراض مثل: السكري، وأمراض القلب، وزيادة الوزن، وغيرها من الأعراض الجانبية.[10] زاد ذلك من الحيرة في مجال الطب النفسي، فالملايين التي أنفقت في البحث العلمي في كيمياء الدماغ لم تكن تقدمًا كما لوحظ من قبل.

وفي عام 2013 كان الدليل الإحصائي التشخيصي الخامس للاضطرابات العقلية مثيرًا للجدل.[9] حيث انتقد رئيس الرابطة الأمريكية للطب النفسي الطبيب ألين فرانسيس الجهود السابقة لمحاولة بناء الاضطرابات العقلية على أساس بيولوجي طبي، مسميًّا ذلك بالانحياز. وأفاد بأن الشروط التشخيصية التي وضعها الدليل تحجِّم من إطار السلوكيات الطبيعية لصالح الاضطرابات العقلية.

وبالرغم من معارضة التحليل النفسي، سادت في أوج المقاربة البيولوجية فكرة أن هناك عمليات غير واعية تقوم بين الطبيب والمريض، وقد تكون تلك العمليات أرضية يقوم عليها تقبُّل المريض للعلاج واستجابته له من عدمها. وقد طوَّر جورج إنغل نموذجًا للجمع بين المقاربتين مسميًّا إياه “النموذج الطبي الاجتماعي النفسي البيولوجي”.[11]

مقاربات الطب النفسي للتعامل مع الاضطرابات العقلية

العلاج الدوائي: وفيه يزور المريض طبيبًا نفسيًّا، ويحكي له عن الأعراض التي يشعر بها، ويشخص الطبيب تلك الحالة ويصف له الأدوية المناسبة لحالته.

التحليل النفسي: وهو الصورة المعهودة لدينا، والتي يجلس فيها المريض على أريكة ويحكي للطبيب كل شيء، ويدون الطبيب تلك الحكايات في دفتره، محاولًا مساعدة المريض لاكتشاف العمليات غير الواعية التي سببت له تلك الاضطرابات، أو الأحداث التي مر بها منذ الطفولة والتي أثرت عليه في الكبر.

العلاج السلوكي: وتركز تلك الطريقة على أهمية التعلم في تغيير سلوكيات الفرد وتطوير آليات تكيف صحية.

العلاج الإدراكي: وهي الطريقة التي كان رائدها الطبيب النفسي آرون بيك، وتقوم على فحص الطبيب للأفكار والمشاعر التي تقوم في ذهن المريض. تقوم تلك الطريقة على فرضية أن الأفكار غير السليمة هي التي تسبب الاضطرابات.[12][13]

العلاج الإنساني: وتؤكد تلك المقاربة على قدرة الفرد على اتخاذ قرارات واختيارات واعية يعظم بها احتمالات الحياة. جاء إلهام تلك الطريقة من فلاسفة الوجودية مثل: جان بول سارتر ومارتن بوبير.[13]

العلاج بالصدمات الكهربية: وكانت تلك الطريقة تُستخدم قديمًا لتغيير مسارات عصبية معينة في الدماغ، لكن استخدامها محدودًا اليوم.[12]

مفاهيم مجتمعية خاطئة عن الطب النفسي

بالرغم من صعوبة موضوع الطب النفسي والاضطربات العقلية، وتردد العلم بشأن الكثير من مجاهله. إلا أننا نعلم يقينًا بأن بعض المفاهيم المتداولة في المجتمع عن الاضرابات العقلية والطب النفسي خاطئة. فعلى سبيل المثال، ليس المصاب باضطراب عقلي «مجنونًا»، في الواقع لا يوجد مصطلح الجنون في أدبيات الطب النفسي الحديث، ولكن حدث في دماغه تغيُّر كيميائي معين، نتيجة أحداث معينة في الحاضر أو الماضي، أو نتيجة عوامل وراثية، سببت له هذا الاضطراب، والعلاجات التي يوفرها له العلم كما ذكرناها في الفقرة الماضية. كما أن المرض العقلي لا يحدث بسبب «البعد عن ربنا»، قد يكون خلو حياة الفرد من المعنى عاملًا، ولكنها ليست كامل الصورة.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد إيهاب

تدقيق علمي: دعاء أبو عصبة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.