تأخذك إلى أعماق الفكر

مفهوم المنفى عند إدوارد سعيد

إن البحث في تعريف المَنفَى يطرح سؤالًا  مباشرًا حول ما إذا كان المفهوم عبئًا أم حالةً استثنائية، أم ضربةً من القدر تفتح بُعدًا جديدًا للفكر.

يستكشف كِتاب ريهنوما سازاد (إدوارد سعيد ومفهوم المنفى: الهوية والهجرة الثقافية في الشرق الأوسط” تداعيات المنفى مقابل فكرة الانتماء) ويظهر أنّ عملية الوعي التي تتجاوز إطار الواقع المباشر هي التي تُشكِّل التعبير الفكري للمنفى.

بعيدًا عن حياة إدوارد سعيد وأعماله؛ حيث يوصف المنفى بأنه “رواية سائدة”، تذهب سازاد إلى أبعد مما يسمى “الرؤية الفكرية المنعزلة” لتقديم مجموعةٍ من الأفكار المستقلّة، ولتحقيق ذلك تُطبّق آراء سعيد في المنفى على أعمال محمود درويش ونجيب محفوظ ويوسف شاهين وليلى أحمد ونوال السعداوي.

بعد اختيارِ سعيدٍ كنموذج؛ يُعرَض المنفى من منظور فلسطيني بشكل بارز، ففي الواقع؛ تمكنت سازاد من نقل تأثير النفْي القسريّ للفلسطينيين منذ نكبة عام ١٩٤٨م، وكيف شكّل هذا ليس فقط أعمال الكُتّب الفلسطينيين، ولكن أيضًا تعريف المَنفَى على أنّه تجربةٌ دائمة، بالإضافة إلى ذلك؛ فإنّ تجربة سعيد في المنفى كفلسطينيّ -وبعيدًا عن وطنه- تضيف عمقًا للمنفى كاستعارة، لا سيّما في سياق المجتمعات والثقافة و”الرحلة” التي يمر بها المنفيّون؛ حيث قد تبدو الاحتمالات لا حصر لها في حين لا تزال الوجهة بعيدة المنال.

عند الحديث عن سعيد، تقول سازاد:

يشكل المنفى ظاهرة معقدة. إنه بارد وعديم اللون وكئيب. وللمفارقة، هذا يخلق فرصة لأفكار عميقة.

وبالتالي؛ هناك ازدواجيّة يمكن أن تمتد إلى عدد كبير من الانطباعات: المنفى، رغم أنه يعكس القطيعة مع الوطن الأم، يمكنه أيضًا أن يتحدى مناطق الراحة. وبكلمات سعيد: إن الحدود والحواجز التي تقيّدنا بأمان في مكان نعرفه، يمكنها أيضًا أن تصبح سجنًا، وغالبًا ما تُقاوَم بما يتجاوز الوعي أو الضرورة في مكان مختلف؛ فالمفكر المنفي له دور، سواءً نُفِيَ الفردُ عن الوطن أو داخل حدود الوطن بسبب التهميش المجتمعيّ.

إعلان

المنفى الفكري -بحسب سعيد- قادرٌ على تجاوز آلام الانفصال دون التقليل من شأن انتهاكات حقوق الإنسان، لذلك؛ هناك وعيٌ دائمٌ بين المنفى الجسدي والاستعارة الناشئة عن الحالة، والتي تسمح للمثقَّف المنفي بالتساؤل بحريَّة، بينما يرفض الاستهانة بعبء المنفى وتحدياته.

توضّح سازاد زوايا مختلفة من الوعي المنفِيّ، وتُطبّقها على الشخصيّات المُختارَة وعلى أعمالهم الإبداعية. بالاعتماد على مفهوم وبحث سعيد للمنفى؛ تُحدّد الكاتبةُ أشكالًا مختلفةً من الوعي تُشكّل أسس نقدها الأدبيّ والسياسيّ للكتاب المتأثِّرين بالمنفى؛ إذ ينعكس تأثير سعيد على محفوظ ودرويش وأحمد وشاهين والسعداوي بشكلٍ أساسيٍّ في التجربة الشخصيّة للمنفى.

بالنسبة لشاهين؛ فإن التحدّي المتمثِّل في قمع مصر للأفكار له أهميةٌ قصوى في أعماله، والتي تصفها سازاد بأنها “بناءٌ بديلٌ للوضع المحبط الذي يتنكّر في صورة الوطن”.

الوعي العلمانيّ -في حالة شاهين- يمكّن المثقَّف المنفِي من “مواجهة أنظمتهم الاجتماعية وكشف العيوب الكامنة فيها”.

من ناحية أخرى؛ تطبِّق نوال السعداوي وعيًا نقديًا موجهًا ضد الفئات التي تحتكر القوة في المجتمع المصريّ، وتعترف سازاد بأنّ عملَ نوال السعداوي مثيرٌ بشكلٍ خاصٍّ فيما يتعلق بسياق نقدها للمجتمع. وتوضّح الكاتبة بأنّ نوال بصفتها “مثقَّفة مُعارِضة” فهي لا تستطيع السكوت عن الممارسات الظالمة للثقافة العربيّة، على الرغم من أن هذا يفتح الباب أمام إمكانية ظهور الصور النمطية الغربية الشرقية للمجتمع العربي.

شَهِدَ كلٌّ من شاهين والسعداوي نفيًا مؤقتًا، وتذكر المؤلّفة أنّ كلاهما يعتمد على تجربة المنفى للتعبير الإبداعيّ.

من ناحية أخرى؛ يستخدم محفوظ تضمنيًا غير مباشرًا لمناهضة الاستعمار، تحوي رؤيتُهُ للمجتمع أيضًا ملاحظةً حول كيف جعل التقاعُسُ الناسَ متفرّجين؛ مثل أحمد.

لم يختبر نجيب محفوظ المنفى، ولكن ملاحظته وآرائه أتاحت له الوصول إلى هذه الحالة، ومع ذلك، يتشابه الكتّاب الذين اختارتهم سازاد عندما يتعلق الأمر بالوعي متعدد التوجهات الذي يوصَف بأنّه انتشار للوعي الثقافيّ وما ينتج عنه من بصماتٍ في الغرب.

هنا تشير سازاد إلى “الرحلة” التي هي “الترابط بين وجهات النظر المكانية والمجازية للمنفى“.

وتُناقَشُ فلسطين كتجربة ومفهوم المنفى من خلال أعمال سعيد ودرويش الأدبية؛ في طرحها الحوار عن المنفى الفلسطيني وعدم الاستسلام لانتزاع الملكيّة والحق من وجهة نظر سعيد؛ قالت سازاد: أنّ فلسطين شكلت نفوذًا تكوينيًّا في شخصيته ساهم في موقفه من تشكيل الهوية: فمن خلال كتاباته؛ دعا سعيد إلى “نظرة تعددية لثقافات المستعمِر والمستعمَر”، وبالتالي تجنّب التقسيم أو الانفصال الذي يحدث عند التقييم دون سياق شامل.

سعيد ينتقد الاستسهال عندما يتعلق الأمر بمناقشة المنفى؛ فيؤكد المؤلف أن المنفى بالنسبة لسعيد “حالة جغرافيّة وموقع مبدئي”؛ فيجب أن يشجع الانفصال الجسدي عن الوطن على مُساءلة النظم الاجتماعيّة السياسيّة الظالمة.

وبالمِثل بالنسبة لدرويش؛ فإن الانفصال عن الوطن يقتضي لفت الانتباه إلى قضيّة المنفى والأرض، كما أنّ دعوة المثقَّف إلى الحريّة لجميع المضطهدين تدرك أيضًا المقاومة المستمرة في حالة فلسطين، وتشير سازاد إلى أن “إعلان درويش التمرد لا يعكس فقط مقاومته المستمرة والشديدة للسلطات الإسرائيلية، بل يؤكد أيضًا موقفه المنفي”؛ فكتاباته تقاوم طمس الهوية الفلسطينيّة وتنقل ما تسميه “الكفاح الوطني” للجمهور العالمي.

كلٌّ من سعيد ودرويش ينقلان القيم الإنسانيّة، وأنَّ العدالة للفلسطينيين مُهِمَّةٌ أخلاقيّة، ومن ثمّ؛ يلعب المنفى دورًا هامَّا في إيصال معارضة السلطة، وهنا يعبّر سعيد ودرويش عن معارضتهما بفلسفات مختلفة. إن كتابات إدوارد سعيد “تنطوي على محاولة للمصالحة والقبول بحدودها”، أما درويش من ناحية أخرى “فهو يرفض التوفيق بين الروايات بقوة”، وهذا هو النهج الذي يختلف، وليس النتيجة النهائيّة”.

اختيار سازاد للاقتباس من سعيد في استنتاجها هو مناقشة في حد ذاته:

المنفى يعني أنك ستكون دائمًا هامشيًا، وأن ما تفعله بصفتك مثقفًا يجب أن يتم خلقه؛ لأنك لا تستطيع اتباع مسار محدد.

يشترك الكتّاب الذين طُرِحَت مناقشتهم في كتاب سازاد في التقارب مع سعيد: بأن عبء القضاء على الركود موجود دائمًا، وفي حالة المنفى، هناك تذكير دائم بالنضال الثقافي والسياسي.

نرشح لك: إدوارد سعيد “الاستشراق”

مصدر الترجمة

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: افنان ابو يحيى

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: عبير الششتاوي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.