تأخذك إلى أعماق الفكر

مغامرات بينوكيو.. كيف تكون إنسانًا؟

أتذكرون (ماجد لعبة خشبية، ماجد موهبة ربانية)؟ إليكم إذًا الحكاية.
في عام ١٨٨٠ دفعت الحاجة الصحفي الإيطالي الساخر الثوري كارلو كولودي إلى كتابة سلسلة من قصص المغامرات للأطفال عُرفت باسم مغامرات بينوكيو: قطعة من الخشب تنطق، هكذا فجأة، ارتعدت فرائص السيد تشيري، تلفّت من حوله ليرى مصدر الصوت، لطمة موجعة تلقّاها من قطعة خشبية وهنا بدأ كل شيء.

تتالت طرقات على بابه؛ صديقه السيد جيبتيو النحّات الفقير المعدم، جاءه راجيًا منه أن يمنحه قطعة خشبية لينحتها ويصنع منها لعبة ترقص فماذا كانت المفاجأة؟ تلقّى صفعة في الظلام لا يدري من أين جاءته، تعارك مع صديقه، سقط شعره المستعار، تصارعا، تلاعنا حتى سمعا صوت ضحكة تأتي من ركن زاوية من الغرفة، فكانت ويا لهول ما شاهدا (قطعة خشبية ناطقة)! أخذها السيد جيبيتيو النحات، وقرر الاستفادة منها فشكلها بيده ونحت منها لعبة خشبية أسماها بينوكيو، والتي تعني (حبة القمح) مع ما يحمله الاسم من دلالة لمادة الغذاء الأولى التي تقوم بها الحياة!

لم يكن بينوكيو تمثالًا عاديًا، فقد جر على سيده المتاعب؛ فعلى خلاف نسخة أفلام ديزني لشخصية بينوكيو؛ والتي تظهره بأنه طفل لطيف ودود، تظهر شخصيته في الرواية على أنه طفل أناني جدًا ومثير للمتاعب وصَفِيق، ليودع صانعه جيبيتو السجن بعد أن لاحق بينوكيو حين فرّ هاربًا من البيت، فيا لعدالة القانون! والذي طالما انتقده المؤلف في مقالاته، لتعاقب الضحية بدل الجاني. ويعيد الإشارة إلى ذلك حين يسجن القاضي بينوكيو؛ لأن نقوده سرقت منه، عوضًا من سجن الجناة! فلتحيا عدالة الإنسان والقانون!

تتوالى مغامرات بينوكيو وتتتابع معها الكوارث التي جرها بينوكيو على من حوله. ليبيع كتاب المدرسة الذي ابتاعه له جيبيبتو، والذي اضطر لأجل شرائه لأن يبيع معطفه الوحيد المرقّع الذي يقيه ما أمكن من البرد القارص، لكن بينوكيو -الذي لا قيمة إلا لرغباته واندفاعاته، لا قيمة إلا لصوت (أنانيته الذاتية)- يبيع المعطف ليشاهد عرض الدمى؛ حيث يسقط في شر أعماله ويقرر مدير العرض أن يسعر به لإذكاء نار الشواء، ثم يعفو عنه، رأفةً بأبيه المسكين جيبيبتو الذي ينتظره، فيمنحه خمس قطع ذهبية ليساعد بها جيبتو، ولكن كيف لأنانيته وجشعه أن تتركانه؟

وتستمر الأحداث وتسرق منه الأموال، ويشنق، وتنقذه الجنية، ويبتلعه الحوت، وتطير به حمامة لتوصله إلى والده الذي يغرق. يهرب بينوكيو إلى بلدة (أرض الأغبياء) حيث لا عمل ولا دراسة، فقط لعب ولهو وأكل ونوم، فقد كان يرفض العمل ويفضّل الموت عليه، حتى تحول إلى حمار وكاد أن يسلخ جلده لو لا أن عناية ما أنقذته، ومن بعدها التقى مجددًا بالجنية (يد القدر الحانية)، وتعهد لها بأن يكون خلوقًا طائعًا عاملًا عالمًا مجتهدًا قدر الإمكان، وأن يكف عن شقاوته. عندها فقط يستيقظ ليجد نفسه وقد أصبح إنسانًا!

إعلان

غالبًا ما تقترن قصة بينوكيو في المخيال القصصي لدينا، بحادثة أنفه الذي يطول ويتمدد عندما يكذب، بل إن البعض يختصر الثيمة الفنية للرواية بالدعوة إلى الصدق واجتناب الكذب فقط! في تبسيط يصل لحد السذاجة لكل رمزية وفلسفة احتوتها، لكن ماذا نفعل إذا كان حال البعض في عدم تحميل نفسه مشقة قراءة ما بين السطور، والاكتفاء بمباشرة القصد في النص! كارلو كولودي قد حاول من خلال تلك القصة أن يكشف عن حقيقة كيف يمكنك أن تكون إنسانًا؟ فالوجود هنا قد تحقق وسبق وينتظر تشكيل الماهية التي تسمو به لرتبة (إنسان).

الأنانية المطلقة والتفكير الذي لا يتعدى دائرة الذات تسلبك إنسانيتك، لا تفترق أبدًا عن قطعة الخشب الصماء الصلبة تلك! كارلو كولودي الذي ذاق مر الفقر، واضطهاد أصحاب النفوذ لأبناء إيطاليا الفقراء من أمثاله، يرمز إليهم بينوكيو تلك اللعبة المشاغبة عديمة الإحساس فيمن حولها. وقد يتعدى الأمر حدود الظرف التاريخي الذي كتبت خلاله القصة، لترمزإلى الوجود الإنساني ككل، الطبيعة الإنسانية التي تحتاج دومًا إلى من يهذبها ويصقلها بل ومن (ينحتها ويشكل ماهيتها)، فجيبيبتو في رمزية للإله الذي خلق وأبدع بينوكيو (حبة القمح) قد نسي تشكيل أذنين له، فلم يسمع لتوجيهاته بل قرر أن يخوض بينوكيو تجاربه ويقرر مصيره حتى وإن أخطأ، فإلى أي حد يمكننا القول أن بينوكيو يشبه الإنسان في ضرورة تحمله لمسؤولية اختياراته؟

كارلو كولودي الأديب الساخر، لم يمنح بينوكيو نهايةً مشرقةً في الجزء الأول من روايته، بل جعل نهايته مشنوقًا على غصن شجرة بلوط! النهايات السعيدة ليست من اختصاصه، فسوداوية الحياة التي عاشها تلزمه بضرورة أن ينال المجرم عقابه! لكن الناشر وبعد التهافت الكبير على قراءة سلسلة مغامرات بينوكيو يطلب منه أن يكملها، لتأتي الجنية وتنقذه. كما أن الأنانية تنقص من مرتبة كينونتك (الإنسانية)، فإن التقاعس والكسل والجهل أيضًا تضع الإنسان في مرتبة دون الإنسانية؛ فعندما تحول بينوكيو لحمار لرفضه العمل والذهاب إلى المدرسة، كان درسه الثاني الذي عليه أن يتعلمه جيدًا ليتحول إلى (إنسان).

التعاطف والتضحية والشعور مع الآخرين هي الركيزة الثالثة التي اشترطها كارلو كولودي ليتحول بينوكيو إلى (إنسان) يرى ويشعر ويحب. فحين ضحى بأمواله لإنقاذ الجنية في مرضها وسهر على راحة والده، تحققت أمنيته لينال مرتبة الإنسانية! لنا أن نقول أن هذه الرواية وإن كانت مقدَّمةً للأطفال، إلا أنها هدية الكاتب إلى الإنسانية جمعاء. لنحاسب أنفسنا هل نحن حقًا قطعٌ خشبية متكلمة كبينوكيو؟ أم أن الشرط الإنساني من حب وعمل وتضحية وعلم قد رفعنا إلى عالم البشر! من قال إن الفلسفة العميقة تحتاج إلى حذلقة لغوية وتعقيدات بيانية. مرة أخرى تتفوق البساطة برمزيتها.

ملاحظة: تعد رواية مغامرات بينوكيو من أعظم الأعمال الروائية الإيطالية الكلاسيكية بعد الكوميديا الإلهية لدانتي والمخطوب لمانزوني الرواية من ٢٤٧.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

تعليقات
جاري التحميل...