تأخذك إلى أعماق الفكر

مراجعة تأمُّلِيَّة لرواية الديوان الإسبرطي ، جائزة البوكر 2020 .

المحروسة* تلك المدينة الراسخة في أحد قطع إفريقيا الذهبية ، لطالما استقبل ترابها أقدام العابريين عنوة ، آثارهم باقية رغم الدمار و معالم الحضارة ، بريق عيونها التي تلمع من القمم و لو في الحلم ينبئ بنقيضين على الدوام ، فردوس آدم و جهنم لوسيفير ، سجن الماركيز دي ساد** و عالم ابراهيم لينكولن*** . لا يوجد وسط على هذه الأرض إما التحليق عاليا و إما هبوطا .
هل يصح وصفها بمحروسة العثمانيّين أو محروسة الفرنسيّين ؟ أو لعلنا يجب أن نصيح قائلين : ” المحروسة وحدها ” ؟!
لا يستقيم هذا اللفظ لأن المحروسة تخبئ بثنايا جلبابها الواسع من شوارع و سهول و أماكن مقدسة تاريخا من أشهى أصناف الشعوب تحتمي في كل قطر منها ، مهما تم معاملة المحروسة بلين أو نثر ملح الجروح فيها يبقى ذلك في صالح هذه المدينة شاهدا على مجدها .
– ديبون : ذلك الشاب المتحمس لكل شيء من شأنه أن يكون جديدا و طازجا و أهم من ذلك ، ناشرا لكلمة الرب ، لكن يبدو أنه قد خذل و هو يداعب المحروسة في أحد سنواتها ؟ لم يجد غير الترهل فيها رغم جمالها الأخاذ ، فهل يجب أن نقول محروسة الفرنسييّن هنا ؟
لا يجد ديبون غير طريق العودة لبلده لكن كلمة الله لا رجعة فيها ، و لا الفضول الممزوج بالنبل يبدو كذلك ، ستحدث مهمة عكسية يكون بطلها لإعادة التجسد بمظهر المسيح الحداثي الذي يمسك الورقة و القلم بدل رغيف الخبز و السمك عائدا إلى ذراعيها للموعظة ، حتى يحقق بذلك خلاص هذه الأرض .
تتقاطع حبال العودة مع أشرعة سفينة المحروسة سواء مع سكانها الأحق بها ، إلى الدخلاء و القراصنة ، و حتى العاشقين لسحرها رغم فرق الدم و النّسب، يودون لو كانوا سكانها الأصليّين لربما سيعاملونها أحسن، من أعراب و قبائل ويهود و مور وصحراويون إلى أتراك و مختلطي النسب هكذا كانت . لكن الآن اِقْتُلِع الرجل العثماني من شجرته التي سقاها طويلا بالرغم من بتره الكثير من أغصانها و جني الثمار، لقد حل محله أخيرا الرجل الأوروبيّ ذو النزعة الرومانسيّة و الواقعيّة و لكن الحربيّة، فهل سيعامل الشجرة مثل العثماني ؟ .
و رجعةً إلى مسيح المحروسة الأبيض ديبون ، بدايةُ الحكاية ، فكم بدا سفير سلام و نبل، و كم كان طيب القلب و السريرة ، طفوليّ الفكر و الحس ، الأمر الذي خلق له معرفة بالجميع حتى أكثر الناس سوءًا ، مثال على ذلك رفيقه كافيار ، تكاسلت الكلمات عن وصفه ، حتى نهضت على أبشع معانيها بعد غفوة طويلة ، محاولةً بجهد أن تفسّره.

كافيار : صديق ديبون ذو الملامح القاسية و القلب القاسي كذلك؛ لكنه يبقى صديق، ذلك المستبد بفكره على كل ما هو عربي وإسلامي، حتى كلمة المسيح يرفضها بقلة أدب .
جنون عظمة أمته تمكن منه ليرى الجميع تحته، لكن هل نسي أنه مجرد خادم لنابوليون**** ولفكرة و حلم هذا الأخير حين كان مقاتلا في جيشه و منتفخا بتطلعات غزو العالم ، هوس أراد اختلاسه من سيده و تقمص دور قائد مجنون آخر في مدينة حرب جديدة .
قالها مرار إن المال هو إله الناس. طموحاته في احتلال المحروسة تنبع من سلسلة خذلانه المتناسخة كل مرة داخل روحه ، و العبوديّة التي تجرعها من الأتراك جعلته لا يفرق بينهم و بين العرب و المور في شيء مع فكره النابوليوني الخالص .
كان الإحتلال بالنسبة إليه محض إنتقام شخصي و هاجس سيده المنفي ، لا تصديرا للقيم الأوروبية و لا تكريسا لكلمة الرب و لا حتى طمعا في المال ، و سواء صدقت قصة تجسّسه المسرحي مع غيره على المحروسة قبل احتلالها ، فلا شك أنها أمور يقترحها التاريخ علينا غصبا ، تعددت أسماء كافيار فقط ، حتى لو تم تنفيذ هذا في عالم المثل عند كل من رغب في المحروسة .

رواية الديوان الإسبرطي لعبد الوهاب عيساوي ، الصفحة 41 .

– ابن ميّار : حسنا ، يبدو مثل الشعوب العاشقة لمحتلها و مستعبدها خاصة إذا وافق عقلها الديني ، رغم كل الحب الذي يكنه لبلاده و طيبة قلبه فإنه يحتقر كذلك أبناء شعبه الرافضين لوجود بني عثمان ، رجال و نساء بشخصيات مثل شخصية ابن ميّار ستظل قضية بلدهم في الروح غير أنهم ضعفاء … ضعفاء جدا للثورة و ضعفاء لتسلق جبال الحرية و الإرادة الحرّة ، فيكتفون بالمحتل حتى يعيشوا على الأقل من دون أن يُقتلوا .
لكن هذه المرة يبدو أن ابن ميّار سيقبل على مهمة لم تعتدها روحه المجبولة بالخنوع لتحرير محروسة الفرنسيّين ، و لو كان سبب ذلك نكبة دينيّة في المقام الأول و محض رفض لنوعية جلاده و ليس الجلد في حد ذاته، فهو لطالما أراد استرجاع الأندلس و الآن ها هو يريد استرداد محروسة العثمانيّين حين وقعت في قبضة هؤلاء أتباع المسيح و حين لم ترجع الأندلس .

– السّلّاوي : لا يرضى بالقليل و لا بالكثير بل ما تستحقه بلاده و شعبها ، الحريّة و الكرامة. هو لا يؤمن بالصبر و لا التحلي بالسلميّة في انتزاع الحقوق ، لكن ماذا يمكنه أن يفعل غير تقديم المسرحيات الساخرة التي بوسعها أن تهز بعض الجنود الأتراك من ثورة الغضب ، ثم الركض بعدها فرارا من سوطهم و التشرّد في السجون و ها هي القصة تعاد مع زوار جدد .
على الأقل السّلّاوي حاول ، لكن لا تزال المحروسة محتلة من كل زائر يشتهيها ، فهل خذل الله الجزائر في كل مرة تطئها الأقدام الدخيلة أم أن مشيئة الله هكذا عند كل الشعوب المضطهدة ؟ .
لا يمكن للسّلّاوي أن يقبل هذه المشيئة و لو كانت صادرة من إلهه ، فلقد حان ميعاد زمنه الخاص للإلتحاق بمن يفكر مثله و يرغب في الحرية مثله و يهاجم مثله ، بالثوار الذين غابوا طويلا ثم نهضوا من سباتهم عند قيام محروسة الفرنسيين .
إنه يعذب كل من يعرفه سواء أعدائه مهما تعددت مشاربهم و كذلك أهله و محبيه ؟ إنه رجل الدقيقة الضائعة لا يستطيع أن يبرح مكانا حتى يهرع لمكان آخر ، و يبدو أن دوجة المسكينة ليست بالقدر الكافي الذي يمنحها القوة في تحمل هذا العدّاء و سرعته القصوى ، ماراتون يوميّ في كل مكان و وقت .

– دوجة : كيف تحملت هذه الفتاة كل مآسيها مع مآسي المحروسة كذلك ؟ مواراة التراب على كل أفراد عائلتها و التشرد في الطرقات ثم اغتصابها و تجرعها كل يوم هواء المبغى مع تغير جلود رواده ؟
هل هو انتقام إلهي على أمر تجهله أم أنها مشيئته مجددا ؟
لم يكن أي أحد في حاجة لسماع حكايتها من البداية بل إن وقتهم يكفي فقط لإطلاق الأحكام الأخلاقيّة عليها و رجمها بالكلمات ثم تجاهل معاناتها .
في الحقيقة ، هناك مسيح آخر لكن من المور يدافع عنها و يبدو أنه أسمر و يؤمن بمحمد كذلك ، يعترض طريق الفَرِّيسيِّين***** محتكري محبة المحروسة ، المُدَّعِين أنهم أكثر حبا للمدينة و الإله من فتاة مبغى باعت جسدها ؟ لكن لمن ؟ لهم ، هم نفسهم . يدافع المسيح الأسمر عن هذه المرأة ؟ من منكم يا أوغاد بلا خطيئة ؟ رجال و نساء المحروسة عبيدها و مستبديها ! .
هل كان الرجال يعتقدون أنهم أكثر حبا و إخلاصا من النساء فقط لأنهن يعشن في مبغى جنسيّ ، مجبرات مقهورات ، يقدمن أجسادهن كما يقدم الرجال لهن أجسادهم و فوق هذا مالهم ؟ ألا يكفي هذا لمعرفة الحقيقة حول من يحب المحروسة حقا ؟ أم أن الفَرِّيسيِّون دوما يربحون بالغش ، يصلبون الرب و يشتتون تلاميذه .

إعلان

– الأتراك ؟ هؤلاء الذين لا يقتلون على يد العدوّ بل بين بعضهم البعض طمعا في الخلافة ، هم عطوفون وقت يريدون ذلك لكنهم باردين كالجليد في معظم الأوقات ، عاشقي الضرائب و المساجد أيضا ، أصحاب المزاجية العثمانيّة
ساكن المحروسة فيها يبدو من الأقليات دوما ، صاحب الدرجة الثانية ، لكن على الأقل ينبغي عليه أن يكون شاكرا دوما فاليهود أسوأ حالا منه ، يجب عليه خدمة أسياده و تقبيل يد الباشا و شكره كل يوم في صلاة خاصة به أثناء كل فرصة يراه فيها ، فكما يقولون كل من سبق الباشا كان أسوأ . لهذا على الموري دوما أن يشكر الأسد الذي لم يقتله بعد ، هكذا الشكر في المحروسة .

رواية الديوان الإسبرطي لعبد الوهاب عيساوي ، الصفحة 111

– الفرنسيون ؟ بورمون قائد الحملة على الجزائر يقول أن هدفه ما هو إلا نقل بضائع الحريات و التنوير إليها ، كافيار المنتقم الذي يتوق إلى صفقة منح سلاسل العبودية للمحروسة مقابل الدماء ، القنصل دوفال خبث الخبيث و شهوة المناصب و المال ، ديبون رجل المسيح البريء و الطيب ، الجنود عبيد المادة و الأهداف المجهولة المتعددة . كل هذا يعطي منهجا تفكيكيا لدواعي الإحتلال بدءا من قرار الملك الأعلى إلى رجال الحملة و الجيوش ثم جنود الشطرنج . كل يغني في ليلاه سواء استقامت نواياه او انعرجت به إلى الشيطان .

– القبيلة ؟ قوة القبائل و الأعراب مع الصحراويّين لا يمكن أن تنسي المحروسة صلابتها و مجدها العتيد ، رغم كل الخضوع و انحناء الظهور الذي أجبروا عليه . فمثل هؤلاء الناس يعيشون لوحدهم من دون أنوف تحشر ، مستقلّين عن أي صداع و شقيقة ، مبعثرين ، لكن وقت الآلام تراهم يجتمعون لخلق ترياق أبدي .

– الدين ؟ لعبة السياسة و الخلافة دوما ، تدين العوام ذلك الدين الذي لم يحتكره كبار الصوفية و قطفوه لهم مثل فاكهة الصيف و الشتاء تتساقط على قفف عقولهم ، كرامات الأولياء و التبرك بالصالحين ، على الأقل قد حلوا محل الإله ، كان أهل المحروسة يثقون بهم أكثر منه .

– المرأة ؟ تراها في كل المحروسة ، تلك القويّة و المضطهدة في نفس الوقت سواء كانت الثروة تغطيها من رجليها أو الفقر ينهشها ، هي في مركز واحد دوما تابعة للرجل أرادت أو لم ترد ، تشتاقه و تنتظره و تقف معه ، قضيته مهما كانت هي قضيتها كذلك و لو سرقها من أصابعها و ادعاه لنفسه .
تستمر سلسلة التبعية طلوعا إلى الحاكم لكن تظل هذه المرأة دوما معطاءة و ساذجة جدا و راضخة أحيانا . هي متديّنة أكثر من إمام المسجد نفسه و صوفية أكثر من كل متصوف .
بغايا المبغى وبائعات الهوى و الحزن كذلك ، أولئك الملعونات من الرجال و المحبوبات من الرجال أيضا ، كن شجاعات بل أكثر شجاعة حين حملن السلاح و نسين كل الأوجاع التي تلقفوها بجسد جريح من رجال هذا الوطن الذي تخدش كرامته الآن .
تبدو المرأة دوما جميلة و طاهرة رغم كل التراجيديا التي كتبت لها قهرا ، في لحظات الضعف تكون أقوى من الرجل أما في لحظات القوة فينسحب الرجل خوفا و صدمة .

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.