تأخذك إلى أعماق الفكر

ما علاقة الجن بالإنس؟

يشيع بين المسلمين خرافات شتى عن الجن، منها أن الجن قد يتجسد في صورة إنسان مرئي. وقد يتلبَّس إنسانًا، ويسيطر على جسمه، ويتكلم بدلًا عنه. وقد يمنع الجن الرجل أن يجامع زوجته. وقد يتزوج الجن من امرأة!

وأسباب ذلك إما لأن الجن أراد إيذاء إنسان ابتداءً بلا سبب، أو لأن الإنسان سبق وقد آذى الجن، فينتقم الجن ويؤذي الإنسان، أو لأن الجن مسخَّر من ساحر وجَّهه لإيذاء إنسان!

ويذهب البعض إلى سَحَرَة لاعتقادهم بأن السحرة يستخدمون الجن في إيذاء البشر، أو معرفة الغيب، ويذهب آخرون إلى شيوخ لإخراج الجن من الإنسان عبر طقوس خاصة من ضرب المريض، أو تعنيفه، أو قراءة القرآن أمامه، أو قراءة القرآن على مياه ثم يشربها المريض! ويزداد هذا الاعتقاد رسوخًا عند الاطلاع على حالة مريض مُقرَّب.

وكل هذه الخرافات تجتمع تحت معتقد عام وهو الإيمان بقدرات خارقة للجن.

وقد ادَّعى ابن تيمية الإجماع على إمكانية تلبس الجن بالإنس، فقال: “وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع”(1)!

إعلان

وليس هذا الاعتقاد حكرًا على المسلمين، بل هو شائع بين المسيحيين واليهود!

هل الجن موجود؟

عقلًا، وجود الجن ليس مستحيلًا، وليس واجبًا، بل هو ممكن. لكن لا يستطيع العقل استنباط وجود الجن، ولا استنباط صفاته، لذلك كل ما نعرفه عن الجن مصدره الوحي الإلهي فقط.

قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).

(وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ).

(وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا).

(يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ).

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي)

إذن فالمصادر لا تمدنا إلا بصفات قليلة عن الجن: الجن هي كائنات عاقلة مخلوقة من نار، منها المؤمن والكافر، وتتزاوج فيا بينها ولها ذرية، وتوسوس الشياطين للبشر.

وجدير بالتحذير أن كثيرون لا يعجبهم فقر المعلومات، فيجتهدون لسد الثغرات، وفتح الأبواب، وإجابة الفضول، حتى لو كان بغير هدى ولا دليل، فيسألون: كيف يوسوس الشيطان؟ هل يتزوجون؟ أين يعيشون؟ ماذا يأكلون؟

وفتشوا في قصص الديانات الأخرى، وأضافوا الأحاديث ونسبوها للنبي لترضي فضول السائلين، حتى تراكمت خرافات هائلة عن الجن!

فأصبح وجود الجن في المعتقدات الشائعة أكثر حضورًا من الملائكة، رغم أن الإيمان بالملائكة من أصول الإيمان، بينما الإيمان بالجن ليس كذلك!

ولما سكت النص عن هذه الأسئلة، فيجب الوقوف عندها، (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).

هل يعلم الجن الغيب؟

1. قال تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ).

تثبت الآية أن سليمان رغم موته، وجمود جثته أمام الجن، إلا أنهم لم يعلموا ذلك!

وتنص صراحة ووضوحًا وقطعًا على عجز الجن عن معرفة الغيب: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ).

ولا تثبت الآية فقط أن الجن لا يعلمون الغيب، بل في الآية استهزاء وتسفيه من قدرات الجن ومعلوماتهم، فكيف جهلوا موت سليمان رغم أنه أمامهم؟! فما بالك بما يغيب عنهم؟!

2. وقال تعالى: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا).

وهو قول فصل وحكم قطعي على لسان الجن أنفسهم بأن الجن لا يعلمون الغيب، ولا يسترقون السمع، ولا يعلمون ما هو خير للبشر وما هو شر لهم. وبذلك يفطم القرآن البشرية عن حقائب من تاريخها كانت تتعكز على السحرة والكهان بحجة أن الجن يمدوهم بالغيب.

هل يسخِّر الإنس الجن ويروهم؟

1. قال تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا).

قالوا إن الآية تثبت أن الإنس كانوا يستعينون بالجن!

لكن يفسر ابن عاشور الآية فيقول: “المشركون في الجاهلية إذا سار أحدهم في مكان قفر ووحش، كانوا يتوهمون أن الجن تسكن القفر، ويخافون تعرض الجن والغيلان لهم وعبثها بهم في الليل، فكان الخائف يصيح بأعلى صوته: يا عزيز هذا الوادي، إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك، فيخال أن الجني الذي بالوادي يمنعه .. وهي أوهام وتخيلات.

والذي أختاره في معنى الآية أن العوذ هنا هو الالتجاء إلى الشيء والالتفاف حوله. وأن المراد أنه كان قوم من المشركين يعبدون الجن اتقاء شرها. ومعنى (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) فزادتهم عبادتهم إياهم ضلالًا. والرهق: يطلق على الإثم”(2).

إذن فالآية تنقل تخيلات وأوهام المشركين قبل الإسلام، وتقر أن هذه الأوهام زادتهم رهقًا، حتى جاء الإسلام ونفى كل هذه الضلالات وأصبح المسلمون لا يستعيذون إلا بالله.

2. قال تعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ).

استدل البعض بالآية، باعتبار أنه كما سخر سليمان الجن، فوارد أن يسخرهم أي شخص آخر، لكن الآية حجة عليهم لا لهم؛ إذ تثبت أن تحكم سليمان في الجن كان معجزة فريدة من نوعها، لا ينبغي لأحد من بعده أن يتمكن منها، فقال سليمان: (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي)، وبذلك فالآية دليل ينفي سيطرة الإنس على الجن من بعد سليمان، ولو استطاع البشر العاديين تسخير الجن، فما قيمة معجزة سليمان؟!

3. قال تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ).

حين اتهم كفار قريش النبي بأنه تتنزل عليه الشياطين، ومنهم ينقل القرآن، نزلت هذه الآية لتشير إلى أن طبيعة الرسول الصادق الأمين تتنافى مع نزول الشياطين، وإنما يتناسب نزول الشياطين مع الكهنة الكذابين، الذين يستمعون للإفك والضلال، ويدَّعون كذبًا معرفة الغيب.

4. قال تعالى: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ)

وهو دليل قاطع بأن البشر لا يمكن أن يروا الجن، فكيف يستعين البشر بالجن وهم لا يرونهم؟!

يقول ابن حزم: “إذا أخبرنا الله عز وجل أننا لا نرى الجن، فمن ادَّعى أنه يراهم أو رآهم فهو كاذب، إلا أن يكون من الأنبياء، فذلك معجزة لهم”(3).

ويقول الزمخشري: “وفيه دليل بيِّن أن الجن لا يُرون، ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأنَّ زعم من يدَّعي رؤيتهم زورٌ”(4).

ويقول الشافعي: “من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن، أبطلت شهادته، إلا أن يكون نبيًا”(5).

وقد أنكر الجصاص استعانة البشر بالجن لتنفيذ مطالبهم(6).

5. قال تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا)

تدل الآية على أن النبي نفسه لم يرَ الجن، ولم يعلم باستماعهم إليه إلا بالوحي. فكيف يدَّعي أحد رؤية الجن وتواصله معهم؟!

6. لو تمكَّن إنسان من رؤية الجن وتسخيرهم وتشكيلهم في صورة بشر لاختلط علينا تمييز المعجزة، فلعل هذا النبي صاحب المعجزة هو جن تشكَّل في صورة إنسان، ولعل هذه المعجزة نتاج تسخيره لجن خرق قوانين الكون!

7. لو تمكَّن بشر من تسخير الجن لكانوا أغنى الناس، وأشهرهم، وأقواهم على الإطلاق، لكنا نجد مدَّعي ذلك أفقر الناس، وأجهلهم، وأضعفهم، إلا من استطاع إقناع حفنة من الجهلاء واستلاب أموالهم.

إذن فتسخير البشر للجن ورؤيتهم لا يحدث إلا معجزة من الله يجريها على يد النبي، وقد أجراها الله تعالى على يد سليمان فقط.

هل تتلبس الجن الإنس؟

1. (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا).

يشبِّه الله حال المرابي حين يُبعث من قبره بالمجنون الذي مسَّه الشيطان، فهو يتخبط عشوائيًا.

اعتَبَرَ البعض أن الآية تقر أن الشيطان يمس البشر ويتلبسهم ويصيبهم بالصرع!

لكن يجب الإشارة أولًا لمضرب الأمثال في القرآن وفي النصوص عمومًا ..

حين يريد المتكلم استحضار صورة ذهنية في نفس المستمعين فهو يستخدم مثلًا شائعًا ومعروفًا عندهم. وليس بالضرورة أن يكون المثل الشائع صحيحًا في ذاته، لكن المهم أن يحقق المثل الحالة النفسية المطلوبة، ولتحقيق ذلك يجب أن يستخدم المتكلم المثل طبقًا لتصورات المستمعين.

مثلًا يمكن أن أقول: “امرأة وجهها يشبه ضياء القمر”، فرغم أن القمر ما هو إلا جسم معتم، لكن الصورة الذهنية عند المستمعين أن القمر مضيء وجميل، وتشبيه المرأة بالقمر يفيد استحضار صور الجمال والضياء. فأنا لم أقل هنا: إن القمر مضي، بل استخدمت الصورة الشائعة عن القمر للإشارة إلى جمال المرأة.

ومثلما أقول لرجل أمريكي: “عمر بن الخطاب هو نموذج عادل في تاريخنا نحترمه مثلما تحترمون إبراهام لينكولن”، فأنا لم أقل: إن إبراهام لينكولن كان عادلًا، ولم أنفي ذلك، بل فقط أستخدم الصورة الذهنية لاحترامه عند المستمع لأسقطها على عمر بن الخطاب.

ويقول تعالى: (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ)، فرغم أننا لم نرَ الشياطين، ولا نعلم أن لها رؤوسًا، لكن الصورة الذهنية عند عموم الناس عن (رؤوس الشياطين) هي صورة بشعة ومرعبة، وهو المطلوب تصوره عن شجرة الجحيم. ولم تقل الآية: للشياطين رؤوس بشعه!

ويقول امرؤ القيس :”ومسنونة زرق كأنياب أغوال”، ولا يوجد في الحقيقة غول، لكن يوجد تصورات لبشاعة الغول .

وبذلك يتبين أن استخدام الأمثال لا يعني إقرار صحتها، بل يعني فقط استخدام الصورة الذهنية الشائعة عن المثل.

كذلك فالآية هنا تشبِّه المرابي وهو يُبعث من قبره بالمجنون المتخبط، الذي تقولون عنه أنه مسَّه الشيطان. ولا يعنينا صحة أو خطأ هذا التصور الدراج، فلم تشر الآية إلى حقيقة مس الشيطان للإنسان، بل تستخدم هذا المثل لاستحضار صورة الجنون والتخبط.

يقول محمد رشيد رضا: “التشبيه مبني على أن المصروع الذي يُعبَّر عنه بالممسوس يتخبطه الشيطان، أي أنه يصرع بمس الشيطان له، وهو ما كان معروفًا عند العرب وجاريًا في كلامهم مجرى المثل”(7).

2. قال تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ).

اعتبر البعض أن الآية دالة على قدرة الشيطان على إصابة أيوب بالمرض والعذاب!

لكن قبل شرح الآية، لا يمكن تصور أن يتمكن الشيطان من نبي الله؛ لأن في ذلك خرق للعصمة؛ إذ كيف يتبع الناس رجلًا يتلبسه جن ويصيبه في جسده وعقله؟!

كما أنه خرق لدلالة المعجزة؛ فالمعجزة دالة على تصديق الرسول وأنه مبعوث من الله ويبلغ عنه رسالته بصدق ودقة، لكن تلبُّس الجن بإنسان دال على أنه لا يتحكم في جسده ولا عقله ولا كلامه!

فإثبات تلبُّس الجن بأيوب يلزم عنه إنكار نبوته وتوقفه عن البلاغ!

أما معنى الآية فالمراد أن الشيطان وسوس لأيوب بأن ينفر من ابتلاء الله وأن الله لا يحبه، ولذلك تركه في مرضه يتعذب وحده. هذه الوساوس الشيطانية كانت تزيد عذاب أيوب وخشي أن تتمكن من قلبه، فدعى ربه: إني مسني الشيطان بنصب وعذاب.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: خالد باظه

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.