تأخذك إلى أعماق الفكر

لماذا لم يتطور الفكر السياسي في المجتمعات الإسلامية؟

عرف التاريخ الإسلامي حضارة لا يماري مفكّر أو مؤرخ في الاعتراف بجميلها وبإسهامها في الثقافة الإنسانية، وتقدمها في حدود زمنها، حيث تطورت مجموعة من العلوم على يد المسلمين بعد تأسيس بيت الحكمة في بغداد وترجمة العلم اليوناني، فنبغ في العلم مجموعة من الباحثين ليس أقلّهم عمر الخيام وابن الهيثم وابن سينا والفرابي وابن رشد، إذ أنّ الملاحظ أنّ فروع العلم التي أبدعوا فيها سقط من ركابها “علم السياسة“، فلم يطوّر المسلمون فكرًا سياسيًا كما لم يشيّدوا نظريات سياسية، ولم يحمل وطيس نقاشهم حول السياسة تحليلاً ونقدًا وبناءً، كما كانت تحمي النقاشات حول الدين والعقائد فروضًا وأصولاً، وإنما كان المسلمون يتعرضون للسياسة من باب ثبات الحاكم عن الشريعة أم انحرافه عنها، لعل ذلك ما يزج في أذهان الباحث سؤال أسباب كساد الفكر السياسي عند المسلمين؟

حتى لا نتعسف حقوق بعض الأعلام، فقد يعترض أحدهم ويحيل إلى الفرابي ومدينته الفاضلة، أو إلى ابن خلدون وتحليلاته عن الدول والمَلكيات، غير أنّ ذلك في الواقع لا يعتبر مساهمة في النظرية السياسية، فمؤلف الفرابي يدخل في باب “اليوتوبيا” أو الخيال، فهو كتاب في المتمنيات والأماني وليس هو بنظرية سياسية، أما عن ابن خلدون فإنّ إسهامه متعارف بين الباحثين بانضوائه تحت خانة التحليل التاريخي والسوسيولوجي للحياة السياسية وأحوال الحضارات، وما هو تحليل عن الفكر أو التنظير السياسي بقريب(1). و هذا “عبد الله العروي” يؤكد ذلك قائلاً: “إنّ مسألة الدولة وهي أسّ ومحور علم السياسة لم تدرس جديًا إلا من طرف عدد قليل من المفكرين، إن التفكير في مشاكل الدولة شيء، وتقديم نظرية سياسية بشأنها شيء آخر، فما أكثر من فكر، وما أقل من نظر في الموضوع” (2).

إضافة إلى ذلك، ونظرًا إلى أسبابٍ سنعرضها آتيًا، جاءت مساهمة المسلمين فيما يتصل بالشأن السياسي -على ضيقها ومحدوديتها- منطبعة بما هو ديني طوباوي وليس بما هو فكري عقلاني، فلو بحثنا في التراث السياسي الإسلامي سنجد 3 أشكال من المصنفات في هذا الشأن: 1) مصنفات “الأحكام السلطانية” ككتاب الماوردي تحت نفس العنوان، 2) ومصنفات “الآداب السلطانية” ككتاب “التبر المسبوك في نصيحة الملوك” للإمام أبو حامد الغزالي، 3) ثم مصنفات “السياسة الشرعية” على غرار كتاب ابن تيمية “السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية”، وكتاب “الطرق الحكمية” لصاحبه ابن القيم، إذ أن هذه المصنفات لا يجمعها كما هو واضح نسق فكري وإنما تصوغها المعتقدات الدينية لأصحابها، وبذلك فهي ليست بفكر ولا تنظير سياسي، إن هي إلا انعكاس للإيمان اللاهوتي الذي هو جزء مما يفترض دراسته علميًا، لا الاستمداد السياسي من عقائده، التي هي جزء من المشكلة السياسية والثقافية في الفضاءات الإسلامية، إن لم أقل أنّ مسألة الإيمان الديني وسلطانه الأسطوري على عقول الناس هي أكبر معضلة وعائق أما تحقيق أي إنجاز دنيوي في هذه المجتمعات.

عكس ذلك تمامًا، سنجد في المجتمعات الأوروبية عدة فلاسفة ومفكرين وعلماء ومدارس يَجلُّ عدّها وتعدادها، من يونانية ورومانية مرورا بالأنوارية وما توزع عنها من مدارس كالليبرالية والاشتراكية والماركسية، فضلاً عن المفاهيم والتيارات وأنماط الحكم السياسي التي أبدعتها هذه المدارس، من قبيل الديموقراطية بأنواعها التمثيلية والتشاركية، إضافة إلى العلمانية وأصنافها، والفوضوية (الأناركية) وأضرابها، وغيرها من إنتاجات الفكر السياسي الأوروبي الخصيب. فما هي أسباب تطور الفكر السياسي عندهم وتعوقه وتنحّيه عندنا؟

 

مفهوم العلم.. وسؤال الـ “مَن” في مقابل سؤال الـ “كيف”

أول ما يثير اهتمام الباحث في مسيرة استقصاء هذه الأسباب، هو ما يتصل بمفهوم “العلم” نفسه، فمفهوم العلم في المجتمع الإسلامي يحيل إلى اليوم في مخيلة هذا القوم، على من يحفظ ويجترّ ويبحث في الدين بمنهج لاهوتي، وليس من يبحث في الطبيعة وظواهر الوجود بمنهج ناسوتي، فالدين عند المسلمين هو العلم بل هو أصل وأشرف العلوم، وما على المسلم إلا أن يحفظ آيات وأحاديث ويتمشيخ على يد من سبقوه حتى يُطلق عليه لفظ “عَالم”، فحسب الفقهاء تعريف العلم عند المسلمين هو: “ما أنزل الله على رسوله من البيانات والهدى، فالعلم الذي فيه الثناء والمدح هو علم الوحي، علم ما أنزله الله فقط قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (3)، كما قال النبي: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (4)، ما يعني بكل وضوح أن العلم في عُرف المسلمين ليس شيئًا آخر غير الدين نفسه.

إعلان

وهذا عكس مفهوم العلم في الحضارة الغربية وفي زماننا العولمي الراهن، فالعلم عندهم (الأوربيين يعني) هو: “كل نسق من الاستنتاجات النسبية التي تقع في أثر البحث بمنهج تجريبي (لاديني) في ظواهر الطبيعة والوجود” (5)، من مجتمع وثقافة وتاريخ واقتصاد وسياسة إلى الفلك والفيزياء وعالم الحيوان ووظائف الأعضاء وغيرها، ومن ينبغ في هذه العلوم يسمى عالمًا، وليست تطلق هذه الصفة على من يحفظ الكتب المقدسة لأحد الأديان ويقيس المسائل على عقائدها أو يفسر ظواهر الطبيعة طبقًا لأساطيرها.

إنّ المسلم في تأمله للواقع، يبحث عمّن يُجري الظواهر وليس كيف تجري؛ أي يبحث عن السؤال الذي يكون جوابه الله والمقدسات التي يؤمن بها، وبهذه الطريقة يكون العلم ليس هو ما به تتغير العقليات والأفكار التي تترسب في أذهان الناس، وإنما العلم عند المسلمين هو ما به تنحفظ وتتعزز إيمانياتهم ومقدساتهم، وهو ما يُفقد العلم قدرته التغييرية حتى للواقع، والشاهد على ذلك أنّ العلوم الشرعية الإسلامية منذ القرون الوسطى لم تستطِع تغيير الوضع المتخلّف لهذه الأمة، كما أنّها فشلت في المساهمة على الأقل في الانتقال بهذه الشعوب إلى حدٍّ أدنى من الإنسانية والتحضر، فهوى بهم فهمهم لعلوم الشّرع إلى أقصى أذران التعصب والهمجية والإرهاب والتخلف، فلم يكن يظهر على الناس نَابغةٌ إلا ويزندق ويفسق ويكفر من طرف عُلماء الشَّرع، ويسارع أهل الجهل بالتقرب إلى الله بقتله أو تشريده وحرق كتبه، ولعل ذلك أحد عوامل انحباس الفكر السياسي في الفضاءات الإسلامية عن التطور.

هذا يبيّن افتقار الفضاءات الإسلامية إلى أحد أهم شروط الإبداع سواء في العلوم السياسية أو غيرها، وأقصد هنا “شرط الحرية“، فكلما تحرّر الإنسان من ثقافة مجتمعه وأحكامها المسبقة، ومن دينه وعقائده الأسطورية، ومن كل ما عَلَفهُ عقله عن طريق التربية منذ فُتُوَّتِه، كما كلما تحرر الإنسان من كل السلط المسلطة على عقله، خصوصًا سلطة من يحكمه أو يراقب سلوكه وينمّطه وفق قوالب جاهزة؛ يطير عقل الإنسان إلى مجاهل لم يكن يعرف عنها إلا أنها كانت غير موجودة، جرّاء أنها كانت لا مُفكَّر فيها في حالة خضوع عقله للموروثات واليقينيات الدوغمائية التي تَلقنها، أو بسبب الحصار الذي تضربه إيمانياته المقدسة عن عقله. وبالمقابل كلما كثرت حول الإنسان المراقبات والتحذيرات والديماغوجيات المحاصرة لعقله، إلا ويركد عقله ويتكلس تفكيره، فتسقط عنه صفة الثقافة ويركن إلى طبيعيته لا يختلف في ذلك عن غيره من الكائنات الطبيعية نوعًا ودرجةً.

بناءً على ذلك، فلو بحثنا عن “الحرية” في المجتمعات الإسلامية ماضيًا وحاضرًا، سنجد أنّ هامشها ضيق جدًا إلى حدٍّ قد لا يستطيع أحد تلمّس مظاهره بالكلية في معيش هذا القوم. فكم من فيلسوف قُتل في أثر أفكاره، وكم عَالم نُفي بسبب نظرياته، وكم كاتب سُجن بسبب مقال، وكم مبدع وُئِد تبعًا لانتشار إبداعاته في أمصار هذه العشائر! فكلّ هؤلاء تعرّضوا للخطر تبعًا لإنتاجاتهم في حقول بعيدة جدًا عن السياسة، فما بالك بمن يكتب ويبحث محللاً في دهاليز المماليك ودور الإمارة وقصور الخلفاء الذين اتصفوا بالظلم والجور؟! فماذا يمكن أن يُفعل بهذا المسكين، غير أن يُضرب عنقه وتُسمل عيونه وتُقطع أوصاله وتُصلب أطرافه، ويُكفَّر؟ الأمثلة على ذلك كثيرة حول من عارضوا السلطة الإسلامية واسْوَدَّ مصيرهم، وليس أقلّهم سِبط رسول الله “الحسين بن علي” الذي ذُبح ومُثّل بجثته لأنه عارض سلطة الخليفة. هكذا إذن فالفضاءات الإسلامية وعشائرها تفتقر إلى أهم شروط تطوير الفكر والإبداع، ألا وهو “الحرية“، لذلك لازالت العقول في سبات عميق لأكثر من 9 قرون.

زد على ذلك، “اعتبار المسلمين أنّ لِدينهم نظرية سياسية، وأنه يُحدد شكل الحكم وقواعد التسييس“، حيث ينظر المسلمون إلى هذه النظرية بطريقة مقدسة، ويعتقدون أن دينهم كفاهم التنظير السياسي، فهناك نظرية سياسية جاهزة لا يُتعامل معها إلا على سبيل التطبيق، إن هي ليست في حاجة إلى تحليل ونقد لأنها نظرية إلهية في السياسة، فليس من ينتقدها إلا وقد كَفَر، وعلى هذا دأب المسلمون في تاريخهم لا يُحَلِّلون واقعم السياسي ولا يقترحون بديلاً عن حكم الخلافة المقدس، الذي جرّ على هذه الأمة كل أنواع الوَيْلاَت والخراب، فإلى اليوم يعتقد المسلمون أن تأسيس دولة مدنية حديثة فيها مفصولة السلط ومتمايزة فيها حقول المجتمع، والدين فيها للناس لا للحُكم، والحرية والمساواة مكفولة فيها للجميع، والعدل والقانون فيها قائم لا يستثني أحدًا، كل هذا عند المسلمين حرام إن لم تقام عليه دولة إسلامية تطبق الشريعة أو قانون القرون الوسطى، هكذا فلم يجتهد المسلمون في مبحث النظرية السياسية، وذلك بسبب وهم مقدّس يعتقدونه، ومفاده أنّ الإسلام هو نفسه السياسة والعلم والعبادة والقانون والحقوق وكلّ شيء، ومَن عنده كلّ شيء وغير محتاج إلى أي شيء، هل يفكّر؟! طبعًا لا، فلا يفكر إلا من يشعر بالحاجة ويستشعر النقص.

إضافة إلى ذلك، بالحريّ في رأينا جواز اعتبار “العقيدة الإسلامية” كما يؤمن بها بعض المسلمين، أحد أهم عوامل تثبيط فاعلية العقل، ما يحول دون الإبداع في العلم أو غيره، وهذا قد لا يروق للبعض، ويعترضون بكون الإسلام دعى إلى استعمال العقل وممارسة التأمل في الخلق والموجودات، غير أنّ المدقّق سيجد أنّ استعمال العقل هذا والتأمل والتفكر لا يجري على ما يُفهم عادة من التفكير العلمي أوالفلسفي، وإنما التفكير الذي يصل بصاحبه إلى تعظيم الصنعة والخلقة؛ فيؤمن بالإله (الإسلامي)، وهذا يستتبعه الإيمان بالدين (الإسلام). لذلك ما إن يصل العقل هذا المُراد حتى تُرفع أمامه كل إشارات التوقف، وما أن يتجاوز ذلك حتى يتم تكفير صاحبه، إذ أنّ دعوة الإسلام إلى التفكير مشروطة بطرح سؤال “من يُحدث الأحداث؟” و”من يَصنع الصنائع؟” و”من يَخلق المخلوقات؟”.. أي السؤال الذي ينتهي بصاحبه إلى “الله” وبعده يتوقف العقل، وذلك دون طرح سؤال “الكَيْف” الذي هو سؤال العلم التجريبي، أي كيف خلق الخالق المخلوقات؟ كيف صنعها؟ كيف يُجري الأحداث؟ كما كيف وجد هو نفسه، ومن أوجده؟ وكيف أوجده؟

أكيد أن هذه الأسئلة كُفرية ولا يطرحها إلا الزنادقة في نظر كثير من المسلمين، فنجدهم لا يصدّقون النظريات العلمية التي تجيب عن سؤال “كيف خلق الكون؟” كنظرية الانفجار العظيم، كما أنهم من أشدّ المعارضين والرافضين للنظريات العلمية التي تجيب عن “كَيْف خُلقت الأنواع الطبيعية ومنها البشر؟” كنظرية التطور لصاحبها تشالز داروين.

الذي نريد أن نوضّحه -قبل ضرب الأمثلة والشهود على ما ذكرناه- هو تبيان أنّ سؤال العلم إبستيمولوجيا يتحدد بما هو “كَيْفِي“، أي السؤال عن “كيف تتشكل وتجري وتستمر الظواهر الطبيعية والاجتماعية والسياسية وغيرها؟” هذا هو سؤال العلوم، وبما أننا نبحث في أسباب تخلّف علم السياسة عند المسلمين، فحريّ بنا أن نسأل: هل طرحوا سؤال “كيف تظهر وتجري وتستمر الظاهرة السياسة، وما هي العوامل المتحكمة في سيرورتها؟”، أم طرحوا سؤال “من يُحدث الظاهرة السياسة ويُقَدِّر أطوارها من غير البشر؟”. وبهذا سيتكشف لنا في النهاية أنّ أكثر المسلمين لا يطرحون أسئلة علمية أصلاً كي يطوروا علمًا كعلم السياسة.

أمثلة من التاريخ

ابن الجوزي وحدود التفكير

سيجد الباحث في التراث الإسلامي خصوصًا الفقهي منه، مصنفات الكثير من الأعلام التي من خلال الاطلاع عليها يظهر للقارئ النسق العام الناظم لنمط تفكير المسلمين الديني، ونستحضر هنا أحد هؤلاء الأعلام، وهو “جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي” وما عبَّر عنه في كتابه (صيد الخاطر) فيما اتصل بموضوعنا هذا، فابن الجوزي من الفقهاء الذين أكثروا من نصب العراقيل والمعترضات على العقل وتفكيره المنطقي، إذ خصّص في كتابه هذا ثلاثة فصول على الأقل للرد على “علم الكلام” والمشتغلين به (6)، ومعلوم أنّ علماء الكلام هم من يجسّدون الفكر الحرّ وشبه العقلاني في التاريخ الإسلامي، حيث استعملوا العقل بالضوابط الفلسفية والمنطقية التي تطورت في زمانهم عن أصلها اليوناني، وهو ما أثار حمية الفقهاء ضدّ علم الكلام والفلسفة (7) ، لأنهما عِلمين يستعملان العقل بضوابط المنطق والفلسفة وليس بضوابط الدين، وهو ما تنتج عنه أفكار متضاربة تطعن في الدين لو انضبطت لمنطق الفلسفة، أو تطعن في الفلسفة والمنطق لو انضبطت لقواعد الفقه والدين.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.