تأخذك إلى أعماق الفكر

لماذا تعد فترة التعليم الثانوي هي الأهم في كل جوانب الحياة لدى الكثيرين؟

منذ عصور ما قبل التاريخ، كانت فترة المراهقة هي الفترة الوحيدة القادرة على تحديد مصير حياة الفرد سواء من الناحية الاجتماعيّة أو الماديّة أو حتى المعنويّة والنفسيّة. فكان المراهق الأقوى والأدهى هو المرجح لكونه صيادًا بارعًا، أو قاتلاً ماهرًا، أما الضعيف قليل الحيلة فكان جليًا للجميع أنّه لا مكان له بين كبار القبيلة.

كما أن الحياة الاجتماعيّة كانت أكثر أهمية عن عصورنا الحالية، فكان يعد كالحكم بالإعدام إن حكم على أحدهم بمفارقة القبيلة، فنظام الجماعات كان أساس البقاء البشري، وبالتالي فالمراهق الذي لا يملك جماعته وشهرته الخاصة، ليس له نصيب من البقاء. ألا تبدو قصة رجال الكهوف تلك مألوفةً في حاضرنا؟

لطالما تساءل علماء علم الاجتماع على طول العصور عن ماهية السلوك البشري، لماذا تحب معظم الفتيات اللون الوردي؟ لماذا يحب معظم الفتيان أن يكونوا أقوياء البنية؟ والعديد من الأسئلة على نفس الغرار، لكن بلا جدوى. حتى ظهر علم النفس التطوري، والذي وضع نظريته في كون كل تلك التصرفات عائدة لرجل الكهف الذي عاش في قديم الأزل، حين كانت تجمع الفتياتُ التوتَ البري، وكان الفتيان لائقي البنية للقدرة على الصيد والمطاردة. وهذا ما يعيدنا أدراجًا لحوارنا الأصلي، لماذا نعتبر فترة المراهقة “التعليم الثانوي” أهم أطوار الحياة؟

ربما لا أكون منصفةً لحد كبير، لكوني حديثة التخرج من مرحلة التعليم الثانوي. مما يجعلني أحكم على هذا الوضع بنوع من القسوة، لكنه يظل يحمل بعضًا من الإنصاف.

إعلان

في البلاد النامية عادةً ما يعادل الاهتمامُ بالسنة الأخيرة في التعليم الثانوي. اهتمامَ المرء بحياته ككل، فالطلاب يتصارعون ليكونوا الأكثر تفوقًا، وآخرون يسعون نحو نيل أكبر قدر من الشهرة بين زملائهم، وعلى الجانب الآخر نجد من يحاول بكل الطرق المشروعة ـوغير المشروعة- الوصول لكليّة ما، بالطبع كلية قمة كما يصنفونها. وفي النهاية ينتظر الجميع نتاج تلك السنة، ليس لكونها سنة التخرج، بل لاعتقادهم الراسخ بأنها نهاية المطاف، وأنها هي القاضي الذي قد يطلقك حرًا طليقًا إلى الأبد، أو يضعك حبيسًا للأبد، وإن هربت منه تكون كما هو الحال، مطاردًا للأبد. لا أعلم على أي أساس بُنيت هذه الفكرة، لكنها نتاج توارث العديد والعديد من الأفكار والتقاليد عبر العصور. فبالفعل كانت نهاية فترة المراهقة في زمان ما تحدد كينونة الفرد للأبد، فالشاب الضعيف قديمًا لن يستطيع نيل قوت يومه، كما أن الفرد المغمور بدون قبيلة في زمن ما كان فريسة سهلة للأسود والقطط والثعالب.

لكن مع التطور التكنولوجي اختلفت موازين الأمور، فأصبحت تلك الفترة بالذات ليست إلا فترة إعداد وتهيئة للحياة العلميّة الفعليّة، فليست كل المهن بحاجة لرجل مفتول العضلات، كما أنه أصبح من السهل أن تنجو حتى وإن كنت منفردًا، فنسبة الخطر لم تعد مثل ذي قبل، والمهن والعلوم والانشغالات الإنسانيّة أصبحت أكثر تعددًا.

ومن الطبيعي أن تجد من هو من غير طبقة المتفوقين دراسيًا في مرحلته الثانوية رجل أعمال مشهورًا أو سياسيًّا ذا منصب لكونه يتمتع بمستلزمات القيادة. كما قد تجد الفتى الذي سخر الجميع منه في الثانوية من ضعفه البدني عالمًا في مجال لا يعرف القوي الذي أصبح لاعب كرة قدم مشهورًا الآن نطقَه حتى، كما قد يحصل صديقك الذي رسب في الفيزياء على جائزة نوبل في علم الكيمياء أو ربما في الأدب. وهذا تحديدًا ما جعل من البقاء مفهومًا متاحًا للجميع، لم تعد حياتنا بريّة، بل أصبحت الحياة أكثر مرونة وتناسبًا مع احتياجاتنا الزمنيّة.

هناك العديد من الأمثلة على ذلك، فجورج بوش مثلًا، كان قد رسب في الكيمياء في المرحلة الثانويّة، ولم يرغب في أن يعلم أحد بذلك، فتسرب من التعليم الثانوي.! ولكنَّه أصبح رئيسًا في يومٍ ما ـسواء اتفقنا معه أم اختلفنا-. ومن أكثر الأمثلة المؤثرة كذلك، جون رودريغز، مؤسس مؤسسة ThinkLexic المدافعة والداعمة لحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في التعليم، خاصةً الذين يعانون من عسر القراءة. فقد كان جون في حد ذاته يعاني من عسر القراءة لكن لم يعرف ذلك إلا مؤخرًا بعد أن كان مضطهدًا في المرحلة الثانوية حتى فرّ منها. كما أنه مؤلف كتاب “High School Dropout to Harvard”، والذي بالفعل انتهى به المطاف بالحصول على درجة الماجستير في تعليم ذوي صعوبات التعلم وإنشاء مؤسسته الخاصة.

قال بيل جيتس:

تعلمت الكثير لكني لم أكن الأول يومًا، والآن هؤلاء الأوائل في أفضل الجامعات هم موظفون لدي.

بالطبع تتساءل عما إذا كان هناك رجل كهف بهذا التطور الذي وصل إليه هؤلاء الناس لكي يواكبوه، ولكن هنا يأتي دور علماء الأعصاب وعلماء البيولوجي ليقولوا كلمتهم الحاسمة، إن توارث الصفات والتطور البشري بشكل عام ليس دافعًا للتخلف ولا هو كفيل بتفسير السلوك البشري، فليس من المنطقي حتى بعد كل هذا التطور أن تظل تفكر بمنظور رجل الكهف، فالعقل به ما يكفي من الخلايا العصبية الكفيلة بجعلك إنسانًا يملك منظوره الخاص عن الحياة، لا مواكبًا للعادات والتقاليد والأفكار الموروثة دون أدنى نظر أو بحث في مدى صحتها.

وختامًا، لا تعد تلك رسالةً تقول إن الحياة بعد مرحلة المراهقة والتعليم الثانوي تكون هي الأفضل والأسهل لكل الأفراد، فالحياة فيما بعد هذه المرحلة تقع على عاتق التمييزات العرقية والمعرفية حسب الذكاء والقيم السياسيّة والمصالح المهنيّة المشتركة والمستوى الاجتماعي كما لم تكن من قبل، مما يجعل في الغالب كثيرًا من مشاهير المدارس الثانويّة ومتفوقيها في مهب الريح ويقلل فرصهم العمليّة، لكن تظل هي الفترة التي تتمكن فيها من اكتساب حريتك في اختيار مسارك القادم واختيار أدق التفاصيل في حياتك كمصدر رزقك ومكانتك الاجتماعية وحتى تكوين أسرتك، وهو الذي لم يكن متوفرًا من قبل. وفي كل هذه الهوجاء وكل هذا الصخب في تلك المرحلة، يبرز فقط ذوو المهارات والمؤهلات الحقيقية للحياة، الذين جعلوا من تلك المرحلة مرجعًا لما هو آتٍ وليس قاضيًا باطشًا يحمل مستقبل أحدهم في قبضته.

المصادر:
Why High School Stays with You Forever (Like It or Not)
Does life get better after high school?
John Rodrigues: “How this high school dropout ended up at Harvard”
Why Many 'C' Students End Up Most Successful
Dissecting the caveman theory of psychology
Stop Trying to Live Like a Caveman
فريق الإعداد

إعداد: آمال رشاد

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...