تأخذك إلى أعماق الفكر

وما العمل؟

0

في منتصف يومٍ عادي في إحدى المدن التي تعد من أكثر الأماكن بمصر تحضرًا وازدحامًا بطبقة ذوي النفوذ والمال، كان أحد الشبان يقف في منتصف ملتقى طريقين يحمل لافتةً كُتب عليها “عايز أشتغل، أنا مهندس كهربا” وتلاها رقم هاتفه بخط عريض. ربما يكون قد مر على هذا المشهد في ذاكرتي قرابة الشهرين، لكنه لا زال حيًا كما رأيته، ما زلت أتذكر عين هذا الشاب التي بدت لي “مكسورة” كما قال أحد السائقين المارين حينها بصوتٍ جهور، في حين أن المارة لم يكفّوا عن التحديق به، بعضهم في أسى وآخرون في سخرية واضحة.

يبدو مشهدًا متكررًا في مجتمعاتنا، لكن لماذا قد يكون هذا حال شاب كدَّ في دراسته؟ ولماذا من الأساس نتبع مثل تلك الأساليب للبحث عن عمل؟ هل لأننا محبطون بما يكفي ليمنعنا من بذل جهد في السعي بالطرق الأخرى أم أنه عجز الدولة عن تقديم الفرص؟ مَن الملوم؟

فلنبدأ أولًا بتمثيلٍ بسيط للأزمة منذ البداية، وككل الأزمات كانت هناك مرحلة ميلاد لتلك الأزمة؛ والتي بدأت مباشرةً عقب ثورة ٢٣ يوليو، وتحديدًا بعد إعلان مجانية التعليم، تلك الأيام الوردية للشباب المصري حين بدأ ولأول مرة يطمح بالمراكز العليا في الدولة، وبدأت العائلات من كل الطبقات المجتمعية تطمح في أن يكون أبناؤها من أصحاب التعليم العالي والمناصب المهمة.

على النقيض قد كانت مصر سلفًا مليئة بالوظائف نتيجةً للتوزيع المنطقي لها وتفاوت الدرجات العلمية والحرفية، ليس لتميز النظام الملكي عن الجمهوري، لكنه تفهُّم المجتمع للثقافة العامة في مرحلة ما بعد الثورة، فالتسرع في عرض مجانية التعليم في مقابل التضحية بالكثير من عوامل الجودة -بمرور الوقت- أدى لتكدس أعداد مهولة في وظائف محدودة وقلة الأيدي العاملة في قطاعات أخرى، مما أدى لخسائر مهولة للمستثمرين ورواد الأعمال في الدولة، وانتهى الأمر بقلة الوظائف بسبب هذا الخلل في منظومة العرض والطلب في الدولة من كل الجهات، فأصبح هناك الملايين من المهندسين والأطباء الذين لا يجدون أماكن كافية لهم، والكثير من الفقراء الذين لم يجدوا ما هو مجاني بعد مرحلة التعليم المجاني فتوقفت بهم سبل الحياة كلها، كما ترك المستثمرون الدولة “تضرب تقلب” بمفاهيمها المتضاربة حفاظًا على ما تبقى لهم من المال.

لم يبدأ انتشار أزمة التوظيف تلك في هذه المرحلة تحديدًا، لكنه يتمثل فيما بعدها؛ صدمة الشباب جديد العهد في هذا المجتمع الهشّ، فهناك هذا الشاب الذي كد واجتهد عمرًا لينال شهادة الهندسة التي أخبره عنها عمه الذي تجاوز الستين من عمره وعن اختلاف حياة أي مواطن عادي ومواطن “باشمهندس”، وكيف أنه سافر مئات الدول وعهد مئات الجامعات في زمالته الجامعية، وبالطبع ذكر له تهافت الفتيات عليه كـ باشمهندس، وكيف كان رأيه هو وزملاؤه مهمًا في الدولة ومسموعًا، ثم ماذا؟ تخرّج صديقنا شابًا يافعًا يرتدي النظارات “كعب الكوباية” لما استهلكته الدراسة من بصره، فيكتشف أنه بلا خبرة، فلا تقبل به الشركات التي قبلت بعمّه من أربعين عامًا، ويجد فرص السفر أقل من فرص التقائه بحب حياته، فهو لا يغطي نفقاته الخاصة حتى لتقبل به أي فتاة، وبالطبع وجد أن جزءًا كبيرًا من أصدقاء دراسته أصبحوا معتقلين سياسيين. في رأيي الخاص إن هذه الفترة من الصدمة بدأت في منتصف مسيرة السادات، لكن الكلام المعسول والقبضة الحديدية ألانوا حدّة الوضع وقللوا من وقع الصدمة على رؤوس الشباب، ليبقوا عالقين ما يقرب الأربعين عامًا بمسميات الأمل بحياة أفضل والعشم و”الأكل بمعلقة دهب”.

بالطبع يقع اللوم الأكبر هنا دومًا على نظام مبارك، لكنه في الحقيقة لم يكن مختلفًا عن سالفه في شيء، لكنه الوعي السياسي والاجتماعي لدى هذه الطبقة العمرية من الشباب التي اعتادت لأجيالٍ أن تكون “مصدومة في الحياة” ومن ثم تصبح معتادة على الأمر، لكن كيف هذا والانترنت جعل من كوكبنا حبة بازلاء صغيرة في جيب كل إنسان؟ كيف يتقبل الشباب بعد الآن هذا الوضع وقد أصبح عالِمًا بما يدور للشباب في مثل عمره في دولٍ أخرى؟ السياسة التي قامت عليها الأنظمة المشابهة لنظام الحكم في مصر طالما كانت متمثلة في الجهل؛ كل شيء مباح إن لم يعرف الشعب أنه ليس كذلك في مكانٍ ما، وكذلك فإن مستوى التعليم متقدم ومجاني ما دام الشعب يجهل نظام التعليم في مكانٍ آخر، والوظائف متاحة وموزعة توزيعًا مدروسًا ما دام لم يشتكِ أحدهم بصوت مرتفع، فلنشكر الرب كل يوم على نعمة الانترنت التي أعادت لنا وعينا كنوع من الأحياء.

لكن في النهاية تظل النقطة التي حيرتني في مشهد هذا الشاب الذي بدأنا به المقال؛ لماذا اختار تحديدًا هذه الطريقة في البحث عن وظيفة؟ لماذا يتعامل عقلنا البشري بشكل عام بطرق أكثر بدائية في مواجهة أزمات أكثر تعقيدًا؟

طبيعة العقل البشري أنه يهاب المخاطرة، حتى وإن لم يطلعك على ذلك، فهو خائفٌ دومًا من التجربة القابلة للفشل، ليست فقط المماطلة هي ما قد يمنع أحدهم من السعي بكل الطرق الممكنة للوصول لهدفٍ ما، إنما الخوف دومًا هو ما يماطل سعينا، لا أنفي أن هذا الشاب بالطبع قد تقدم في العديد من الوظائف وتم رفضه لمتطلبات ليس بيده منها حيلة، ولا أقول إنه لم يقدم على قرعة الهجرة لأمريكا مئات المرات، وبالطبع لن نجادل كونه وصل للحد الأقصى من اليأس ليقف في مفترق الطريق يبحث عن عمل أو سيارة تدهسه فينهي هذه القصة المجهدة، ليس اللوم هنا على العقل البشري بشكل عام، بل على تأقلم العقل البشري مع حياتنا كمصريين بشكل خاص؛ فماذا يفعل الشاب في مقتبل عمره عندما يطلب منه أحدهم أن يسافر ليغسل الصحون خمسة أعوام كبدايةٍ لحياته ومستقبله المهني؟ كطالبة مغتربة يمكنني أن أخبرك أن لا أحد يطيق غسل صحونه الخاصة، فلا تطلب مني أن أعبر المحيطات وأبدل توقيت ساعتي لأغسل صحون أناس آخرين! كما أن هناك طلبات أخرى مثل بدء مشروعك الخاص أو العمل بالأعمال الحرة، واللذان نالا جمهورًا واسعًا في الآونة الأخيرة لإرضاء غريزة العقل البشري في الرغبة في تجربة ما هو جديد والتعلم ونيل الخبرات بمقابل الحصول على وضع ومركز مرضيين، لكنها ليست بالأشياء التي يستطيع الكثيرون القيام بها، فالمخاطرة بقفزة في حياتك لا تعلم إن كان هناك رجعة بعدها أم لا ليست بالأمر الهين على عقلٍ خوّاف بالفطرة في مجتمعنا، كما أن إرضاء العقل المماطل بالفطرة بالأعمال الحرة يقف المكسب القليل عائقًا له، كما تقف المماطلة في حد ذاتها والخوف من الالتزام بما هو غير مادي.

من وجهة نظر أخرى فكل هذا العبث ليس إلا نتيجة أننا تائهون بلا هوية، لا نحدد من أين بدأنا وإلي أين نريد الوصول، لكنه ليس بالشيء المستحيل؛ ففي النهاية إن تغلبنا على هذا الجزء المعرفي السلوكي المتعلق بعقولنا كبشر بتحديد هويتنا وتحدي هذا الخوف المجهول، لن يصعب التغلب على الجزء الآخر المتعلق بالمنطقة الجغرافية التي شاء القدر أن نكون من سكانها.

في نهاية هذا المقال؛ هل تعتقد حقًا أن العظماء المصريين مثل زويل ومجدي يعقوب وعصام حجي وغيرهم أصبحوا كذلك لخروجهم من هذه المنطقة الجغرافية؟ أم أنهم عرفوا منذ البداية من أين يجب أن يبدأوا ليصلوا إلى حيث ينتمون؟ كم من أماكن رفضت توظيفهم؟ هل عانوا اليأس والاكتئاب؟ لكن السؤال الأهم: لماذا لم يلجأوا للطرق البدائية في حل أزمة طموحهم في مجتمعٍ رافض لمثل أفكارهم؟

المصادر:
https://www.psychologytoday.com/us/blog/career-transitions/201607/teach-your-brain-the-job-search

https://www.youm7.com/story/2018/1/12/مجانية-التعليم-فى-مصر-قبل-طه-حسين-وناصر-دستور-23/3598402
موضوع تقرير صحفي عن البطالة
https://www.almrsal.com/post/560313
هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...