تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف يرى العلماء العالَم؟

كيف يرى العلماء العالَم؟ لكلّ واحد رؤيته الخاصّة التي تنطلق من تخصّصه الذي يعمل به. ولأنّ التخصّصات مختلفة تتعدّد الرؤى للعالَم، وهنا أدعوكم لنتخيّل كيف تكون رؤية هؤلاء العلماء للعالَم من حولهم من خلال نماذج منتقاة من علماء الطبيعة.

 

أولاً: عالِم الكيمياء

============

أتخيّل عالِم الكيمياء يرى العالَم عبارة عن جزيئات متنوّعة، والكون يسير وفق معادلة كيميائية، والحياة عبارة عن كيمياء معقّدة، فالروائح فيها مجرّد استرات Esters، والمرض، معادلة مغلوطة! والدوافع البشرية مجرد حفّازات Catalysis، والتاريخ مجرّد تفاعل كيميائي بشري، حافِزُه الثورات، وهنا يدخل ماركس: “الثورات قاطرة التاريخ.”

 لكن هل تكفي الكيمياء لتفسير الحياة؟!

إعلان

طبعًا، عالِم الكيمياء سيقول: نعم.

لكن هل يكفي هذا؟

كانت النّار– التي اكتشفها الإنسان قبل مليون سنة ونصف- أوّل تفاعل كيميائيّ استطاع الإنسان إنتاجه والسيطرة عليه. ومن بعد ذلك، بدأت إبداعات النار تتوالى من العصر الحجري حتى العصر الذري ويومنا هذا.

بدأ فجر الكيمياء بالبحث عن الإكسير Elixir؛ تلك المادة الأسطورية التي أطلق عليها كيميائيو العصور الوسطى هذا الاسم زاعمين أنّه يحوّل الموادّ الرخيصة إلى مواد ثمينة، بل ويطيل العمر ويعيد الشبابوكان ذلك في مرحلة الخيمياء Alchemy؛ التي تطوّرت في مصر خلال الأعوام الثلاثمائة بعد ميلاد السيد المسيح.

عَبَرت الكيمياء مراحلها من الخيمياء حتى الكيمياء الحالية. وتعانقت الفيزياء والكيمياء حتى بداية القرن العشرين، حيث شقّت كل واحدة طريقها الخاص بها، رغم استفادة كل واحدة من الأخرى!

علماء الكيمياء كثر، لعل أشهر كيميائيّ عربي لدينا هو جابر بن حيان، رغم أنّ أحمد شوقي اعتبر عمله خرافة!

فقال في رثاء أحد أصدقائه:

هي كيمياؤُكَ لا خُرافةُ (جابرٍ)          تذرُ المٌقِلَّ من الجموع مُكْثِرا

أمّا الكيميائيّ العربيّ المعاصر والأشهر فهو د. أحمد زويل – صاحب جائزة نوبل العربية اليتيمة في الكيمياء لعام 1999م- والذي استطاع أن يصوّر الجزيئات الذرية أثناء تفكّك روابطها، وإعادة تركيبها في تراكيب جديدة، ليبدأ عِلْم جديد هو علم كيمياء الفيمتو Femto chemistry.

 وأخيرًا

حتى لا نلوم أحمد شوقي وحده على خرافة جابر، فقد قلتُ أنا ذات يوم:

“أحبكِ جدًا

ولا أدّعي كيمياءَ النساءْ

ففي نشوةِ الحبِّ

لا أعشقُ الكيمياء“!

لكن منْ قال أني لا أعشق الكيمياء!

أليس الشعراء يقولون ما لا يفعلون؟

ثانيًا: عالم الفيزياء

=============

أتخيّل أنّه ربما يغوص أكثر فيرى هذا العالَم كواركات Quark وإلكترونات! وعنده أنّ لكلّ فعل ردّ فعل مساوٍ له في المقدار ومضادّ له في الاتجاه، حتى في الأفعال الاجتماعية!

(هذه الفكرة لم تذهب بعيدًا، فعلم الاجتماع الحديث الذي أسسه الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت عام 1838م، أُطلق عليه في البدء اسم الفيزياء الاجتماعية Social Physics؛ معرّفًا له: “وأعني بالفيزياء الاجتماعية، ذلك العلم الذي يتخذ من الظواهر الاجتماعية موضوعًا للدراسة، باعتبار هذه الظواهر من روح الظواهر العلمية والطبيعية والكيميائية والفيسيولوجية نفسها، من حيث كونها موضوعًا للقوانين الثابتة”. لكنّه غيّر الاسم إلى الاسم السائد اليوم: علم الاجتماع Sociology.

الكون – لدى عالِم الفيزياء- عبارة عن لعبة “طاقة” وكتلة! ويكاد يرى السياسيين مثل جزيئات الكمّ تتواجد في موضعين معًا! ولا نستغرب لو كبس العالَم في معادلة آينشتاين الشهيرة E=mc2 .

الفيزيائيّ لا يتكلم إلا معادلات مختصرة، قد تحتوي في باطنها معادلات كثيرة، ولعلّ معادلة النسبية العامة أكبر مثال على ذلكولو سألت: ما هي الحياة؟ لقال هي الفيزياء أو توابع لها!

يذكّرنا هذا بقول رذرفورد:

“العِلم إمّا فيزياء أو جمع طوابع!”

(والمفارقة المضحكة أنّه حصل، عام 1908م، على جائزة نوبل في الكيمياء!)

إلا أنّ عالِمًا آخر هو إيرفين شرودنجر يرى الحياة مجرد وصفة فيزيائية، فهل هذا صحيح؟ مجرّد تساؤل.

الفيزياء بلا هندسة مجرّد نظريات وتجارب، لكنّ الهندسة جعلت منها تكنولوجيا عملاقة، بل لقد دفعت التكنولوجيا الهندسية الفيزياء لتتطوّر. ولعلّ مصادم هادرون الكبير LHC في المسرّع الأوروبي لفيزياء الجسيمات CERN أكبر دليل.

تغوص الفيزياء في كلّ شيء اسمه مادّة، من أصغر وحدة في الكون – وهي الكوارك – حتى أعظم وحدة، وهي عناقيد المجرات.  فبتطوّر الفيزياء تطوّرت علوم أخرى مرتبطة بها، لعلّ الكيمياء تتقدّم هذه العلوماليوم، تنحدر الفيزياء بنا نحو الغرائب والغموض والألغاز المستعصية، كالمادة المظلمة والطاقة المظلمة والأبعاد المتعددة والأكوان المتعددة وغيرها.

كنت أريد أن أسترسل معكم أكثر حول منظور الفيزيائي للعالَم، لكنّي أرى أحد علماء الرياضيات يتأهّب للإدلاء برأيه حول منظوره للعالَم.. وهذا ما سنسمعه في حديث قادم.

ثالثًا: عالِم الرياضيات (الرياضياتي)

=======================

أتخيّل عالم الرياضيات يرى العالَم عبارة عن معادلة معقّدة بدون حل! (أظنّ أنّ هذه المعادلة ستكون من الدرجة 11، لأن علماء الفيزياء يرون الكون مكوّنًا من 11 بُعد)! ويرى عالِم الرياضيات أنّ الشوارع عبارة عن منحنيات من الدرجة الثانية، أما الجبال والتلال فمجسّمات أفلاطونية! ولا تستغربوا، فرياضيات الكسيريات جاءت من التفكير حول “كم يبلغ طول الساحل الانجليزي!”هذا يعني أنّ الرياضيات حولنا في كل مكان.

خبر غير سارّ لمنْ لا يحبون الرياضيات: إنها لغة الطبيعة كما قال جاليليو:

“الطبيعة كُتبت بلغة الرياضيات”

أما العالِم ماكس تجمارك فيرى الكون ما هو إلا رياضيات تمامًا، واليمين التي كان يقسم عليها الفيثاغوريون كانت مجموعة من الأعداد الأولية!

عالم الرياضيات رجل تجريدي للغاية، وهنا تدخل مدارس الفن التجريدية، بدأت منذ التكعيبية وما تلاهاالصوروية أو الشكلية Formalism التي تمتلكها الرياضيات هي أقوى سلاح، بل كلّما أوغلت الرياضيات في الشكلية كلّما فردت عضلاتها أكثر. لماذا؟ يجيب رولان أومنيس – في كتابه فلسفة الكوانتم –

” لأنه ما يعنينا في الرياضيات ليس طبيعة الأشياء، بل العلاقات التي توجد بينها.”

يعني أنّ الرياضيات أداة لعرض العلاقات بين الأشياء وليس ماهية الأشياء.

هناك الكثير من الرياضيات التي توصّل إليها الإنسان، لكنّ المستخدَم منها في الحياة اليومية قليل! ويبدو هذا غريبًا نوعًا ما، والسبب يعود إلى أنّ الرياضيات في ذاتها لا تحمل أيّ معنى، وإنّما يوجد المعنى في العلم الذي يستخدم الرياضيات كأداة ولغة للتعبير عنه. فالكيانات الرياضياتيّة، بسبب الاختزالية التي فيها، تصبح مجرّد رموز متحررة من أي واقع عياني، وهذا التجرد يحيلنا لآراء أفلاطون عن عالم المُثل، حيث تعتبر كيانات الرياضيات ضمن ذاك العالَم.

الرّياضيات، ومن ضمنها المنطق والهندسة بأنواعها، هي التشكيل الكوني المنمّق.

عالم الرياضيات معمله في رأسه، وإذا أراد التوسّع كان القلم والورقة.

يقول لنا: تخيّلوا العالَم بدون رياضيات؟

لا أظنّه سيكون جميلًا!

ما رأيكم أنتم؟

رابعًا: عالِم الأحياء

============

أتخيّل عالِم الأحياء يرى العالَم عبارة عن كرة حياتية، قائمة على نظرية داروين في التطور! وما الاختلافات بين الكائنات الحية المختلفة إلا تغيّر في عدد الجينات على شريط الـ دي إن ايهولو سألته عن حلقة الوصل بين الجماد والكائن الحي لقال لك هو الفيروس، ذلك الحيّ الميت أو الميت الحيّ، أو دراكولا، كما يسمّيه د. مصطفى محمود.

تعريف الحياة أمر صعب، وربما غير واضح؛ فهل الكائن الحي هو منْ يتكاثر ذاتيًا؟ أم أنّه من يتكيّف مع البيئة التي هو فيها؟!وحُمّى البحث عن حياة خارج كوكب الأرض تشعرك أننا قد اكتفينا بالأحياء التي على وجهها ونريد المزيد! (رغم أنّ الأنواع الحية تزيد عن مليوني نوع)أم أنّ عالِم الأحياء يريد نمطًا آخر للحياة ليقارنه بنمط حياتنا؟ هناك علم يقوم بهذه المهمّة، إنّه علم الحياة الخارجية Exobiology. المشكلة – من وجهة نظري- أنّ علماء الاحياء يبحثون عن الحياة خارج كوكب الأرض بشروط الحياة على كوكب الأرض!

يرى عالِم الاحياء أن القرن الحادي والعشرين هو قرن الثورات الأحيائية المتتابعة – على غرار الثورة الصناعية أو الزراعية ثورات علم الاحياء تلك التي بدأت منذ منتصف القرن العشرين بمعرفة تركيب شريط DNA، وما تتابع من اكتشافات “أحيائية”؛ كاستنساخ النعجة دوللي عام 1997م، ومشروع الجينوم البشري عام 2000م، ومشروع البروتيوم proteom الجاري منذ عام 2002م، والخلايا الجذعية، وقبلها الهندسة الوراثية، ومشاريع أخرى لا يعلمها إلا الله وحده!

ومن غرائب الاشتراك بين العلوم هو علم الفيزياء الأحيائية الذي يطبّق الأدوات والوسائل التقنية للفيزياء على دراسة الكائنات الحية!

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.