تأخذك إلى أعماق الفكر

ربما لن يتبقى للوحة سوى الحلم

أن ترسم، وتقوم بترتيب الأشكال والحركات على غرار قصيدة، أو على غرار متاهة بدون منفذ… وأن تبلور الجمال، حدثًا وأثرًا، انطلاقًا من كثافة الأشياء والعبارة، وانتساج الخيال، ذلك، يقتضي، من بين ما يقتضيه، أن تمتلك من البصيرة اثنتين، ومن الدهاء دهاءين. فهي تجربة، بحق، ليست بالأمر الهين اليسير، بل محصنة باشتراطات متنوعة التعالقات: فنية وتقنية وإبداعية ومعرفية… إلخ، فالأمر فيه كثير من التحدي وكثير من المناورة والمران، وأكثر من ذلك، من المصابرة والاصطبار المتفاني، ذلك الذي يشبه اصطبار متنسك، كرس ليله ونهاره للتوجه، ونذر وقته للفهم والتعرف، توقًا للعبور والتمكن من رؤية ومكاشفة الجواهر والحقائق.

اللوحة، قوامها بصيرتان ودهاءان (بديهتان):

  • بصيرة بمنزلة عين متيقظة، ترى الوجود والأشياء والأحداث، مثلما يرى أركيولوجي أطلالًا وأتربة، ويتفحص أرمدة وبقايا هياكل، فيما يتوسل المعنى عبر أشلاء حروف، وثنايا كلمات ورموز اندثر أصحابها إلى الأبد. هي تلك البصيرة المتأنية المتفحصة للمعالم، المتشككة في الأعراض، تشتغل على الأسئلة والاستفهامات واستثارتها، فعلها فعل تأمل وتدقيق وغور، غير مكتفية بتملٍ عابر، ولا برؤية محايدة، وإنما، عين بسجية الأطفال، محدقة مستفسرة، تريد أن تعرف وتعلم، من دون أن تجزم. فمن الجزم ما ينحو منحى اليقين، واليقين كثيرًا ما يتحول وهمًا معجزًا. زمن هذه البصيرة، زمن معاينة واستكناهٍ واستجلاء.
  •  بصيرة متفرسة تبصر المعاني والجواهر. وهي لاحقة بالعين البصرية المتيقظة، هي التي تصيّر الأشياء عارية، مجردة من صورها ومعالمها، وتجلو ما يستتر منها وخلفها، وما يتخفى في الدلالة. أي تعبر الرسوم صوب بواطنها… تغور في الكنه وتتعقب المعنى. بصيرة تتحسس المآلات وتختبر الأعراض لفهمها، رائمة، عبرها، النفوذ لجوهر ودلالات تلك المرئيات ومغازيها، تتحرى المقاصد والغايات من الوجود وتجلياته البصرية والحركية والجمالية… وتكتنه أسرار النسق الجمالي وتمظهراته في الأشياء والطبيعة والأفعال… وعبر تلك المرئيات، الجمالية والمعرفية والفلسفية، تتبلور مستجدات وممكنات وآفاق تغمرها الدهشة والمتعة والجمال، على مستوى البصر والفكر والوجدان.
  •  دهاء تقني ومهني، له المُكنة على أن يصيغ المرئيات والخيالات، أثرًا تصوريًا رؤيويًا. وله الحُنكة الحرفية لبلورة جماليات بصرية قصوى، فضلًا عن ترجمة مبصورات العين المتيقظة، وحبكها بما يبقي جواهرها قائمة حاضرة، عبر المعالم المباشرة، أو الإحالة، أو بالترميز والإشارة… إنه دهاءُ تلكَ اليد المتنفذة التي خبرت القواعد والتقنيات العلمية وتمكنت، فالشكل واللون والضوء والعتمة…إلخ، مقاييس وموازنات بنائية وجمالية، كلما غابت اختل التركيب وانهدمت اللوحة على رأس صاحبها.

إنه دهاء تلك اليد التي امتلكت أسرار وضوابط صناعة “اللوحة الجيدة” وتدبيج متنها البصري التصويري، (وللإشارة فالجودة، ليست سوى مفهوم فني جمالي معياره توافقي تواضعي، ليس مطلق التعريف، وإنما مرتبط بالظرفية الزمكانية الحضارية التي تحتضنه).

يد متمرسة لها القدرة على ترجمة الحدث أثرًا تشكيليًا مؤهلًا ليهب المتلقي وضعًا مستحدثًا، حافلًا بالجمال والدهشة والمتعة والحلم، أثرًا قمينًا بالتأثير والفاعلية والتواصلية، وقادرًا على النفاذ فكريًا وجماليًا وعاطفيًا، جديرًا بخلخلة اليقينيات والمسلمات المعرفية والفنية والاستيطيقية، وابتكار البدائل.

  •  دهاء أدائي يبرع في إنشاء المعنى وتوليد الدلالة، ويدس ذلك خلف ما شكلته اليد من صور وتراكيب ومواد…إلخ، أي كل ما أجلته البصيرة المتفرسة. واستنبطه الوعي الإبداعي. هو دهاء يشتغل على حبك ونسج الدلالات والمعاني، وخلق المتاهات والأشراك الرمزية، والكمائن الاستفهامية الفكرية والإبداعية… يقيم معالم ومسارب لاستقصاء المعنى، والبحث في الظاهر عن المضمرات منه وفيه. دهاء يجعل لكل أثر مقصدًا ومفادًا، ولكل إضاءة وتعتيم وإظهار وإخفاء، مقتضىً يقتضيه استكمال “البوزل التشكيلي“، على غرار ما تكون عليه الكلمة في استكمال الجملة، وبالتالي معناها.

ليست اللوحة استنساخًا للمرئي ولا حكاية مسترسلة للسائد والمألوف، بقدر ما هي تفكيك للرؤية وهدمها، واستجلاء لما غاب عن المنظور وتوارى خلفه وفيه. وإخراج ذلك إلى الوجود والإدراك، عبر بلورة متن فني يقوم على بلاغة الشكل واللون والحركة، والمواد والرموز، و”أشياء أخرى”… فقد تغدو اللوحة “عقيمة”، دونما مفعول ولا جدوى؛ كلما اختل أو انتفى هذا الدهاء الأدائي… به تكتسب اللوحة ضرورة وجودها المشروع، وتصير قادرة على الاستفزاز البصري والاستنفار الذهني، واستثارة السؤال والتشكك، وإقامة أوضاع قصوى للقلق والتحيرات، والتحريض على العصيان والتمرد الخلاق.

في ما يناهز الثلاثة عقود الأخيرة، لم تفتأ اللوحة التقليدية تخوض مواجهة مصيرية مع الفن المعاصر بكل ترسانته المادية والإعلامية الشرسة، ويبدو الخاسر في هذه المواجهة، حتمًا، هي اللوحة، بل سيكون من قدرها، على الأقل في المدى البعيد، أن تنتكس وتتوارى إلى خلفية المشهد الفني، مكتفية بتداولية نخبوية هامشية.

إعلان

وفي سياق الفن المعاصر…

المحددة اللغوية “ما بعد الحداثة” تضمر، فيما تضمر، وباختصار شديد، بعدين أساسيين:

الأول زمني، والثاني مضموني. بمعنى، أن هناك بعدًا “كرونولوجيًا” يرتب سيرورة زمنية مخصوصة، وبعدًا آخر يحدد المضامين والتغيرات والأحداث الحضارية، بكل روافدها وعواملها الفاعلة والمؤثرة (الفكرية والثقافية والمعرفية والسياسية… إلخ). والفن المعاصر، في معناه الإبداعي، لا يفتأ يتعلق بالبعد الثاني، وهو بُعد الأحداث، فضلًا عن كونه يتأطر، طبيعيًا، ضمن سياق الــ”ما بعد الحداثة” كزمكانية.

دأبت اللوحة على الاشتغال بالمنطلقات والمرتكزات المفاهيمية الاستيطيقية الفنية، الأكاديمية والحديثة معًا، في بلورة متنها الفني وتأسيس مشروعيتها وتكريسها. بينما الفن المعاصر، اتخذ مسارًا مقطوع الأصل والجذور، لا يمت بصلة ولا بسمة بالمفهوميات التقليدية، الفنية والجمالية التي سادت سابقًا، بمعنى، أنه نبذ القواعد والأعراف والمرتكزات الأساسية التي كانت تؤطر المبدَعة الفنية، على اختلاف انتماءاتها وصنوفها.

وبالتالي، يكون الفن المعاصر طفرة فنية طارئة (رايدي مايد- مِبْوَلَة مارسيل دوشان) انبثقت متوحدة من المخاضات والتحولات الجدرية، الفكرية والفلسفية، والثقافية والعلمية، والسياسية والاقتصادية… التي شهدتها العقود الأخيرة في مجالات حيوية شتى، وبشكل مكثف، وهي معطيات، (على اختلاف نوعياتها ومفارقاتها) تشكل مرتكزات ونواظم مستحدثة معاصرة كونية، “مغالية” في تعاليها العلمي والتقني، واستكبارها الحضاري المادي، كما هي نواظم “استحواذية إقصائية” مشبعة، حتى النخاع، بالدافع الاقتصادي الاستهلاكي، والهيمنة الإعلامية وما يرتبط بذلك من احتكارية، وهو بُعد غدا يَحْبِكُ المسارات والسياقات في كل مجالات الحياة، أدقها وأخصها، بما في ذلك الثقافي والمعرفي، فضلًا عن السياسي، لما ينطوي عليه من قوة وسلطة ثأثيرية في تشكيل العقل، وتنميط التفكير والرأي العام الجمعي، وتأطيرهما بما يحقق الأهداف والمآرب.

هذه التحولات البنيوية الفكرية، والأوضاع السوسيوثقافية المستحدثة التي بلورت “الأقنوم الفلسفي المفاهيمي” الذي ينبني عليه الفن المعاصر، جعلت من اللوحة، باعتبارها أسلوبًا ونمطًا تشكيليًا إبداعيًا تقليديًا، أثرًا إبداعيًا عديمَ المفعوليةِ والتواصلية، حيث لم يعد قادرًا على المسايرة الحضارية، ومجاراة الراهن الثقافي والفلسفي الإستيطيقي، وهي اشتراطات وظيفية أدائية تقتضيها مقومات المجتمع المعاصر، الذي يتميز بالذكاءات والرقاقات الرقمية، مجتمع غدت حياته تقوم كليًا على الصوتيات والبصريات الافتراضية، والبرانم المعلوماتية، والروبوتيك الذكية والبيونيك… مجتمع استشرت فيه الأنانية والنرجسية، الفردانية والجمعية على حد سواء، استهلاكي بإفراط، يؤمن بالمال والاقتصاد وهيمنتهما، وبالتالي، أصبحت اللوحة التقليدية، هكذا، تبدو مفتقرة للمؤهلات المفاهيمية، والمقومات الفنية والإبداعية التي يتأسس عليها براديغم الفن المعاصر.

لكن، مهما يكن من أمر، ورغم الأفول المرتقب لزمن المتن التشكيلي التقليدي، فاللوحة ما كانت لتفقد الكثير من جاذبيتها وبهائها وتأثيرها. بل ستظل حية نابضة محاورة، ولو في حيز ضئيل، وبشكل من الأشكال، مثل ما هي عليه الموسيقى الكلاسيكية، وما هي عليه قصيدة الأسلاف، دومًا لها من ينظمها، عشقًا واحتياجًا تعبيريًا تواصليًا، ولها من يقرأها ويحتفي بها، متعةً وإدمانًا جماليًا… عشاق متولعون لا يبغون عنها بديلًا.

* تنويه:

استجابة لرغبة أحد الأصدقاء الفنانين، طلب مني أن أدلي بدلوي (باقتضاب) فيما يخص المقتضيات القواعدية، المعرفية والفنية، والتقنية والإبداعية… التي يتطلبها “رسم تقليدي” (أكاديمي أو حديث)، أي ما تحتاجه صياغة لوحة تشكيلية، فجاءت هذه الورقة مختِزلة لأهم المرتكزات التقنية الإجرائية، الفكرية والفنية والمهاراتية، الضرورية لإنشاء لوحة تشكيلية يتوفر فيها ملمح إبداعي جمالي يتسم بـ”الاحترافية“…

اقرأ أيضًا: في طابع العمل الفني: جدلية الفن والتعبير

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.