تأخذك إلى أعماق الفكر

فرويد حاخام التّحليل النّفسي

إنّ أول من يحضر في ذهنك عندما تُذكَر مدرسة التحليل النفسيّ هو طبيبُ الأعصاب النمساويّ سيغموند فرويد الذي أصبح لاحقًا أبو التحليل النفسي وحاخامه، والذّي سوف يتحوّل من طالب طب طموح الى واحد من ثلاثةٍ قد دشّنوا النّقد الجذري للحداثة مثلما وصفه ميشيل فوكو، وواحد من أربعة أشخاص ضربوا مركزيّة الإنسان و نرجسيّته في الصميم.

لم يكن فرويد في شبابه مجرّد طالب طب بل كان أكثر من ذلك شغوفًا بعمله، و طموحًا للوصول للمجد واكتشاف عللِ الأمراض العصبية ما دفع طموحه إلى الخوض في تجاربَ مخبريَّةٍ، إذ كان يُجري اختباراتٍ لمعرفة قدرة مادة الكوكايين على تخفيف الألم و تخديره موضعيًا، ولكن للأسف في تطبيقه على مرضاه تسبّب في إدمان بعض الأشخاص على الكوكايين، ما دفعه للتراجع عن هذه التجارب وسط الكمِّ الكبير من الجلبة التي أحدثها وسخط الأطباء الأخرين، الأمرُ الذّي دفعه للعدول عن الطّب والسّفر الى فرنسا والالتحاق بصفوف الطّبيب النفسي شاركو، وكانت هذه الرّحلة كهف الكنوز المعرفيّة التّي راح يتنقل بها من مكان الى آخر ويغترف من معين المعرفة راميًا خلف ظهره أيّ سلطة كانت متمسكًا فقط بسلطة العقل.
فرويد هذا العقل الجبار لم يعط لحياته الخاصّة والأسريّة مقدار ذرة في مقابل ما أعطى لحياته العلمية والعملية وفي خدمة المعرفة والعلم..
كان فرويد منذ طفولتهِ المتوسطة محطّ الأنظار ومحاطًا بالاهتمام فلا مجال لإزعاج ”سيغي” مثلما يطيب لوالدته أن تناديه؛ حتّى يُقال أنه في عمر ال ٨ سنوات كان يقرأ شكسبير، وهذا تصريح يذهل العقل؛ لكن لن تُذهل بعد ذلك عندما تكتشف أن فرويد أمضى جزءًا كبيراً من حياته في قراءة شكسبير والكتابة عن شكسبير و الاستلهام من شكسبير أولًا وشخصيته المشهورة هملت ثانيًا بما يتعلّق بعقدة أوديب.
كان شديد الولع بدراسة الحضارات فكان من صغر سنّه يقرأ بالساعات المجلدات عن الحضارات الإنسانية ولاسيما الفروعونية واليونانية وأسرار وخفايا المعتقدات البدائية وكل ما يتعلق بالتاريخ كما أنه المشهور عنه شغفه بالتّحف الأثرية والأنتيكا وكان منزله مليئًا بها.
لكنّ هذا اليهودي الملحد كان يحمل في داخله نرجسيةً وطموحًا ونوازع السيطرة و القيادة، وحاول أن يخفيها عمّن حوله لكنّه سقط بأنانية وسلطويّة أعماله؛ فأوّل ما حاول فعله هو إنشاء مجموعة تتعلّق بممارسة التحليل النفسي بالعودة له وتحت أنظاره وبإرشاداته بصفته المعمل الأوّل وكان يدعوهم بـ(أتباعي)، إذ إنه يقول في إحدى الرّسائل لصديقه:”في البداية لم يكن لدي أتباع!” لم يقل زملاء أو تلاميذ؛ بل “أتباع”. و بعد سنة التفّ حوله مجموعة من الأطباء كي يتدرّبوا على التحليل النفسي منهم أدلر وأتو رانك في البداية، و بعد بضعة سنوات ومع زيادة عدد المنضمين إلى مدرسة فرويد للتحليل النفسي كيونغ وفيرينزي وتوسك وجونز ، تحوّلت- مدرسة فرويد- لمحفلٍ مغلق لا يمكن لأيّ أحد دخوله دون أن يقدّم الطّاعة للفرويدية وأن يختبره فرويد أوأن يرسله لمن يختبره و يدرّبه بأي مكان في أوروبا ل ١٢ جلسة في الأسبوع، وأنت خاضع لسلطة فرويد لا تصبح محللًا نفسيًا إن لم يأذن لك المعلم الأكبر.
عندما أقول محفلًا فأنا أعني أن التّحليل النفسي الفرويدي  آنذاك انعزل عن المجتمع تمامًا فتمركز حول رجل واحد، طريقة واحدة لا جدال فيها، سلطة مفروضة لا تنازل عنها، طقوس تحليلية موحدة لا إبداع فيها خارج النظرية الفرويدية، فقد حاول فيرينزي إضفاء بعض النظريات أو التفسيرات المتعلقة بالذهانيين فلم يرضَ فرويد عن ذلك، وحاول رانك تقديم ورقة حول قلق الولادة ولم يرضَ عنها فرويد. أضف إلى ذلك أنها تحولت لأكثر من مدرسة للتحليل النفسي إلى  طقوس دينية إذ قال فرويد لأعضاء الجمعية العالمية للتحليل النفسي التي تشكلت نحو ١٩١٠: “إنني بمثابة القديس بطرس لكم وأنتم الأتباع وأنا بمثابة المسيح لكم وأنتم البطرسيين“.
فرويد
فرويد مع التقدم في السن كان يتحول لديكتاتور أكثر منه لعالم منفتح إذ إنه كان يرفض أي شكل من أشكال الانتقاد أو إضافة فكرة على أفكاره أو الاعتراض على شيء ما ممّا دفع بأدلر للإنفصال عن فرويد و تشكيل مدرسة العلم النفسي الفرديّ وانشقاق يونغ وإنشاء مدرسة علم النفس التحليلي وذلك، لأن كلًّ طموحاتهم تمّ قمعها ومحاربتها من فرويد الذّي فضل القطيعة عنهم على أن يقبل انتقاداتهم واقتراحاتهم نوعًا ما. فذكر في إحدى المرّات عالم شاب -في بلد أعجز عن ذكر اسمه- بعث لفرويد برسالة يقول فيها:”بروفيسور فرويد لقد أجريت اختبارات واكتشفت أنك على حق بشأن اللّاوعي..” فكان رد فرويد عليه: ” شكرا لكن لا يهمني”، وهذا كان رد فرويد على أي تلميذ أو زميل كان يحاول الشّبّ عن الطّوق الفرويدي فإما سيحاول فرويد تحطيم فكرته –إذ إنه في إحدى المرات طلب من أعضاء الجمعية أن يكونوا على أهبة الاستعداد لمواجهة أيّ نقد ضد منهج التحليل و عليهم أن يملكوا الحجج الدامغة للدفاع- أو إذا انشق أحدهم ستلعنه الجمعية التحليلية لأجيال.. وقد فعلها فرويد إذ إنه بعد صراعه مع يونغ و بعض الزملاء الآخرين.
ووصولًا إلى النّقطة السّوداء برأيي في إرث التحليل النفسي وهي إنشاء فرويد لما يسمّى بتجمُّع الخواتم السّت والذي كان يتألّف من ٦ أعضاء ومنهم فرويد، ومهمتها الاجتماع بشكل أسبوعي وسريّ وتقديم أوراق مراجعات لكتب الخصوم من المحلّلين الذين خرجوا من تحت قبضة فرويد أمثال يونغ وأدلر، فكان فرويد يطلب من أحد أعضاء الحلقة أن يقرأ كتاب يونغ المنشور وينقده واصفًا يونغ بأبشع الصفات، وكذلك يطلب من آخر أن يكتب ورقة تنسف نظرية أدلر أو فيرينزي على سبيل المثال وهكذا دواليك. ومن الهزلي معرفة لِمَ تُسمَّى بحلقة الخواتم السرية، لأنّ فرويد كانت لديه كما ذكرت آنفًا هواية وهي جمع التحف وإذ به يُحضر لكل عضو من أعضاء الجمعية خاتمًا محفورًا عليه رمز أوديب دليلًا على الطاعة والانتماء إلى المجتمع الفرويدي، وإذا انشقّ أحدهم أعاد الخاتم لفرويد وهذا معناه أن الجمعية تحوّلت فعليًا إلى كنيست و هو حاخامها.
فرويد هذا الرجل منزوع المشاعر، الجاف في المعاملة مع الآخرين والعنيد المتسلط هو ثمرة تدليل والدته له، فقد كان مدلّل أمّه وهي أول من قالت له إنها تطمح أن يكون رجل سياسة عظيم و قائدًا محترمًا، فكيف لا وهو ابن أمه والأوديبي الأوّل في تاريخ التحليل النفسي الفرويدي؟ فحينما لم يستطع أن يصبح قائدًا سياسيَا اصبح ديكتاتورا نفسانيّا.
من الجدير بالذّكر أنّ فرويد أجرى ما يقارب ٣١ عملية خلال آخر 15 سنة من حياته لفكّه حتى وصل لإستئصاله بسبب السرطان على خلفية شراهته في التّدخين، وعندما واجهه أحد الصّحفيين بأنك تقول أن التدخين هو تثبيت على المرحلة الفمية  فماذا لمن أراد تحليل علاقتك بسيجارك؟ فكان رد فرويد ” أحيانًا السيجار هو مجرّد سيجار”.
لا شك  أن  فرويد  -من وجهة نظري- عالم فذٌّ وأستاذٌ لآلاف المحلّلين بشكل مباشر أو غير مباشر فحتّى من وصفهم بخصومه الذين أطلقوا على أنفسهم لقب الفرويديون الجدد (يونغ، أدلر، هوراني، فروم، إريك إريكسون، أتو رانك) لم يستطيعوا إلا أن يحملوا كل الود والاحترام لشخص فرويد، وبلسان يونغ أقرب إنسان لفرويد:” إن فرويد عقلية جبارة و بحر من الفكر والفلسفة وضليع بالإنسانيات واللّغة لا يمكن ردّه أو ردعه”. ووصفه إريك فروم “بالعبقريّ”  على الرّغم من معارضة فروم لمنهج فرويد، لكن في نهاية المطاف بقيت كل المدارس التحيليلة في العالم اليوم على صلة وثيقه بفرويد.
مات فرويد طالبًا من طبيبه المعالج ان يحقنه بجرعة زائدة من المورفين.

نرشح لك: سيجموند فرويد تفسير الأحلام والأنا العليا ومجموعة من أبرز أفكاره

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد الأمين

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.