تأخذك إلى أعماق الفكر

عن الكتابة والذات

عندما تمسك بالقلم أو تضع أصابعك على لوحة المفاتيح وتبدأ في كتابة روايتك، ستجد أن بطل الرواية يشبهك كثيرًا، يفكر ويتصرف مثلك، يفضل الأكلات التي تفضلها، ويحب الاستماع إلى الموسيقى التي تحب الاستماع إليها. قد يرجع هذا لكون الكتابة انعكاسًا لتجربتنا الذاتية، وأفكارنا الخاصة، ولكن يجب أن ينتبه الكاتب إلى نقطتين مهمتين؛ أولهما أن الكاتب لا يجب أن يكتب في روايته إلا ما يخدم الحبكة، هذا يعني أن نوع الطعام الذي يأكله البطل، أو الموسيقى التي يستمع إليها، أو الفيلم الذي يشاهده، لا يجب الحديث عنه بالتفصيل ما لم يخدم هذا الحبكة بشكلٍ ما.

أجد هذا في روايات العديد من الكُتّاب، إسهاب الوصف في طعام البطل على سبيل المثال لأن هذا هو الطعام الذي يحب الكاتب أن يأكله، أو يحرص على ذكر الروايات والأفلام المفضلة التي يحبها هو، بدون أن يكون لهذا دور في الحبكة أو بناء عالم الرواية. فنوع الطعام على سبيل المثال قد يخدم الحبكة في رواية فانتازيا حيث يكون الطعام ذاته جزء من العالم الغريب الذي يبنيه الكاتب، أو في رواية ما بعد الكارثة حيث يكون الطعام نادرًا وقد يلجأ البشر لأكل أشياء غير معتادة، أما في حالات أخرى فقد لا يكون ذكر الطعام سوى نوع من الإسهاب والتطويل.

الطعام في فيلم نارنيا: الأسد والساحرة وخزانة الملابس

النقطة الثانية عن استخدام الكاتب ذاته كنموذج للبطل هي تحول كل أبطال رواياته إلى نسخة من بعضهم البعض، والأمر ذاته بالغ الصعوبة بالنسبة للعديد من الكُتّاب، وهو التفريق بين ذاته والبطل، فعند تعرض بطل الرواية إلى موقف ما يكون تصرف هو ما سيفعله الكاتب حال تعرضه للموقف ذاته، دون النظر إلى عناصر الشخصية النفسية التي بناها أو ذكرها لبطله، والتشابه يزداد وضوحًا عند حرص الكاتب على ذكر الطعام أو الموسيقى وغيرهما، فلا يكون الأبطال متشابهي التفكير والطباع فقط، بل متشابهي الذوق أيضًا.

المفترض بالكاتب أن يقدم نماذج مختلفة من الأبطال في رواياته وألا يكونوا مجرد مرآة لذاته، وهو أمر أعترف بصعوبته، بعض الكُتّاب يتحايلون على الأمر بطرق مختلفة، مثل الكاتب البريطاني مايكل موركوك، حيث جعل رواياته كلها تدور في عالم واحد متعدد الأكوان وجعل أبطاله كلهم تجليات لبطلٍ واحد وهو البطل الأبدي  في عالم روايته، وبهذا يخرج من مأزق تشابه طباع أبطال رواياته، ورغم ذلك قدم موركوك في أبطال رواياته تنوعًا كافيًا غير موجود حتى عند بعض من يكتبون روايات من المفترض أنها تنتمي لعوالم مختلفة، وأنواع مختلفة من الأدب.

إعلان

إيلرك من مِلنوبِني أحد تجليات البطل الأبدي لدى موركوك

الخلاصة

هي أن الكتابة تعد انعكاسًا للتجربة الذاتية للكاتب، ولكن يجب على الكاتب أن يحرص على أن يقدم تنوعًا كافيًا بين أبطال رواياته، لكي لا يصبح أبطاله نسخًا من بعضهم البعض، ولا يشعر القارئ أنه قادر على توقّع ما سيحدث قبل حدوثه مما قد يصيبه بالملل، وأيضًا ليستطيع الكاتب نفسه طرح إشكاليات مختلفة من منظور شخصيات متعددة ضمن عوالم وأنماط أدبية مختلفة.

فريق الإعداد

إعداد: أحمد صلاح المهدي

تدقيق لغوي: آلاء الطيراوي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...