ريكاردو بيجليا: ”المرأة المسجلة“

قصة امرأة فقدت عقلها بعد أن فقدت عملها

قبل سنين مضت أقمتُ بضعة أشهر في فندق “ألْمَاغْرُو” في أفينيدا ريبَادابِيا وكاستْرو بارّوس. في منعطف الفندق تقع اتّحادية الملاكمة، وكنت أذهب إلى هناك في أيام الأربعاء ليلًا؛ وذلك لمشاهدة المبارزات. عند مدخل الملعب كانت تقف امرأة تبيع الأزهار، وكانت صورة لماسيدونيو فرناندس مرقّعة في ثوبها. كان اسمها (أو اسمها) روسا مالابْيَا، وخلال عدة أشهر، كنت ألتقي بها عند باب اتحادية الملاكمة وأدعوها لشرب الشاي في كونْفيتيرْيا لاسْ بْيُوليتَس. لم أعرف أبدا مكان سكنها؛ لأنها لم ترد أبدًا أن تقول لي أين كانت تسكن، أظنّ أنها كانت تستأجر هي أيضًا غرفةً صغيرةً في أحد فنادق الحي، أو أنّها كانت تنام عند مدخل بيت ما. كانت تتناول الفطور في الكنيسة الإنجيلية، وكانت تأكل ما يهديها البائعون في السوق الذي كان يقع مقابل النَّزل.

كانت قد تعرّفت على ماسيدونيو عندما كانت صغيرة، عندما كان عمرها خمسَ عشرةَ سنةً ولا تزال تذهب إلى المدرسة. قالت إنّ ماسيدونيو كان في ذلك الوقت يسكن في منزلٍ صغيرٍ في ضواحي مُورُون أو هايْدُو، وأنّها كانت تزوره لأنّها كانت تسكن في المنعطف، وأنّ أبوها كان طبيبًا. لم أعرف أبدًا من أين حصلت على الصورة، كما لم أعرف أبدًا هل ما حكته لي كان صحيحًا أم لا. أظن أنها عرفته بالفعل وأنها أحبّته؛ فأحيانًا كانت تظلّ صامتة للحظة، ثم كانت تقول لي أنّها “ماسيدونية تمامًا”، ربما كانت تقصد بقولها ذلك أنّها كانت بريئة، وأحيانًا أخرى كانت شاردة البال قليلًا، وكانت تنظر إليَّ بعينين فارغتين وتقول أنها ميّتة، وأنّ كل جسمها فارغ من الداخل، كما لو أنها دمية مصنوعة من الخزف. كانت تدخل وتخرج من مستشفى الأمراض العقلية، تختفي يومين أو ثلاثة أيام، ثم تعود فجأة لتظهر مجددًا بِباب اتحاديّة الملاكمة تبيع الأزهار التي كانت تسرقها من القبور في مقبرة “لاتْشَاكارْسيتا”. كانوا يسمّونها لا لُوكا دَلْ غْرابادُور (مجنونة مسجل الصوت)؛ لأنّها كانت تحمل معها مسجِّلَ صوت على الأشرطة، قديم جدًا، وكان الشيء الوحيد الذي تمتلكه. يبدو أنها كانت قد عملت قبل سنين في محلٍ لإصلاح أجهزة التلفاز ومسجلات الصوت في الأروقة تحت الأرضية “لأفينيدا” 9 خوليو (يوليو)، ويبدو أنّهم منحوها ذلك المسجل الصوتي كتعويضٍ عندما طردوها من العمل. كانت تحمله في حقيبةٍ صغيرةٍ من الكرتون، وتستمع إليه عندما تكون وحدها. وبين عشيةٍ وضحاها، لم أعد أراها. قيل لي أنّه تم وضعها في المويانو، ولكن عندما ذهبت لأزورها هناك لم تتعرّف عليّ، أو أنها رفضت استقبالي.

ذات مساء، وبعد انقضاء عدة أشهر، وصلني طردٌ فيه المسجّل الصوتي، كانوا قد أرسلوه لي من أولابارّيا، ولم أعرف أبدًا إذا ما كانت هي التي تذكّرتني أو أنّ قريبًا لها هو الذي أرسل لي الجهاز. كان مسجِّلًا صوتيًا ثنائي الشريط من صنع شركة جيلوزو، وإذا أشعله الآن شخصٌ ما، سيسمع أولًا صوتَ امرأة تتحدّث ويبدو أنها تغنّي، ثم يسمع نفس المرأة تتحدّث مع نفسها، وأخيرًا يسمع صوتًا يقول بضعة كلمات، ومن الممكن أن يكون صوت ماسيدونيو فرناندس.

ذلك المسجل الصوتي، وصوت امرأة تعتقد أنها ميتة وتبيع أزهار الأرجوان عند باب اتحادية الملاكمة في شارع كاسترو باروس، مثَّلَا بالنسبة لي الصورة الأولى لآلة ماسيدونيو في روايتي La ciudad Ausente (المدينة الغائبة): الصوت الضائع لامرأةٍ يتحدث معها ماسيدونيو في خلوة غرفة فندق.

نرشح لك كوامي نكروما: مقدمة كتاب “الصراع الطبقي في إفريقيا”

إعلان

مصدر النص: كتاب ريكاردو بيجليا Formas Breves, editorial Debolsillo, 2014.

ملاحظات المترجم:

(1)  ماسيدونيو فرناندس  Macedonio Fernández  (1874-1952) كاتب، فيسلسوف، ومحامي أرجنتيني. من أهم الأدباء في الأرجنتين. كان له أثرٌ كبير على كاتبين أرجنتينيين مشهورين، وهما: كـخورخي لويس بورخس Jorge Luis Borges وخوليو كورتاسر Julio Cortázar، وريكاردو بيغليا معجب بماسيدونيو فرناندس (ملاحظة المترجم).

(2)  الكونفيتيريا في الأرجنتين عبارة عن مقهى، ومكان لتناول الحلويات، ومطعم للمأكولات الخفيفة في نفس الوقت. تعتبر كونفيتريا لاس بيوليتاس Confitería Las Violetas موروثًا شعبيًا لمدينة بوينس آيرس. تأسّست سنة 1884م. (ملاحظة المترجم).

(3)  مستشفى مويانو Moyano لعلاج الأمراض العقلية؛ مستشفى عمومي مخصّص للنساء فقط. يقع في بوينس آيرس، عاصمة الأرجنتين. (ملاحظة المترجم).

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

اترك تعليقا