خلاصة كتاب ما بعد الحداثة مقدمة قصيرة جدًا، كريستوفر باتلر

Postmodernism: A Very Short Introduction

يدرس كتاب “ما بعد الحداثة مقدمة قصيرة جدًا” التي تصل فيه صفحاته إلى مئةٍ وأربعين صفحة، أفكار ومبادئ ما بعد الحداثة في عدة وجوه من الوجه الثقافيّ والأدبيّ إلى الفنيّ والفلسفيّ وفي هذا المقال سنقدِّم فيه خلاصة تشرح مقاصد محتواه وتسلّط الضوء على أهم النقاط التي تناولها مؤلفه “كريستوفر باتلر” في عدة أجزاء معنونة معظمها من خلق المقال. كما أود إحاطة القارئ أن هدف الكتاب هو التركيز على الحركات الفنيّة والأدبيّة أكثر من أيِّ موضوع آخر في سبيل إدراكها جيدًا وما قدمته خلال حقبة أو حالة ما بعد الحداثة.

أصبح موقف ما بعد الحداثيين هو التشكيك في الادعاءات بوجود أيّ شكلٍ من أشكال التفسير الجامع الشامل.
-كريستوفر باتلر (1)

نظرية ما بعد الحداثة

– التفكيكيّة: تقوم كثير من أفكار ما بعد الحداثة على الفلسفة التفكيكيّة التي تتبنى النسبيّة حيث لا تقف عند وجود حقيقة واحدة بل عدة حقائق تعبر عن منظومة أو بيئة وأفراد محدّدين بالتالي لا تمنح التفكيكيّة للعالم أيّ حلول بل تفككك معارفه ولغته وتغربله، كما ترى في اللّغة و العالم عدم توافق عكس ما تظنّه الفلسفات السابقة، فاللغة التي تتخفى وراء ستار الإله أو اللوغوس الذي يمنحنا الضمان لوصف العالم كما هو، ما هو إلّا مجرد تكوين قمنا به لإضفاء الشرعيّة على هذه الدعاوي.
و لهذا سعى التفكيكيّون لخلق لغة جديدة تغوص في التعقيد والغموض والتلاعب اللّغويّ بدل اللّغة الرتيبة والنسقيّة، فهذا الفكر ضد أسلوب خطاب الفلسفة العاديّة حتى لا يكون المؤلف هو الذي يتحكم في النّص بروحه الدينيّة أو القوميّة كما كان سائد قبلًا، بل يمكن للقارئ أن يشارك في تكوين هذا النص الحر وتفسيره بعدة وجهات نظر.

– الرمزيّة: إنَّ كلَّ منظومةٍ لغويّةٍ سواء كانت في الفلسفة سابقًا أو في النص هي مجرد ثقافات أيديولوجية مُتحكَّم بها وهي التي تحدد نوع المعرفة وكم المعرفة التي ينبغي تقديمها. كما أنّ اللّغة تقوم على هرمية محدَّدة وتُؤسِّس نفسها حسب أمور متسامية تكفل مهتمها مثل الإله والإنسان أو الواقع. كما أنّها متأسسة على المتضادات التي تستولي فيها الواحدة على الأخرى ولا تقوم إلا عبرها كالذكورة والأنوثة، والروح والجسد، والحرفية مقابل المجازية، ومن هذه المتضادات اللّغوية التي تُخلق لنا ستُقَرَّر لنا بذلك رؤية نفسنا والآخرين، فنحن لن نرى نفسنا متحضرين إلا حين نقوم بتوصيف غيرنا بالشرقيين أو البرابرة وهكذا. وإذا كانت الكتابة اللّغوية هكذا فستكون القراءة مثلها وبالتالي الفهم وجميع رُؤَانا وسلوكاتنا، فكل ما كتبناه هو مجرَّد مفاهيم اصطنعناها في لغتنا التي تعتقد أنّها حرفية (تعبّر عن الواقع) وهي مجرَّد مجاز (يعبّر عن الخيال) وهذا ما جعل التفكيكيّون يخلقون لغةً خاصةً حد عدم فهمها كما يقول الفيلسوف جون سيرل متحدِّثًا عن فوكو ودريدا وصف لي ميشيل فوكو أسلوب جاك دريدا بأنّه يتّسِم بغموض إرهابي إلى حد يجعلك عاجزًا عن تحديد الموضوع بالضبط وعندما تنتقد ذلك يقول لك دريدا لقد أخطأت فهمي أنت أحمق“. (2)

-الشكوكيّة: تتمتع إذن أفكار ما بعد الحداثة بنزعة تشككيّة قصوى في كل ما نقل إلينا عبر التاريخ سواء من الدين أو الفلسفة والأدب واللّغة التي شكّلتهم عبر نزعات محددة، إنّ هذا الفكر يشك في وجود أيّ محاولة لتفسير العالم وأنفسنا يمكن أن تكون صادقة حتى من خلالهم.
إنّ النزعة الشكوكيّة لدى الفكر ما بعد الحداثيّ جعل من الحقائق التي تُقدَّم للعالم في أيّ ميدان غير قائمة على جوهر أو مبدأ حقيقيّ بل على معاملتهم للجمهور فقط حسب الظروف والمصلحة.
كما لا تخضع أفكار ما بعد الحداثة لأيّ مذهب فلسفيّ أو حزب سياسيّ محدّد رغم نهلها من التفكيكيّة مثلًا التي لا ترى هذه الأخيرة نفسها كمذهب أو اتجاه أصلًا. كما تنكر أيّ أنظمة شموليّة سواء كانت دينيّة أو سياسيّة أو مثل السرديّات التي تقدمها المسيحيّة للعالم من تاريخ للخلاص أو ما تطمح له الماركسيّة وغيرها.
يقوم فكر ما بعد الحداثيين إذن على رؤية نقديّة متطرقة لكل شيء في عالمنا مع تشتت حول إمكانية إعطاء أيّ مفهوم موحد صالح لعصرنا وبعيد عن أيّ مصالح معيّنة.

-اللا تجريبيّة: تتخذ ما بعد الحداثة موقفا سلبيًّا من العلم فهو متحالف مع السلطة العسكريّة أيّ أنّه مُسيَّس، أما الأمرين اللذين يدعي العلم تحققهما فيه من وصف لللعالم بدقة كأوّل شأن إنّما يراه ما بعد الحداثيين مجرّد كذب فالعلم لا يصف العالَم أو يكتشفه بل يشكلّه فقط حسب ما يرى أتباعه و قياداتهم. أما الأمر الثاني فهو اعتبار العلماء اكتشافاتهم واختراعاتهم نزيهة وصالحة للتطبيق في كلِّ عالم، وهذا عند ما بعد الحداثيين دعوى غير صحيحة، فما دام وصفهم للعالم غير صحيح ولديهم دوافع مُسيَّسة لاكتشافاتهم فلا يمكن أن يكتب لإنجازاتهم الصدق والبقاء.
كما أنَّ أبحاث العلم في رؤيتهم تتصل بالذكورة كدراساتهم التي يقومون بها لوصف البويضة والحيوان المنويّ الذي تراه إحدى مفكِّرات ما بعد الحداثة مجرد أسلوب توصيفيّ أبويّ حيث تعبر فيه البويضة عن الضعف والتبعيّة أما الأخير بالنشاط والتسلّط أما الإخصاب فهو مثل فعل اغتصاب جماعيّ.
إنّ الحداثيين هنا أقحموا كل شيء في النص وداخل النص متجاوبين بذلك مع العلم رمزيًّا وثقافيًّا لمهاجمته والاستدلال بنقاط ضعفه حسبهم.

إعلان

-اللا عقلانيّة: إن مصطلحات ومفاهيم مثل العقلانيّة والحريّة والعقل والإنسانيّة والواقعيّة والمساواة، كلُّها مصطنعات غير صادقة قامت السلطة والطبقة البرجوازيّة على طهيها تحت نار الهيمنة اجتماعيًّا و فكريًّا، فحين يتَّحد العقل ومُثل التنوير التي صدروها لنا مع العلم سيؤدي إلى سيطرة استبداديّة تحت رعاية السلطة، وبذلك لم يشن ما فكر بعد الحداثة حملة ضد العلم فقط بل ضد المنطق والقانون والوضوح الديكارتيّ الذي ساد في عصر التنوير الذي هو بالنسبة له يقدّم لنا منظور خاطئ عن أنفسنا والعالم كما ساد في الفلسفات الكانطيّة كمثال، فكل استعمال للمنطق وللمنهج الصارم هو مجرد استعباد وتهميش لفئات لا نقبلها يقال أنّها غير منطقيّة، هذا الشيء الذي جعل ما بعد الحداثيين ينتهجون مبدأ اللا عقلانيّة والتناقض في كتاباتهم وأفكارهم حيث كل محاولة للإمساك والتحكم بالنص ومعانيه ستفشل كما أنّ كل موضوعيّة هي مجرد انحياز يدَّعي كلمة تُدعى الموضوعيّة فقط، كما لا مكان لشيء يدعي الواقعية بل كل واقع هو خيال تشكله جهات وسياسات.

-السرديّة اللا تاريخيّة: تتّسم علاقة ما بعد الحداثة مع التاريخ بالاهتزاز وفقدان الثقة، فالتاريخ في مبادئ هذا الأخير هو مجرد سرد ورواية لا يختلف عن الأدب في شيء حيث يجعلنا نتوهم أنه يقدم لنا حقيقة تاريخيّة مبنية على مصادر ومراجع لا تقبل النقاش، و الحقيقة أنّها مجرد روايات مبنيّة على روايات تعتبر مصادر. يقول هايدن وايت: إنّ الادعاءات التاريخيّة هي روايات شفهيّة تضم محتويات مُختلقة بقدر ما هي مكتشفة، ولدى صياغاتها قواسم مشتركة مع نظيراتها في الأدب أكثر مما بينها وبين نظيراتها في العلوم (3).
فلا فرق بين شكسبير الذي يروي مسرحية وبين مؤرِّخ آخر فكل مؤرِّخ يكتب التاريخ هو منقاد لجهة معينّة تفرض عليه سرده هذا ناهيك عن أن رواياتهم مختلفة وليست حتى واحدة.
لا يمكن في النهاية أن يتم اعتبار كل ما ورد في التاريخ مجرد روايات أو أساطير لكن ما يوّد فكر ما بعد الحداثة التشبث به هو إيقاظنا حتى لا نصدّق كل الرؤى التي تقدَّم لنا بل يجب فرزها جيدًا وممارسة الفحص عليها وعلى من يقدمها لنا.

حسب رؤية ما بعد الحداثة، تفرض جميع الاستخدامات المنهجيّة والمنطقيّة للّغة شكلًا معينًا من أشكال السلطة.
-كريستوفر باتلر (4)

الخطاب و السلطة

-السلطة اللّغويّة: تخلق السلطة نوعًا معيّن و مقيدًا من الخطاب كما تخلق أفراده ومؤسساته كالجامعة أو المعبد والمستشفى، ومن خلال هذه المؤسسات القائمة على هذا الخطاب السلطويّ تستمد قوّتها من تهميش الفئات غير المنتمية إليها أو للتحكم بها.
يحلّل الفيلسوف ميشيل فوكو السلطة من هذه الزاوية القمعيّة التي تنتهجها كما يتحثد عن “الهيكل المعرفيّ” الذي هو “افتراضات لا شعوريّة” لها علاقة بالمنظومة التي لها يد في تشكيل المجتمع تاريخيّا وبذلك ففوكو يغوص في إركيولوجيا تبحث عن تاريخ تشكل هذه المعارف.
يرى فوكو أنّ السلطة تدعي العقلانيّة وتُلبس الآخر الذي تراه عدوًا لباس المنحرف أو المجنون ونفس الأمر يحدث مع الأقليّات أو الأفراد المهمشين مثل المثليّين والمرأة. وكل هذا عن طريق كراهية وعدوان يراه فوكو متجلي في المؤسسات خاصة المدارس والمجتمعات العسكريّة.
إنّ الأشخاص هكذا مجرد كلمات أو حروف في لغة ضيّقة تشكّلهم السلطة كيفما شاءت عن طريق الخطاب واللّغة ولكي يستمد الشخص التابع للسلطة هويّته عليه أن يتَّكِئَ على الآخر (العدو) ويقلّده هوية متضادة مع هويته. كما يتخطى هذا الخلق السلطة بل يتغلغل في المجتمع الذي هو ضحيتها سواء عرفوا أم لم يعرفوا فتساهم في نشر ذلك كافة البنى والوسائل الإعلاميّة و كلما انتشرت هذه المفاهيم السلطويّة في المجتمع كلما اكتسب صفة كونها فطريّة تتكِئ على ضمان الإله والعلم.
اهتم فوكو بتاريخ الجنون لهذا فقد رأى في المصحة مجرّد سجن داخل سجن، أيّ أن واقعنا الذي لا يخلو من مراقبة السلطات لنا لا يختلف كثيرا عنها.

-الهوية والذات التابعة: إنّ من نتائج ما سبق إذن هو تكوين هويّة المجتمع والذات للأفراد حسبما تقتضيه نتائج الخطاب وإنّ الزعم حول أنّ الفرد كائن مستقل يقرر ويرى العالم من وجهة نظره الحرّة التي تشكو من أي نزعة كما يدعي العقلانيّين والليبراليّين هو شأن كاذب، فالذات عند ما بعد حداثيين يجب ترجمتها لتابع لأنّها مجرد زيف خلقته السلطة يتميز بالتبعيّة والانقياد، وعلى سبيل المثال لكي تلتحق بمعهد ما عليك أن تلبس شخصيّة أو هويّة محددة للانضمام إليها والتأقلم فيها، لكن ما يحدث في عالمنا هو أكثر من ذلك فكل هويتنا فيه هي نتاج سلطة بل أكثر من ذلك نتاج صراعات بين مختلف القوى تحاول واحدة الاستيلاء على الأخرى والفوز بنا لرسمنا كما تريد ويبقى الفرد في غضون ذلك بينهما يُقذف. تقول شيلا بن حبيب:أنا وأنت لسنا سوى مواقع لخطابات السلطة المتنازعة تلك والذات ليست سوى موضع في اللغة. (5)
إنّ السلطة لا تكتفي بخلق هوية شعوبها بل عليها القفز للآخر فكما أسلفنا الذكر في المقال لكي تحدّد هويتك عليك أن تعتمد على آخر، نستطيع رؤية ذلك في رأي إدوارد سعيد حين تحدّث عن المستشرقين ودراساتهم التي قامت على نزعات إمبريالية مسيّسة حيث حاولوا أن يقدِّموا لنا صورة عن الشرق بشكل سلبيّ متطرف مقابل الغرب المتحضر، كما يشير إدوارد سعيد إلى جزء من رواية فلوبير وهو يتحدث عن ممارسته الجنس مع أحد المصريات ويذكرنا في الأخير أنّها مجرد آلة لا تفرق بين أحد كحال جميع المصريات. وما لاحظه إدوارد هو كون شخصية المصرية بقيت طول النص صامتة لا تعبر عن نفسها. وما يود قوله هذا الأخير هو أنّ فلوبير قام بتفريغها من هويتها أصلا وخلق واحدة لها من جديد و هذا ما يحدث لنا مع الآخر سواء ما نفعله له أم ما يفعله بنا.

-سياسة الاختلاف: كما تأثر ما بعد الحداثيين بجاك دريدا التفكيكيّ فقد تأثروا كذلك بميشيل فوكو الذي تأثر بدوره بنيتشه عراب ما ما بعد الحداثة ومحاضراته حول السلطة والخطاب التي تسعى لاستبعاد الأقليّات أو المجموعات الغير منتمية لها. كما دعوا إلى مجتمع تعدديّ يقبل بكافة الأفراد سواء من ناحية الجنس أو الميول أو الثقافات والرؤى وطرق العيش.
و تتفق الحركة النسويّة مع ما بعد الحداثة في كونها تولي المرأة حصّة من جميع موضوعاتها التي انتقدتها ومنها السيطرة على المرأة وتقييدها من خلال اتجاهات دينية بطريركيّة أو سياسيّة اقتصاديّة تستغلها أو حتى فلسفات ذات طابع ذكوري ومفاهيم وضعت نفسها داخل بوتقة العلم وبهذا ففكر ما بعد الحداثة يدعو إلى التحرر من كل الأيديولوجيات التي تمسك هوية الفرد و تخلق فيه دوغما الجماعة أو هويّة محددة مع إنكار بقية الأفراد و معاملتهم كآخر، فالذات ليست مستقلة عن السلطة ولا العرق والثقافة كما تراه العقلانيّة والإنسانوية والليبرالية فالفرد ليس “وحدة منسجمة أو كيانًا مستقلًا بل عملية وهو دومًا قيد التكوين ودومًا متناقض ودومًا عرضة للتغيير” (6) حسب ما تقتضيه الأيديولوجيات.
يمكن لأفكار ما بعد الحداثة رغم أنّها غير حزبيّة ولا تخضع لأيّ مذهب منظّم أن تتغلغل في اليسار الذي يشجع على الاختلاف عكس اليمين الذي يتبنى قيم محافظة وبهذا ففكر ما بعد الحداثة لا يلبس لباس التفكيك أو التحرر فقط بل المعارضة لهرم السلطة وكل الأنظمة الشموليّة.

إنّ الوظيفة الحقيقيّة للحركة الفنيّة الطليعيّة هي النقد بالمعنى ما بعد الحداثي إذ ينبغي عليها أن تهاجم المؤسسات الفنيّة البرجوازيّة.
-كريستوفر باتلر (7)

الفنون ما بعد الحداثية

-الثورة على الأصالة: تتميز فترة ما بعد الحداثة بهيمنة الأكاديميّين على الفنانيّين رغم وضع الفن في منزلة مهمة، كما أنّها لا تعترف بالذوق الجماليّ والتعقيد مع التماسك الفنيّ والمتعة الجماليّة بالفنون او إعجاب الفرد بفن معيّن لأنه جميل وتأمله نفعيًّا. كما تهاجم الادعاءات التي تجعل من الفنون تمثيلًا للتقدّم والرقي، ويرى مفكرو ما بعد الحداثة أنّه بمجرد أن يقدّم المرء فنًّا يشير ولو بشكل صغير إلى موضوع ما ينقده فالعمل لن يشكو من أيّ اتهامات حول كونه ليس فنًا حتى لو كان بالنسبة لجمهوره يصل حد البشاعة.
كما يرى مفكرو ما بعد الحداثة ضرورة تحالف الفنانين مع خطاباتهم فكما فلسفات ما بعد الحداثة تنتقد المجتمع وقيمه الحداثية تلك فكذلك الفن يجدر به أن ينتقده بوسائله لكن أيً وسائل؟ بالطبع ليست نفس الوسائل التي كانت في فترة ما قبل الحداثة.
تنبذ ما بعد الحداثة تسليع الفنون وبذلك فإنّه لا يجدر بالفنان التعاقد مع المعارض أو بيع أعماله الفنية كسلع و عقد صفقات تجاريّة.

-البساطة حد التفاهة: لا تعتبر الكثير من فنون ما بعد الحداثة راقيّة ومميزة في أسلوبها بل تعرف بالبساطة حد السخف كما يراها المؤلف والكثير من الأشخاص، كما أنّها ترى الأعمال السابقة ( الحداثية ) تعبر عن فن مسيّس متعاقد مع البرجوازيّة وحتى المؤسسات الفنيّة هي مجرد مؤسسات سياسيّة بما في ذلك المتاحف التي تختار القطع الفنية حسب أيديولوجيتها.
و الفن الحداثيّ هو فن النخبة ولذلك تفضل ما بعد الحداثة التحالف مع الفن الشعبيّ لتفادي سجن السلطة الهرمية ويمثل الفن التصوريّ والتبسيطي أهم أشكال فنون ما بعد الحداثة.
كما يشكو الفن ما بعد الحداثي أو يتميز بانعدام الإتقان فهو لا يهتم بإتقان الموضوع أو جاذبيته فالعمل الفني هنا غير مهم بقدر ما تهم فكرته التي يتضمنها وتفسير جمهوره ووصفه وكيف يتجاوب معه.

-التضامن مع النسويّة: بما أنّ النسويّة مرتبطة بفكر ما بعد الحداثة فقد شغل الفن دورًا هامًا في ذلك فتكاثرت الفنون النسويّة على يد عدة نساء ممن أَرَدنَ نقد المجتمع الأبويّ القائم على تنحية المرأة وتهميشها على يد عدة فنانات وبذلك ففنون ما بعد الحداثة النسويّة تعيد تقديم النظرة الذكوريّة داخل العمل وتشكيله من جديد في رؤية نقديّة ساخرة ناهيك عن السخريّة التي تتضمن فنون ما بعد الحداثة بشكلها العام من الإيديولوجيات الممارسة على الفرد. تجرَّأ الفن النسويّ على التطرق لعدة أمور بما فيها الجنس وتسليع المرأة وتحويلها إلى مجرّد جسد مثار جنسيًّا. ورغم ذلك تعرضت عدة فنانات إلى نقد نسوي لما تحتويه أعمالهن من بقايا حداثية وذكوريّة رغم المحاولة التي أردن تقديمها.

-التمسك بالأصالة: رغم كل ما تخطاه الفن ما بعد الحداثيّ إلا أنّه لم يستطع الانفصال عن الماضي الذي كان سائدًا، فلا يمكن أن يعيد الفنون المعاصرون اختراع الفن من الصفر سواء في الفنون المرئيّة والتشكيليّة أو الموسيقى والعمران والتصوير الفوتوغرافي كما تم اعتبار عدة فنون ما بعد حداثية فنونًا هجينة يختلط فيها الكلاسيكي بالمعاصر وقد تبلغ أحيانًا حد الاستيلاء على أعمال الغير كما سنرى ذلك لاحقًا في المقال.
و في أثناء حقبة ما بعد الحداثة برز عدة فنانين كانوا مخلصين للفن الحداثي مثل فنانو الفن التعبيري الجديد الذي جعلهم هذا الإخلاص يُهاجَمون من قبل مفكرين ما بعد حداثيين الذين رأوا في أعمالهن تعبيرًا عن الحداثة وبعيدًا عن أفكارهم المعاصرة.

إنّ الدعوة الى التساؤل و إشعار الجمهور بالذنب وبالاضطراب كلها سمات ترتبط ارتباطًا وثيقًا عبر أعمال مثل هذه.
-كريستوفر باتلر (8)

نماذج فنيّة

الفن التصوريّ: نستطيع رؤية أحد الأعمال ضمن هذه الفنون المعنون ب“شجرة البلوط” للفنان مايكل كريغ حيث يقدّم في المعرض كوب ماء فوق رف مع نص يقول: س: لقد أطلقت ببساطة على كوب الماء هذا شجرة البلوط أليس كذلك؟
ج: بالطبع لا فهو لم يعد كوب ماء لقد غيّرت مادته الفعليّة… يمكنك وصفه بأيّ وصف تحب لكن ذلك لن يغيّر من حقيقة أنّه شجرة بلوط
(8)
قد يبدو العمل بسيطًا حدّ التفاهة لكنه يشير إلى طقس الأفخارستيا المسيحيّ (الرغيف يرمز لجسد المسيح و الخمر لدمه) و ما يمكن أن يحتويه من أسئلة كل من يراه. ولنذهب لعمل آخر لمايكل أشير حيث كان يتضمن عمله لأداة قامت بهدم حائط في أحد المعارض بميلان وبمجرد ما تهدّم الحائط يستطيع الجمهور بذلك رؤية مكاتب إدارة المعارض وراءها ما يشير طبعًا إلى فكرة هيمنة السلطة على الفنون. قد يبدو العمل هنا بالنسبة للكاتب ذكيًا لكنّه مبتذل.
و كآخر مثال بوسعنا رؤية عمل حول مكنسة أرضيّة لجيف كونو فرغم أنّها مجرد أداة منزليّة تجاريّة نشتريها ونراها إلا أنها جسدت في عمل فني ما يشير إلى رؤية نقديّة إلى الاستهلاك والتسويق الاقتصاديّ.

-الفن التشكيليّ: من أحد هذه الأعمال عمل يعود لجودي شيكاغو معنون ب“حفل العشاء” ، يتضمن طاولة طويلة بها أدوات الأكل أما الأطباق فهي تشير إلى شكل المهبل حيث يثير هذا العمل مفاهيم مثل تحدي المجتمع الذكوريّ كما يقوم بتذكيرنا بالبانثيون الإغريقي الأبوي ( آلهة ومجمع الاولمب) غير أنّ العمل قد لقى استهجانًا عند البعض لأنّه يختزل المرأة في محض بيولوجيا وتوظيف عضوها التناسليّ أما البعض الآخر فرآه يتحدى الخطاب الفرويدي الذي يقول أنّ المرأة كائن بلا قضيب يتوق إليه.
تثير أيضًا لوحة الفنان مالكوم مورلي الجدل حيث تمثل بطاقة بريدية تتضمن سفينة بمدينة نوتردام وهذا العمل خالٍ من أيّ تعقيد جمالي او انبهار به.
إنّ هذا الفن حسب النقاد يهاجم فكرة الفن الراقي والتقدميّ وكذلك التسويقي والخلاق.

-العمران: يتجاوز العمران ما بعد الحداثي معايير الحداثة أو ما قبلها فهو يتخطاها ولكن رغم ذلك فهو يستقي من العمران الكلاسيكي بعض القواعد والهندسة المعماريّة مثل أحد مبانى براون وفينتوري التي تتضمن أعمدة ذات طابع قديم غير أنّ الأعمدة تكون متلاصقة فيما بينها وفي كل خطوة تتباعد على نحو غير مألوف.
كما يمكننا رؤية مبنى مسرح ابراكساس لريكاردو بوفيل فالبناء عظيم ومهيب مكسو بطابع السريالية يشعر الزائر بصغره حيث ينعدم فيه الإحساس بالراحة وكذلك التناقض والغرابة بسبب التصميم.

نماذج فنية و عمرانية و فوتوغرافية تناولها المقال

-الموسيقى: لقد تخطّت موسيقى هذه الفترة تنظيم أو هرمية اللحن والاتجاهات التقليديّة الصارمة في الموسيقى التي كانت سائدة، كما تضمنت الموسيقى عدة أنواع منها تختلط فيما بينها وتندمج كما كان فيها تكرار وإيقاعات وحضر فيها نمط موسيقي بسيط غير معقد ولنذهب إلى موسيقى آدامز في عمله الذي مزج فيه بين موسيقى بيانو والتآلفات الموسيقيّة الكنسيّة و عدة صيغ أخرى حيث يقول: بينما أكتب هذه المقطوعة تعلمت آلات البيانو و صفارات الإنذار الأنثوية بأصواتها التي تشبه هديل الحمام وأبواق قصر فاهالا النحاسية والطبول النحاسية القارعة والثالوث المسيحي بالإضافة إلى عدد لا يحصل من النغمات المنخفضة الداخلي عن صراعاتها و التعايش مع بعضها البعض (9)

-التصوير الفوتوغرافيّ: خاطبت الصور الفوتوغرافيّة الجمهور لتثير فيهم الأسئلة والشكوك مثل صورة جيف وول “صورة للنساء” الذي تقدمه ممسكًا بصورة فوتوغرافية وهو يحدق في صورة فتاة تنعكس على المرآة ما يومي بوجود علاقة ما بينهما لكن الأمر يتخطى ذلك إلى التركيز على نظرة الذكر للمرأة ومن ينظر للآخر.
أو صور سيندي شيرمان التي تصور فيها بعدة أشكال ووضعيات وملابس وشخصيات فمن هي سيندي شيرمان الحقيقيّة في نظر الكاتب بعيدا عن تقمصها لشخصياتها وذاتها هل هي صورتها العارية أم صورتها أمام بناية كسيدة؟
وصف فن التصويري ما بعد الحداثي على أنه فن قد شوهد في كل مرة حيث لا يقدم من الجديد كثيرًا كما أنه يستولي على أعمال أخرى ويقدمها حسب نظرة الفنان كما في عمل شيري ليفين التي استولت فيه على صور الفنانين الذكور وشكلتها من جديد لتقدم فكرتها.

يحقق أدب ما بعد الحداثة انتصارًا تشككيًّا مقلقًا على إحساسنا بالواقع ومن ثم على ادعاءات التاريخ المقبولة.
-كريستوفر باتلر (10)

الأدب ما بعد الحداثي

-التناقض: إذا كان الأدب الحداثي يتميز بتناوله للقضايا الفلسفيّة الوجوديّة فأدب ما بعد الحداثة تعدى ذلك فقد تميّز في البداية بهروب من الشكل المألوف للسرد الذي كان سائدًا ويتميز بالتنظيم والوضوح فكل شيء متشابك ومبهم، حتى الشخصيات لا تحظى بالأهميّة الكبيرة لفرديتها وذاتها فهي غامضة وتترامى هنا وهناك في عالم سياسيّ سلطويّ تذوب فيه الشخصية وتنعدم حريتها. كما أنّ طابع النص خالي من التشويق بل يدفع على الملل وخيبة الأمل خاصة في النهايات التي يمكن أن تكون متناقضة كما يقول رولان بارت:“نصًا يفرض حالة من الضياع نصا مزعجا” (11)
لقد أُتبِع أسلوب التلاعب بالكلمات في هذا الفكر مثلما تحدثنا عن التفكيكيين وقد تحاشى وصف العالم كما هوجم الأدب الذي كان سائدًا والذي قدّم نفسه على أساس أنه يصف العالم.
إنّ النص ما بعد الحداثي إذن لا يقدّم أي معنى واحد واضح لأنه هكذا سيحاصر في فخ المنطق والذاتيًة و العقلانيّة التي يرفضها و كذلك التسلّط على المعنى.

-المؤلف البطل: تقوم نصوص ما بعد الحداثة على موت المؤلف إنّ المؤلف لا يجب أن يكون حرًا في تحكمه بالنص حسب ما يقتضيه العقل أو أي نظام يجبره على ذلك يجعله بمنزلة الإله بل يجب على القارئ أن يشارك في فهم وتكوين هذا النص، فيجدر بالنص أن يكون مفتوحا لنا ومتلاعب بكلماته، كما يتناول النص التاريخ الذي يربطه بالأدب ويضفي طابع السخرية.
كما انتشر في النص ما بعد حداثي دخول المؤلف في نصه ليس بالطريقة التي ترفضها ما بعد الحداثة بل في تقمصه أحد شخصيات رواياته وفي نفس الوقت يمكن أن تعبّر عنه كما يدعي بارت في أحد بأن علينا اعتبار أحد رواياته من تأليف بطلها وفي نفس الوقت هو راويها، أو في كلام جون فاولز وهو يقول بعد أن صرّح بخيالية جميع شخصيات نصه: “ربما أعيش الآن في منزل من المنازل التي استخدمتها في الأحداث الخيالية”.

-نقد حاد: تتضمن إذن نصوص ما بعد الحداثة شكوكيّة وتفكيك وسخرية ونقد للمجتمع سواء ثقافته أو تاريخه وسلطته كما يمكننا رؤية الأمر في رواية جوليان بارنيز “تاريخ العالم في عشرة فصول ونصف” حيث تتضمن القصة حشرة كانت في سفينة نوح تروي فيه ما حدث حيث تقول: “لم نكن ندري شيئًا عن الخلفية السياسيّة للأحداث حيث كان غضب الله شيئًا جديدًا علينا، لقد زُجَّ بنا في المسألة من دون إرادة منا”ثم تبدأ الحشرة بإعطاء آراء حول أنّ سفر التكوين يضهد الثعابين أو أنّ هناك حيوانات لم تستطع الصعود إلى السفينة لتجد نفسها بمواجهة الطوفان رغم براءتها.
إنّ هذه الرواية تعكس مجتمعاتنا وكيفية تعاملها مع الفئات المضطهدة والسفينة هنا تجسد مراكز الاعتقال ولا تختلف عن المجتمع أيضًا.
في رواية سلمان رشدي أطفال بعد منتصف الليل الذي يتحدث عن شخصية سليم سيناي الذي ليس له وزن فهو مجرد رجل يعيش في الهند حيث تسجد الرواية صراعاته حول الذات والهوية ارتباطا بحالة البلد السياسية وقته التي تلعب دورا في تشكيله. الرواية تعج بالغموض والتناقض والعبث حدّ وجود عبارات مثل “موت نهرو… ذلك كان خطئي”. (12)
يمثل إذن هذا الأدب نقدا لكل الثقافات يصل لردطة التشويش على القارئ غير أنّه يمارس نوعًا من الدعارة النقديّة القصوى إذا شئنا تسميتها بذلك في مقالنا.

نحن ببساطة أسرى عالم من الرموز خاضع لسيطرة الإعلام خلقته الرأسمالية لأغراض خسيسة تتعلق بتصنيع رغباتنا.
-كريستوفر باتلر (13)

حالة ما بعد الحداثة

-العالم قرية صغيرة: لا تتصالح ما بعد الحداثة مع التكنولوجيا لأنّ التكنولوجيا رأس من رؤوس السلطة السياسيّة والعسكرية والتجاريّة، غير أنّ الإنترنت تمثل حالة ما بعد حداثية فهي متوفرة لكل شخص وليست محتكرة عند طبقة معيّنة لمن من يملكها أو يتحكّم بها لأغراض سياسيّة وتجاريّة ليس كل شخص كما أنً الجميع فيها يستعملون لهذا الغرض، إنّ التكنولوجيا جعلت العالم قرية صغيرة كما صارت تعج بالمعلومات سواء كانت صحية أو خاطئة، ناقصة أو مضللة ومشوهة غير أنّ كل فرد لا يشارك فيها فهو على الأغلب فردًا مهمشًا ومحرومًا يتم تجاهله.

-المجتمع الاستهلاكيّ: يرى ما بعد الحداثيون أنّ مجتمعنا استهلاكيّ في المقام الأوّل، فكل شيء الآن صار يمنطق ويعامل بمبدأ التسويق والتجارة والاستهلاك حتى الثقافة والتعليم الآن يشكوان من هذا التسليع و يخضعان لمبادئ الاقتصاد.
إنّ جميع المنتجات هي مجرد رموز وكلمات تقوم عليها شركات تجاريّة وسياسات رأسمالية تنهكنا بتمرير حياة تقدم لنا على أنها رفاهيّة وفي غضون ذلك ننسى المشاكل الحقيقيّة للعالم و كذلك الفئات المحرومة.

-وسائل الإعلام: يُعد الإعلام وجهًا من وجوه السلطة حيث يقدّم معلومات محددة حسبها وحتى تغطيته الحروب صارت مجرد سرديات متكرّرة ليس لأجل هدف مُتسامٍ.

تساهم وسائل الإعلام في جعل العالم قرية صغيرة وبذلك في جعلنا استهلاكيين أيضًا، والتسويق وما يقوم به الإعلام هو خلق احتياجات للمجتمع ليست لديها لشراء ما يجب عليه أن يشتري كما يرى الفيلسوف جان بودريار أنّ هناك عدة إنتاجات ما هي إلا مجرد تغطية على عالمنا مثل حديثه عن إنشاء ديزني لاند حتى يتم إيهامنا بأنّها خياليّة أما عالمنا فهو الواقعيّة مع أنّ الحقيقة في كون كلا العالمين غير حقيقيين وما ديزني إلا نموذج لحجب خيالية عالمنا.

إنّ ما بعد الحداثيين بارعون في مجال النقد التفكيكيّ لكنهم فاشلون تمامًا في مجال البناء.
كريستوفر باتلر (14)

نقد ما بعد الحداثة

-إيجابيات ما بعد الحداثة: لقد أفرزت ما بعد الحداثة في مجتمعاننا رؤية تفكيكيّة تتجرأ على الايديولوجيات والمفاهيم والأنظمة بكاقة أنواعها و بذلك فإنّ الطابع الثوري سعى إلى تحريرنا من القيود التي تفرض علينا فكانت مجهوداتها جبارة في نشر سياسة الاختلاف وتقبل الآخر ومساندة الحركات النسويّة والفئات المهمشة وتوليد مفاهيم جديدة في الأدب والفنون ونبذ الدوغمائيات التي تستند على اليقين المطلق.

-المجتمعات الحداثية: لقد زعمت ما بعد الحداثة أنّ الكثير من الأنظمة الشمولية والسرديات السياسيّة والثقافيّة صارت منبوذة غير أن الأمر غير صحيح فلا تزال هوية الشعوب تنقاد وراءها حد إزهاق النفس و إنّ ما زعمته ما بعد الحداثة نابع من رأيها حول الطبقة المثقفة لا الشعوب.

-انعدام الحل: يُوجه لما بعد الحداثيين صفات العجز فهم ينتقدون المجتمع فقط ويسيرون إلى النسبيّة وعدم تبني أي وجهات نظر أخلاقية وسياسية وبهذا فهم لا يستطيعون تقديم البديل ولا يمكن حتى للحركة النسويّة المسير وراءهم نحو المجهول من دون الالتزام بخطة محكمة.

-التطرف الانعزالي: يهاجم ما بعد الحداثيين أيّ جهة أو طرف يرونها تنتهح مناهج سابقة بصورة قصوى حتى بينهم البعض كما لا يقبلون النقاش مع الآخر بل يفضلون التفاعل بينهم.
التاريخ موثوق: رغم وجود كل الأيديولوجيات التي تسيطر على التأريخ إلّا أنه لا يمكن أن نكذبه كليًا فمجرد وجود رفض لعدة أحداث في التاريخ أو جدل عليه فهذا دليل على صدق التاريخ و منهجيته التفحصيّة كما أنّ الروائيّ الذي يرون عدم اختلاف المؤرخ عنه ينبغي أن يلجأ إليهم ولمعرفة التاريخ عن طريقهم حتى يتسنى له الكتابة.

-اللاعلميّة: يهاجم ما بعد الحداثيّين العلم عن طريق إساءة فهمه وأحيانا تشويهه وإخراجه عن سياقه أو جعله يقوم على مبدأ السياسة مع أنّه حتى لو تحكمت به السلطة فسيظل العلم بين علمائه لا القادة و قد تعرض مفكري ما بعد الحداثة إلى نقد بالغ اتجاه موقفهم اتجاه العلم الذي وصف بالجهل حتى صار هناك تغيّر في أسلوب تعاطيها معه.

-التناقض: يزعم فكرهم أنه لا يتوافق مع أيّ مذهب أو نظام محدد فهو حر، كما يدعو إلى الحريّة بالرغم من تبنيه عدة وجهات نظر من التفكيكيّة وفكر جاك دريدا أو الماركسيّة خاصة رؤيتهم لطبقة السلطة و اضفاء مسحة الشر عليها أو تبريراتهم للمجرمين وتحميل السلطة المسؤوليّة متأثرين بفوكو، كما أنّهم يعتقدون في نسبية كل شيء ومع ذلك يقدمون منظورهم للمجتمع و يصفونه.

-المبالغة: ينتهج ما بعد الحداثيين أسلوبًا متطرفًا لوصف عالمنا على أنه استهلاكي أو أنّ جميع أفراده ضحايا نظام العالم السياسيّ متناسين أنه حتى بوجود السيطرة المفاهيميّة على الفرد فلكل فرد حياته الخاصة وفكره كما أنّهم شيطنوا السياسة حد ابتكار نظريات تتحدث عن المؤامرة بشكل مبالغ فيه.

-الفن غير مجدٍ: إنّ تغيير الذهنيات لا يكون عبر تقديم أعمال فنيّة وشعارات بل يحتاج مناقشات ومجادلات أما الفن فهو يقنع من هو مقتنع به أصلا ولهذا هو وسيلة غير فعالة.

-عدم التناسب: يطرح السؤال دومًا على ما بعد الحداثة ومحلها من الإعراب في المجتمعات غير الحداثية أو التي لا تتبنى أي قيم تهاجمها فإذا وُجدت مجتمعات كهذه فهل سيجد فكر ما بعد الحداثة مكانًا فيها؟ أم أنه سيفشل؟

خاتمة..

قدّم المؤلف في نهاية كتابه بدائل لفكر ما بعد الحداثة رآها أنجح وسيلة وأفضلها للمجتمع الغربي مثل الاتجاه الليبرالي الأنجلوأمريكي الذي يمتاز بإنجازات أوسع من الفكر الذي أخذناه في المقال والذي فضل هذا الأخير -الفكر ما بعد الحداثي- الفن على الفلسفة السياسية والأخلاقيّة أكثر. أما في إطار الفن فهو يقدّم لنا ما هوجم من قبل ما بعد الحداثيّين مثل أعمال التعبيريون الجدد، أما في مجال الأدب فهو يعتبر عدة روائيّين رغم أفكارهم ما بعد الحداثية التي تأثروا بها أنّهم بعيدون عنها مثل ميلان كونديرا أو أمبيرتو ايكو أو حتى سلمان رشدي الذين وازنوا بين الحداثة وما بعدها حسبه.
ورغم ذلك يبقى ثقل ما بعد الحداثة موجودًا رغم أنّ الكاتب قد كتب لها الفناء مستقبلًا بكونها مجرد حالة رأت الضوء في ظروف معيّنة.

نرشح لك: إنسان ما بعد الحداثة، الحياة بحد ذاتها سلعة

صفحات الاقتباس من المصدر:
1 - مابعد الحداثة مقدمة قصيرة جدا، مؤسسة هنداوي، كريستوفر باتلر ، ص21
2 - // ص14
3 - // ص37
4 - // ص50
5 - // ص65
6 - // ص58
7 - // ص68
8 - // ص86
9 - // ص90
10 - // ص75
11 - // ص72
12 - //ص61
13 - // ص117
14 - //ص99

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: سارة عمري

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

تدقيق علمي: Esam osama

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا