تأخذك إلى أعماق الفكر

خلاصة كتاب الآراء والمعتقدات غوستاف لوبون Les opinions et les croyances

كان طبيبًا عاشقًا لروح الحضارة والتاريخ، فضوليّا لكشف أعمال الفلاسفة، يتضور من جوع الحاجة إلى الاكتشاف والعمل في تفكيك الأمم، شراهته في التهام العلوم الإنسانية كانت شديدة الوطء على القرّاء بشكلها الإيجابيّ والغزير، أراد سبر أغوار المجتمعات من خلال دراساته التي ولدت لنا مؤلفات عديدة فمن كتاب حضارة الهند وفلسفة التاريخ إلى كتاب سيكولوجية الجماهير وروح الجماعات وغيرها العديد، وأخيرًا كتابنا المرجو شرحه الآراء والمعتقدات.

اهتم غوستاف لوبون بالفكر والإرث الذي تركه لنا الأجداد ليوصله إلى الجميع من خلال الحبر والورق، شد انتباهه تكوين الشعوب تاريخيًا ودينيًا وفلسفيًا فما برح إلا أن يكتب عنهم، كانت له عدة سقطات وخاصة الوصمة التي وُصِم بها حول معاداته للسامية التي يلصقها بها البعض، غير أنه وبغض النظر عن كل ذلك لا يمكن للمرء إلا أن يشيد بدوره المهم ومجهوداته في عدة ميادين من العلم.

ستجدون في هذا الكتاب اعتمادًا على طبعة دار عصير الكتب ترجمة عادل زعيتر في 335 صفحة، خلاصة تفسيّرية أو مراجعة تشرح أهم ما جاء في كتاب الآراء والمعتقدات حسب فصول وأجزاء معيّنة، في محاولة منا لتقريب مقاصده الفكرية أكثر.

يظهر الألم واللذّة في الإنسان منذ ما تدب الحياة فيه، فبقوة الحياة لا الحسّ يشعر الإنسان بوجوده ولو قال ديكارت أشعر ولذلك فإني موجود بدل من قوله أفكر ولذلك أنا موجود لكان قوله أقرب إلى الحقيقة.
غوستاف لوبون، الآراء والمعتقدات، ص43

كوجيتو الشعور

  • اللذة والألم:

إنّ حياة الإنسان قائمة بأكملها على استقطاب اللذّة والابتعاد عن الألم أي الوصول إلى السعادة، وإن اللذّة لا تكون إلا عبر الألم ولأقدم مثالًا شخصيًّا يشرح مقصد هذا الأمر لنا أن نتخيل أن هناك شخص يريد الوصول إلى قمة جبل متسلقًا، يبدو أنّه من الطبيعيّ وجوب أن يعاني ويصارع ويتألم حتى يصل إليه ليشعر بلذّة تحقيق هدفه، فلو وصل إلى القمة عبر طائرة الهيليكوبتر لن يكون لهذا أي معنى بالتالي لن توجد اللذّة.

إنّ اللذّة والألم تحددهما الرغبة أولًا فالباحث الذي يجد لذّته في كتابة المؤلفات والبحوث يتحصل عليها من مبعث رغبته في الأمر وبهذا هو يختلف عن من يرى ويرغب في أن تكون لذتّه نابعة من إنجاز آخر. أما الأمل الذي لا يخلو من الأهمية فهو اللذة المرجوة مستقبلًا.

إعلان

  • اللاشعور:

إنّ الشعور يأتي من اللاشعور الموروث من الأجداد في حركة تطور قديمة ولكي نفهم اللاشعور فهو مثل الإلهام الذي يصدر من المرء بطريقة لم يردها كمثال طرحه غوستاف، ويوجد في اللاشعور ثلاثة أنواع هي:
اللاشعور العضويّ: يخص الحياة البيولوجية والطبيعة.
-اللاشعور العاطفيّ: وهو غنيّ عن الشرح يخص الأحاسيس والمشاعر.
-اللاشعور الذهنيّ: حيث يُشحد بالتربية.

  • الشعور:

إن الشعور ينبع من منبع اللاشعور، وهو يتألف من ثلاثة أصناف كذلك هي:
الانفعالات: أي كل ما هو رد فعل من غضب وخوف.

الأحوال: وهي كل ما يلازم حالة الإنسان مثل اللطف والرفق.

الحرص: وهو كل ما هو صادر عن مشاعر شديدة وملاصقة للإنسان تستطيع التاثير عليه بسهولة مثل الحب والكره.
وإنّ للشعور ذاكرة لكنها قصيرة الأمد والتأثير إذا لم تُستذكر لهذا فهي تحتاج لتحفيزها وإيقاظها مثل عملاق نائم عبر الإعلام والخطب السياسية والطقوس إذا ما أرادوا لها البقاء، عكس ذاكرة العقل طويلة الأمد التي جلبت لنا الإرث الحضاريّ من آداب وفنون غير أنه لا يخفى على أحد مدى احتياج هذا الإرث إلى شعور الإنسان فالفنون التي وصلتنا والأساطير قد لعب الشعور الدينيّ والفنيّ والسياسيّ فيها دورًا كبيرًا مُشَكِلةً معتقدات، غير أنّها سُيرت وحُفظت من قبل العقل.

إذا وجدت أعمال صالحة أو أثيمة فليس منها ما هو غير منطقي وإنّما صدرت هذه الأعمال عن أنواع منطقيّة مختلفة لا يسد أحدها مسد الآخر خذ المنطق العقليّ مثلًا ترى أنه يختلف في تفسيره عن المنطق الدينيّ والمنطق العاطفيّ ومنطق الجموع.
-غوستاف لوبون، الآراء والمعتقدات، ص 87

أنواع المنطق

منطق الحياة: هو كل ما يخص الطبيعة ونظامها من حفظ النوع وغريزة البقاء والنمو والارتقاء بالكائنات والحياة وهو يسري في الكون غصبًا عن إرادتنا.

المنطق العاطفيّ: هو المنطق الذي يخص كل ما من شأنه أن يتعلق بالعواطف والمشاعر والأحاسيس التي تخاطب وجدان المرء وكلما كان المرء عاطفيًّا أكثر أو ميالًا لعرض مشاعره وإظهارها في مسرح الأحداث فإنّ التأثير عليه بالعاطفة يحتل مكانة قويّة.

المنطق الدينيّ: إنّه المنطق الذي يمسّ المواضيع الدينيّة والاعتقاديّة عند الفرد باختلاف أديانهم وتوجهاتهم، يغلب عليه طابع السذاجة وسرعة الوصول إلى اليقين والانتشار كما يقول غوستاف لوبون.

المنطق الجماهيريّ: يُبعث من خلال تشكل الجماعة وما ينتج منه، وكلما كان الشخص يفضل الالتصاق بقبيلته أو جماعته أكثر سَهل على الناس التأثير عليه عبر هذا المنطق.

المنطق العقليّ: هو المنطق الذي ينطلق من المنهج العلميّ والاستدلالي الذي يفحص ويدقق في الأشياء ويجعل من الشكّ أول أعمدته والتأمل والتجربة ثانيها وثالثها.

إنّ أول منطق ظهر في تاريخ الأرض هو منطق الحياة الذي بدأ به العالم ثم يأتي بعده أكثر منطق تأثيرًا وانتشارًا بين الناس وهو المنطق العاطفيّ يليه المنطق الدينيّ الذي يجمعه كذلك من خلال مخاطبة العواطف عن طريق الإلهيّات والروحانيّات ثم يليهما المنطق الجماهيريّ الذي يجمع العاطفة والدين معًا على شاكلة شعب أو أمة في مميزاتها الفكريّة والقوميّة والإجتماعيّة، ثم أخيرًا المنطق العقليّ الذي هو أضعف منطق من ناحية التأثير حيث لا نجده إلا عند أقلية من الأشخاص.

تنشأ تقلبات التاريخ عما بين أنواع المنطق المختلفة من تصادم فمتى يتغلب المنطق الدينيّ فإنّه يعقب ذلك حروب دينيّة ومتى تتم الغلبة للمنطق العاطفيّ فإنّنا نشاهد حسب الأحوال إما تأهبًا للحرب وإما بالعكس انتشارًا للمذهب الإنساني…
-غوستاف لوبون، الآراء والمعتقدات ص 136-137

حروب المنطق

إنّ كل إنسان وكيفية رؤيته للحياة من زاويته فهناك من يغلب عليه المنطق العاطفيّ في تفسيره للحياة واتخاذ قراراته وردات فعله وهناك من يغلب عليه المنطق الدينيّ، غير أنّ أقلّ منطق يغلب على الفرد هو المنطق العقليّ الذي هو أحدثها كلها حيث برز وتطور بمرور الوقت ومع ازدهار الحضارات وتقدم ملكات الإنسان، كما أنه منطق أشبه بجثة حين يقف في مواجهة البقية حيث يسهل عليهم دحضه ورميه بعيدًا.

غير أنّ غلبة منطق على آخر ليست مطلقة أو كليّة فيها؛ لأن الإنسان يتأثر بجميعها ولا يستلزم بالضرورة أن يكون هناك ممسوسون بمنطق واحد فهذا زعم خاطئ، فالمنطق العاطفيّ والدينيّ والجماهيريّ يتماشَوْن معًا في معظم الحالات وهناك من نجده يستعمل منطقه العقليّ في جل حياته العلمية والعملية لكنه يتعطل حين يقابل الدين فنراه مؤمنًا بكل ما في هذا الأخير وأحيانًا نجد أشخاص لادينيين يقفون في وجه المنطق الدينيّ بشراسة لكنهم سرعان ما يجعلون من موقفهم اللاديني مجرد معتقد آخر ومنطقا دينيًّا أو عاطفيًّا أو جمعيًّا.
إن المنطق العاطفيّ والدينيّ والجماهيريّ يمكن أن يُتِم تطويره وإنمائه بفعل بيئة الإنسان التي يعيش فيها من خلال التربيّة والتقاليد والعادات. وحتى الغرائز التي لها سطوة كبيرة على الإنسان يُمكن أن يُكبح جماحها بفعل هذه الأنواع من المنطق وما تضخه من خوف من العقاب وطمع في الثواب والعيش في جماعة أو حضارة.

وإنّ البطولة كمثال يورده غوستاف أي القيام بالأعمال البطولية والمخاطرة بالنفس مثل إنقاذ شخص يغرق لا يُتم بالمنطق العقليّ فلو كان يتم عبر ذلك ما استطاع الإنسان أن يقفز و ينقذ غيره بل يُتم من خلال العاطفة التي لا تتأمل ولا تفكر في عواقب الأمور.

وأيّ رجل سياسة يريد إحكام قبضته على يد شعوبه يستعمل معهم المنطق العاطفيّ والدينيّ ليثيرهم ويحفظهم على نحو ما يريد ومن هذا المبعث تحدث ثورات الشعوب ويُخرق القانون بسببها، لكن كل هذا يكون عبر استعمال القائد منطقه العقلي لينجح في خطته كما فعل نابوليون.**

والحقيقة أنّ تكوين الآراء والمعتقدات لا يستلزم سوى قليل من العوامل، فعوامل العرق والبيئة والعدوى تكفي لإنشاء المعتقدات العظيمة وعاملًا الانفعال والمنفعة يكفي لتكوين الآراء اليومية.
-غوستاف لوبون، الآراء والمعتقدات، ص 148

الآراء والمعتقدات

إنّ الآراء والمعتقدات هي من فصيلة واحدة، فالمعتقد هو شامل سواءً كان دينيًّا أو سياسيًّا أو اجتماعيًّا حيث لا عقل له، أما الرأي فهو كذلك يدخل داخل هذه الدائرة ويخوض فيها من فرد لفرد ويمكن للرأي أن يخص الجانب العلميّ والعقليّ لكن غوستاف لوبون يذهب في كتابه حول المعتقدات والآراء التي تصاحب الدين العاطفة والجماعة والحياة أكثر من أيّ شأن آخر.

إنّ المعتقد يتصل بالإنسان عبر اللإرادة واللاعقل ويجمع اللاشعور مع الشعور حيث يُشَكل جميع مجالاتنا الحياتيّة من دين وسياسة إلى أخلاق، كما أنه يختلف عن المعرفة التي تتصل بالعقل فقط فأي معتقد يرغب صاحبه في برهنته عبر التأمّل والتجربة فهو بذلك يصير معرفة إذا تمت البرهنة طبعًا، إن المعرفة كذلك تستلزم الشكّ والريبة عكس المعتقد الذي يوجب الإيمان والتأثر العاطفي والقبول من أول مرة. وإن المشاعر التي تتحكم في المعتقد لا تتطور بل تبقى نفسها عكس المعرفة والعلم.

  • مكونات الآراء والمعتقدات:

الأخلاق: تلعب الأخلاق دورًا مهمًا في تكوين معتقد وآراء الفرد حول عدة اتجاهات فالثوريون مثلًا والذين يصفهم مؤرخنا بالمنحطين لا يميلون إلى التخلّق والأخذ بالأخلاق التي تجعلهم بعيدين عن مثل كهذا ثورات واندفاع عكس المحافظون.

المثل الأعلى: وهو أسمى قمة للمعتقد يراها الفرد غاية وهدف أو ما يميز مذهبه سواء كانت مستقيمة أو منحرفة فهو في عينه كلُّ الصواب.

الإحتياجات: إنّ تطور الحضارة كان عبر الإحتياجات، فإنسان الكهوف قد خرج منها لحاجته إلى الغذاء وإن الحاجة هي التي جعلت البشرية تتقاتل فيما بينها، إن الدين هو بحاجة كذلك إلى تفسير الكون وإن الحاجة هي التي تجعل المرء يسلك معتقدًا ثوريًا، كما أنها مرتبطة باللذة والألم أيضًا حسبه.

المنفعة: إنّ المنفعة لها قدرة سحرية على تحويل رجل السياسة نحو رفض اتجاه ما حين لا يجد منفعته فيه وقبوله مجددًا عند لمسه منفعة فيه، وللإيضاح أكثر حول رؤية غوستاف لوبون يمكنني تقديم أمثلة مثل: اعتناق دين معين لأجل منفعة فيه كالجنة أو مغانم يفوز بها مؤمنيه الشيء الذي يجر المرء إليه، غير أن المنفعة كما يرى صاحب الكتاب في أغلب الأوقات يمكن أن تؤدي إلى انحلال الأخلاق.

الحرص: إنّ الحالات الثابتة التي سبق أن ذكرناها تمنع الإنسان في أن يرى الأمور كما هي، كما أنه يتعصب عن كره لخصومه ولآراء أخرى، وإن الحرص السلبي هو ما يسيطر أكثر علينا مقارنة بالحرص الإيجابي مثل الحب.

العرق: يلعب العرق دورًا هامًا في ذلك والعرق ليس جينيًا بل هو روح الشعب وتقاليده وبيئته وكل أمة مطبوعة بهذه الشؤون، بل حتى في طبقات المجتمع نعثر على الاختلافات، فيكون مثلًا رأي العامل ليس كرأي النبلاء.

  • العوامل المتحكمة في الآراء و المعتقدات:

التلقين: إنّ الجرائد، والكتب، والإعلام، والقادة يتحكمون ويضخون مزيدًا من المعتقدات في الشعوب وغرسها مع إطالة ذاكرتها.

الانطباعات الأولى: وهي أول ردة فعل تصدر عن المرء حيال شأن ما يصبح بعد ذلك رأيًا ومعتقدًا ثابتًا، فالناس لا يحبون التدقيق واستعمال العقل لأن أول شيء يسودهم هي الانطباعات.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سارة عمري

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: حسن أحمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.