تأخذك إلى أعماق الفكر

بؤس القراءة: يوم أدركت أنني لست قارئة!

منذ أشهر قليلة قمت بإلغاء حسابي على موقع القراءة الأشهر goodreads بالرغم من وجودي عليه منذ العام 2012، لم أشعر بالأسى عليه بعد تلك السنوات، بل وأستطيع القول أنني أشعر براحة غريبة كلما تذكرت أنني لم أعد أمتلك حسابًا فيه، ولكن ما السوء الذي يمكن أن يوجد في موقع كهذا مخصص للقراءة ولمحبي القراءة؟ لعل مساوئه قليلة مقارنة بمواقع التواصل الاجتماعي أو لنقل المواقع التي يقبل عليها الجميع لامتلاك حسابات فيها حتى لو لم يعرفوا لأي غرضٍ  يخلقون تلك الحسابات! ولكن مشكلتي لم تكن معه بالذات بقدر ما كانت مع القراءة نفسها كنشاط، كممارسة قد تنقلب يومًا على صاحبها.

إنّ واحدة من الأمور التي جعلتني أنفر من القراءة في العامين أو الثلاثة الفائتة هو أنني اكتشفت وفي لحظة صفاء ذهني نادرة أنني لم أحب القراءة حتى في السنوات التي كنت أقرأ فيها بكثافة، أو عندما كنت أخزن الكتب وأحدد لنفسي تحديات للقراءة وأقرر أنني أريد أن أقرأ هذا الكتاب وذاك، أو أن أختم تلك السلسلة من الكتب أو أن أقحم نفسي في قراءة جديدة و مجال جديد.

لم أكن أحب القراءة في ذاتها ولا أظن أنه كان ينبغي لي أن أحبها، بل كنت أحب المعرفة، ولم أشعر يومًا أن المعرفة عبء حتى مع الثقل الذي يكتسبه الوعي من ازديادها أو انقداحها في الذهن. قد يكون الوعي المصاحب للمعرفة مؤلمًا لكنه ليس منفرًا أو مكروهًا، ولا أحسب أنني كرهت ما منحتني إياه الكتب من معارف أو أفكار. ولكنني توقفت لبرهة وتساءلت لماذا هذا السباق المحموم لإنهاء الكتب؟ ماذا لو لم تنتهِ؟ ولمَ يجب علي أن أقرأ حتى وأنا في أشد حالاتي المزاجية بؤسًا، وما هذا القلق الذي ينهش الفكر لمجرد أن الواحد منا لا يقرأ لفترة من الزمن؟ وكل مرة أصل للنتيجة نفسها، لا شيء يستدعي ذلك، لا شيء مهم، بل إن كون الإنسان يشعر بهذا القلق والانزعاج لأنه لم يعد يزاول هذا النشاط أو ذاك يعني أنه استطرد بعيدًا في مزاولته لدرجة قد تكون متطرفة أو قد تنسيه الغرض الذي لأجله يفعل ما يفعل! هل أقرأ حتى أطرد عن كاهلي عبء القراءة؟ هل أنا مدمن لا أستطيع أن أكون بكامل وعيي لأنني لم آخذ جرعتي مما أنا مدمن عليه؟ يبدو السؤالان متماثلين إلى حدٍ ما!

هل يعني ذلك أن علي أن أضع هدفًا للقراءة وإلا فإن قراءتي لا داعي لها؟

ليس تمامًا ولأسباب كثيرة. أن أقرأ حتى أستمتع هدف كما لو أنني أقرأ حتى أنجز عملًا  أو أحصل على معلومات محددة! هذه أهداف كلها حتى لو بدت متفاوتة تمامًا. إن قرأت لأجل القراءة فقط هل يعني أنني لا أحقق أي فائدة؟ ستتحقق فائدة بالتأكيد، سأكتسب معرفة ما بشكلٍ أو بآخر، ولكن المشكلة ماذا سأفعل بهذه المعرفة فيما بعد؟ سيقول أحدهم ولمَ قد أحتاج لعمل أي شيء ملموس بها، يكفي أن تزيد معارفي فتنمو بذلك شخصيتي وأصبح إنسانًا متكلمًا أو صاحب رؤية ما. ولكن ألا يتطلب بناء الشخصية جوانب أخرى تتمازج مع المعارف المكتسبة من القراءة؟ خبرة في الحياة، تجربة ذاتية أو اختلاطًا بالناس؟.

مشكلة مَن هم مثقفون أو أصحاب شخصيات جيدة بسبب معرفة اكتسبوها من قراءات مكثفة واطلاع واسع أنهم يعيشون في مكان ما خارج الواقع، أو أن الواقع يكون غريبًا عليهم مهما حاولوا التعايش معه (إن استطاعوا)، وقد يكتسبوا نوعًا من العناد والمكابرة في مجاراة الواقع وما يفرضه عليهم، لأنهم يدركون الحقائق المستقاة من الحياة في شكلها الأخير الذي تضعه الكتب لهم، ولم تتبلور في عقولهم من تجربة حقيقية سبقتها وعاشوها بأنفسهم. روافد التجربة الإنسانية كثيرة وغزيرة، لاشك أن القراءة إحدى أهمها ولكنها ليست الأفضل (على الأقل ليس دائمًا!).

إعلان

القراءة كانت ذات فائدة عظيمة لي ولكنها باتت كذلك عندما استطعت أن أميز ما أريده لها أن تضيفه إلي أو ما أستطيع أنا أن أضيفه إلى القراءة حتى تصبح شيئًا متكاملًا  يجعلني إنسانة أفضل، وأظن أن ثقافة متراكمة ومعلومات كثيرة وقدرة على الكلام المنمق المشبع بالاقتباسات والمقتطفات قد يجعل الواحد منا شخصية ملفتة ولكن ماذا إن لم تصنع منه إنسانًا أفضل في سلوكه وتعاملاته أو في أي وسط هو فيه؟ لا أستطيع أن أفكر بالثقافة بمعزل عما يمكن لها لأن تعكسه هذه الثقافة من دواخل الفرد على مجتمعه القريب أو مجتمعه الأكبر، كيف تُحسن من فهمه للناس أو من قدرته على التواصل معهم، إفادتهم أو الاستفادة منهم.

ليس هذا المقال دعوة لأحد لأن يترك القراءة، بل أن يفهم دورها ومكانها من المشهد الأكبر لحياته، كيف تؤثر فيها وتنميها بشكل أفضل، كيف يمكنني أن أزاول القراءة دون أن أشعر لو أني تركتها لمدة شهر أو شهرين أنني حانق على نفسي لأنني لم أستطع إتمام كتاب، ماذا لو اكتسبت معرفة أو خبرة في هذه المدة من مكان آخر غير الكتب؟ قد يكون الأمر كذلك لو حاولت أن أبعد عن ذهني سباق القراءة والرغبة باللحاق بشيء مبهم غريب لا أعرف مداه! إن صاحب القراءة مثل هذا الضغط النفسي لابد وأن أقف قليلًا وأتمعن لأجل أي شيء أقرأ، وإلا فلا أظن أننا اكتسبنا ما ينبغي أن نكتسبه من القراءة، إن كنا نقرأ بهذه العقلية!. في النهاية من الجيد أن يقف الإنسان بين الحين والآخر وقفات مع النفس تعيد تقييم الأشياء،  حتى لو كانت تلك الأشياء جيدة وإيجابية.

نرشح لك: القراءة ..الفريضة الغائبة

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.