تأخذك إلى أعماق الفكر

انتبه من فضلك: بحثك عن السعادة طريق لتعاستك الأبدية

أعود مجددًا لكتاب فنِّ اللامبالاة للكاتب الأمريكيّ “مارك مانسون” واليوم مع “السعادة مشكلة”. حيث يحكي لنا قصّة الملك بوذا الذي عزله والده بقصرهم شديد الثراء والفراهة ظنًّا منه أنّه بذلك يجعله سعيدًا. وفّر له كل ما يريد من رغد الحياة وترَفها، لكنّه لم يكن سعيدًا وفي يومٍ ما خرجَ بوذا من القصر فاصطدم لأوّل مرة بالفقراء والمساكين والضعفاء استحوذ الفارق على تفكيره وشغلته حياة البشر ومعاناتهم فهجر مملكته ليحررهم من مآسيهم باحثًا عن السعادة. فصنع فلسفته إلى أن أصبح بوذا.

ويضرب لك عشرات الأمثلة ليوضح لك أن فرضية اكتساب السعادة غير منطقية، وثقافتنا عن التعامل مع الألم نفسها خاطئة مئة بالمئة، فهناك طريقتين نتعامل بهنّ مع آلامنا، أمّا الإنكار بوجودها، والّلجوء إلى الرفض الكامل للواقع لإلهاء أنفسنا عنه، فنقع بأمراض نفسية منها الاكتئاب والعصابية وغيرها أو بإقناع أنفسنا أنّنا ضحايا فنَلجأ لِلّوم على الآخرين، وهذا يؤدي للعجز واليأس والحنق الدائم.

في الحالتين نفعل ذلك لنهرب من حقيقة أنّ ثمة ألم ما نشعُر به، فكلّنا يكره الألم، لكن هل نعلم أنه آتٍ آتٍ، ولا مناص من هروبنا منه، هل فكّرنا أنه موجود لسبب غاية في الأهمية! فالمعاناة أمرٌ مفيد من الناحية البيولوجية والدينية والفلسفية، فالغياب الدائم للرضا هو من جعل جنسنا يقاوم من أجل البقاء في الأرض. فالألم الجسدي يعطينا إحساسًا بأبعاد جسدنا والألم الانفعالي يُعلمنا كيفيّة تجنّب الوقوع في الأَخطاء مُستقبلًا.

وفي ذلك، يحاول مارك إقناعنا أنّ ثمة خطورة كبيرة تُهدِّد المجتمعات إذا نَشرت ثقافة تجنّب الألم، وتجنب المعاناة الناجمة عن مُنغصات الحياة، فعليك ألا تأمل في حياة بدون مشاكل، بل عليك أن ترجُ لنفسك حياة بمشاكل جيدة. فإن كنت تعثر على السعادة حقًا فالسعادة الحقيقيّة لا تأتي إلّا عندما تجد المشاكل التي يُمتعك وجودها لديك، أي المشاكل التي تستمتع بحلها. فاختر ما تكافح لأجله، وأسأل نفسك ما الألم الذي تريده في حياتك بدلًا من سؤال نفسك كيف أجد السعادة؟  فالسعادة تتطلب نضالًا من أجلها؛ لأنّها ثمرة مصارعة المشكلات، وطريقة إدارة الصراعات، فالحلُّ كامنٌ في قبول أي تجربة سلبيّة والتعامل معها تعاملًا إيجابيًّا نَشطًا، وليس محاولة تجنبها أو تفاديها.

ويتطرق أيضا مارك إلى “لست شخصًا خاصًّا مُميّزًا” حيث أنّه توجد استراتيجية يتبعها البعض مع ذاته لمعرفة قدرها وهي رؤيتهم لأنفسهم أنّهم أعظم من أنجبت البشرية، هم العباقرة الذين خلصوا وسيخلصوا العالم من أوجاعه، لديهم إحساس داخلي بالعظمة، في الحقيقية هي استراتيجية فاشلة جدًا. فليس القياس الحقيقي لتقدير الذات هو معرفة كيف ينظر المرء إلى تجاربه الإيجابية بل كيف ينظر إلى تجاربه السلبية.

إعلان

ويبدو أنّ جذور الموضوع تكمن في الإحساس العميق بالألم فكلما كان الألم أكثر عُمقًا زاد إحساسنا بالعجز أمام مشكلاتنا، وبالتبعية يزيد شعورنا بالباطل بالاستحقاق، هذا الشعور الذي يتخذ شكلين، الأول: تضخيم الذات أو تضخيم الآخرين. والحل يكمن في تقبلك لكون أي مشكلة موجودة عندك احتمال كبير جدًا أن تكون موجودة عند الآخرين، وهذا لا يعني التقليل منها ولا إنكار ألمها، لكن يعني أنك لابدّ أن تتقبل فكرة أنك لست شخصًا خاصًا فريدًا مختلفًا عن الآخرين.

ومن ناحية أخرى في ظلّ الانتشار الواسع لتكنولوجيا الاتصالات والتسويق الجماهيريّ دُمرت نظرة الكثير لأنفسهم، فالاستغراق بكل ما هو يبدو استثنائيّا يجعل الأفراد يشعرون بالسوء، ويشعرون أكثر بالحاجة للتميز لإثبات ذواتهم؛ كي يكونوا أشخاصًا بارزين ذوي أهمية كبيرة وشأن عظيم. فنحن مُدَاهمون بخطر حقيقي عظيم وهو كوننا قانطين من كوننا أفراد عاديين، وهذا القنوط في حد ذاته شعورٌ بالاستحقاق.

وفي هذا الصدد استحضر مارك مقولة شهيرة لاوبرا وينفري  تقول فيها “كل إنسان بإمكانه أن يكون استثنائيًّا وأن يحقق أشياء عظيمة” وهذه المقولة يراها الكاتب وأراها معه سُمًّا في عسل. فهذا معناه لو كنت شخصًا عاديا أو متوسطًا فأنت إنسان لا تتقبل ذاتك بل توهمها أنك فاشل وأكثر تعاسة واضطهاد وتعرُّض للأذى والشر، فالخوف من قبول تواضع الحال يدفعنا للهوس بإنجاز أي شيء، فالخوف من العدميّة يجعلنا دومًا في صراع مع أنفسنا ومع الآخرين.

فالمطلوب منك أن تكف عن تصدير مثل هذه الأفكار وتعميقها داخلك. فالأشخاص الاستثنائيون لا يسعون لأن يصبحوا كذلك، بل يروا أنفسهم أقل من العاديّين، وكل وقتهم موجه لتطوير ما يفعلون فقط، فهم من تحرروا من اللهث وراء الفكرة من أساسها، فأصبحوا الأكثر استثنائية بالفعل.

لذلك تحرر أنت أيضًا من شعورك الدائم بعدم جدارتك، ومن حاجتك الدائمة لإثبات أنّك استتثنائيّ؛ لأن معرفتك بوجودك وقبولك لهذا الوجود يُمكِّناك من صنع إنجازات كبيرة دون مقارنات أو تأثر بآخرين أو بوضع توقعات كبيرة لا  أساس لها. هذا سيجعلك تصنع صداقة بسيطة أو ربما تبتكر شيء ما أو تساعد شخص يمر بضيق أو تقرأ كتابًا أو تضحك مع شخص يهمه أمرك، وهذه هي الإنجازات العظيمة بحق.

 

 

 

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مروة مجدي

تدقيق لغوي: فاطمة الملاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.