تأخذك إلى أعماق الفكر

اليهود أنثروبولوجيا: د/ جمال حمدان

مع زيادة عدد الدول العربيّة المطبّعة مع الكيان المحتل ومحاولة طمس الصهيونيين وصهيوني العرب الحقائق، كان ولا بدّ من العودة إلى هوية اليهود الحقة وعدم الانغماس فيما قد يصدرونه صهيوني العربي من معلومات مضللة -بعمد أو عن غير عمد-، متحدثون هؤلاء زورًا باسماء شعوبهم الحالمة دائمًا وأبدًا بالعودة…

على عكس ما قد يبدو، فالمقال ليس مدفوعًا لإظهار نوع من التحيّز أو حمل خطابًا للكراهية -بحكم قوميّة كاتبة- لكنه وفي المقام الأول مقالًا بحثيًّا محاولّا تفكيك الكتل اليهودية حتى نتمكن من تتبعها من البداية وحتى الآن بعيدًا عن نظرية المؤامرة. يسعنا في هذا تجاوز تلك الحقائق المجرّدة والتي ليست نابعة من معاناة حقيقية -هم واضعوها في الأساس- منشقون نحن عن الحقيقة الكامنة. حتى وإن،…!

إن العرب واليهود أبناء عم من الناحية العنصرية.

-فيصل بن الحسين الهاشمي مخاطبًا القاضي الأمريكيّ اليهوديّ فليكس فرانكفورت

تنتشر هذه الفكرة في الأوساط العربيّة. فمثل هذه الجمل الرهيبة يمكن أن تبرز حلولًا خاطئة، كتعايش الصهاينة والفلسطنيون معًا بحكم أنهم أبناء عمومة من الناحية العرقية. حسنًا، الغرض الأول والأساسيّ من المقالة هذه ليس لتدعية هذه الحلول وتقويضها-وإن كانت هذه النتيجة التي يمكن الوصول إليها عند دحض ادّعاءاتهم تلك عن أنفسهم الذي هو موضوع مقالنا. إلى أي مدى ينتمي اليهود إلى العرب وفلسطين؟ بل إلى أي مدى ينتمي يهود العالم اليوم إلى العرب؟

من سيدنا إبراهيم عليه السلام وحتى هدم نبوخذ نصر مملكتي اليهود (سفر التكوين)

كانت سابقة ظهور اليهود مع سيدنا إبراهيم عليه السلام في أور، العراق. يُقال بأن الرب (يهوه) أمرهم بالتّوجه إلى أرض كنعان. فخرجوا في أول دفعاتهم في دورة حتى وصلوا إلى أرض كنعان التي كان يسكنها في هذه الفترة الكنعانيون وبعض من القبائل السامية الأخرى. ولكنه ومن العجب أنه بموجب وصولهم وقع بها قحطٌ شديدٌ حسب سرد الكتاب المقدّس، فسُرعان ما خرج إبراهيم عليه السلام متوجهًا إلى مصر حيث ينعم أهلها الرخاء هو وأخوه لوط عليه السلام وحيث ولد لسيدنا إبراهيم ابنه إسحاق ثم كبر إسحاق عليه السلام وأنجب سيدنا يعقوب الذي من نسله ستتأصل الأسباط (القبائل ١٢ الشهيرة في التوراة). بعد أن قضى بنو إسرائيل بمصر نحو ٤٠٠ عام (تك ١٥: ١٣)، خرجوا منها -يُقال بأنهم خرجوا بسبب اضطهاد فرعون لهم وفي أخرى بسبب تعاون فريق منهم مع الهكسوس- بقيادة موسى عليه السلام راغبين بالعودة إلى (أرض الميعاد) -أرض كنعان في الكتاب المقدس- ولكن في طريقهم تجاوبوا لكثير من المعاصي؛ فعبدوا غير الله ورفضوا الدخول إلى بيت المقدس مع سيدنا موسى… 

“قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ” -سورة المائدة الآية (٢٤)

إعلان

“وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ” -سورة الأعراف الآية (١٤٨)

فعاقبهم الله أربعون عام بالتيه في أرض سيناء القاحلة. يُقال في العهد القديم، وذلك لكي يتم انتخابهم ليصلوا في النهاية إلى أرض الميعاد. ومن هنا ترسّخت فكرة اعتزال اليهود بشكلٍ عام داخل مجتمعاتهم ورؤيتهم لأنفسهم على أنهم شعب الله المختار في الأرض، لتتطور هذه الرؤية فيما بعد فيتشكل ما يُعرف بمجتمعات الجيتو وهي أماكن لليهود داخل مجتمعاتهم يعيشون فيها منعزلين لا يأكلون مع أحد ولا يتزوجون من أحد خارجهم لاعتقادهم بوجوب الحفاظ على عرقهم السامي ليتمكنوا يومًا ما بالعودة، وهذا ما أدى على أرجح الآراء نبذ شعوب العالم لهم داخل التاريخ القديم.

مات سيدنا موسى عليه السلام في هذه الفترة قبل دخولهم أرض كنعان، ومن ثم جاء يشوع بن نون فأخرجهم من هذا التيه وقادهم إلى أورشليم حيث أحدث الإبادات الجماعية والمجازر باسم الرب (يهوه) ، فتأسست مملكة إسرائيل تحت قيادة موحدة لهم إلى أن أنشطر سبطي (يهوذا وبنيامين) مكونين مملكة جنوبية خاصة بهم تسمى يهوذا.

تقويض مملكتي اليهود لتنتهي وإلى الأبد السيادة اليهودية على فلسطين

كانت هاتان المملكتان في نزاع دائم شرس مع الحضارتين الشرقيتين البارزتين في تلك الفترة (الفرعونية المصرية والآشورية البابلية-العراقية). فهاجم سرجون الآشوري مملكة إسرائيل في الشمال ومن ثم هاجم شينشق مصر المملكة الجنوبية يهوذا، إلى أن جاء نبوخذ نصر البابلي الذي قضى على دولة بني إسرائيل في فلسطين. لتنتهي بذلك وإلى الأبد سيادة الحكم الإسرائيلي على فلسطين.

الجدير بالذكر هنا والعجيب حقيقةً، أنَّ مملكة إسرائيل في هذه الفترة لم تتجاوز رقعة الضفة الغربيّة لنهر الأردن وليس كما يزعمون هم اليوم. كما أن فترة سيادتهم جملة لم تتجاوز الأربعة قرون فقط مكدّسة بصراعات وعداءات لا تنتهي.

مملكتي يهوذا، وإسرائيل
مملكتي يهوذا، وإسرائيل

السبي البابلي:

حدث السبي البابلي (الحادثة الكبرى في التوراة)، سُبي يهودي كنعان مع من سُبيوا إلى بابل وأحل آخرون مكانهم. فبعد ما يقارب نصف قرن من هذا السبي ومع مجئ كورش الكبير سمح لليهود وغيرهم بالعودة. كما أنه والجدير بالذكر هنا أيضًا أن قلة ضئيلة هي من عادت تقدر بنحو خمسين ألفٍ، حين استقر غالبية اليهود في أماكن متفرقة في الشرق خارج الأرض المقدسة.

اليهود خارج الأرض المقدسة

سمة تواجد لليهود بمصر، سوريا، بابل، وأماكن أخرى، ولكن بؤر تمركزهم هي بلقان وسواحل البحر الأحمر والتي ستكون نواة تشتتهم في الغرب وأقصاه من جنوب روسيا، ألمانيا، فرنسا وأمريكا. بينما كان التمركز البابليّ هو نواة التشتّت شرقًا؛ فتشكل يهود هيرات في أفغانستان، القوقاز، بخارى وسمرقند في التركستان، وبتتبع هذا التشتّت يمكن الاستدلال على تواجد اليهود في أقصى الشرق في الهند والصين.

 الجدير بالذكر هنا أنه وفي أثناء هذا تحوّل عدد كبير إلى اليهودية فأصبح من هم يهود (بني إسرائيل) ومن هم متهودين. فبالنظر إلى جماعة الخزر اليهودية، فهي في الأساس قبائل تتارية تحولت جملة إلى اليهودية وفي رواية

توسعات الخزر
توسعات الخزر

أخرى تحول حكامها وأفرادها المرموقة. توسعت هذه الجماعة في بقاع شتى.

بالتزامن مع قدوم السيد المسيح والإسلام فيما بعد، أدى هذا إلى تحول عدد كبير من يهود الشرق إلى كلا الديانتين. يجب دائما تذكر هذه وتلك لما لهم من دلالات أصيلة على نقاوة يهود اليوم.

الطوائف الثلاثة الرئيسيّة لليهود

الاشكناز: اليهود الغربيون المنحدرون من شرق ووسط أوروبا تعود أصولهم على أرجح الآراء إلى شعب الخزر المتهودون، وتقدر نسبتهم من يهود العالم٨٠%. 

السفارديم: المقابل العبري لكلمة (إسبانيا) وهم يهود شرقيون بالاستحداث تعود أصولهم الأولى إلى إسبانيا والبرتغال، لكنهم طردوا منها بالقرن الـ١٥ من قبل ملوك الكاثوليك، فتفرقوا في شمال افريقيا، آسيا الصغرى والشام.

المزراحيين: اليهود الشرقيون جملة بما في ذلك يهود إيران، الهند، كردستان. 

تصنيف هذه الطوائف داخل المجتمع الصهيوني ودلالاتها:

تحتل طائفة الأشكناز المرتبة الأولى في التسلسل العرقي داخل الكيان الصهيوني، وتليها السفارديم وتجئ في المرتبة الثالثة المزراحيين. تمثل طائفة الأشكناز المنظرون للكيان الصهيوني على الأرض الفلسطينية وحكامها الفعليين والذي يندرج منها بنيامين نتنياهو وغيره، وقلة من طائفة السفارديم مثلت مناصب هامة رغم عددهم، وعن النظر إلى المزراحيين فهم عملوا في البداية في الكيبوتسات أي عمال السخرة لذا الأفراد المنصهرة منهم في الكيان تخجل من أصولهم العربية. تلك التصنيفات المذكورة وإن دلت فلا تدل إلا على هاوية كل من يزعمون به جملة وأن الصهيونيّة ليست سوى زريعة غربية في الشرق وجاء هذا الاعتراف على فم أحد أهم ممثليهم صراحة ودون تأويل.

والصهيونية في الأساس حركة اليهود الغربيين.

بن غوريون في مذكراته

النقاوة العرقية ليهود اليوم:

بالنظر إلى طبقة الأشكناز وهي الطبقة الكاسحة من بين الأخريات داخل المجتمع الصهيوني فهي كما ذكرنا جماعات تتارية متهودة انتشرت في جنوب روسيا ومناطق مجاورة لها في توسع شمل رقعة كبيرة. وحتى من هم من دونها(يهود الطبقة الثانية)، بجانب إزدراءهم داخل المجتمع الصهيوني من قبل الأشكناز(يهود الطبقة الأولى) فهم قلة يَصعُب إثبات نقاوتهم؛ إذ ليس خفيًّا ما حدث من إبادات، هجرات، غزوات وفتوحات بجانب تحولات دينية إلى المسيحية والإسلام في بؤر تواجد هؤلاء، كيهود شبه الجزيرة العربية الذين تحولوا جملة إلى الإسلام مع قدومه.

بعض من المفارقات ودحضها

وعد الله بوطن لبني إسرائيل في النصوص السماوية جمعاء:

“تحفظون جميع فرائضي وجميع أحكامي وتعملونها لكي لا تقذفكم الأرض التي أنا آت بكم إليها لتسكنوا فيها. ولا تسلكون في رسوم الشعوب التي أنا طاردهم من أمامكم، لأنهم قد فعلوا كل هذا فكرهتهم. وقلت لكم ترثون أنتم أرضهم وأنا أعطيكم إياها لترثوها أرضا تفيض لبناً وعسلاً، أنا الرب إلهكم الذي ميزكم من الشعوب”.-سفر اللاويين 20: 22-24

عند النظر إلى وعد الرب بالإضافة إلى كونه لسيدنا إبراهيم ونسله نجده مشروط في صميمه بتنفيذ أوامر إلهية تتمثل في إخلاص العبادة، ولكن هل التزم بنو إسرائيل بهذا الميثاق؟ هم لم يلتزموا فحسب بل أنهم ما إن عبروا النهر أقبلوا على التآمر ضد الأنبياء وقابلوا هذا بالكفر والبغي دونما حياء ولا استحياء، فأي تبجح هذا!!

“أنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء. فاملؤوا أنتم مكيال آبائكم. أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم” –على لسان عيسى روح الله جاء في إنجيل متى 23: 31-33

“عملوا أموراً قبيحة لإغاظة الرب. وعبدوا الأصنام التي قال الرب لهم عنها لا تعملوا هذا الأمر…” –سفر الملوك الثاني 17: 11- 20

بيد لنا أن نذكر المفارقة بين مغالة النصوص التوراتية فيما يخص السبي البابلي والأحداث التاريخية في هذه الفترة:

يعد السبي البابلي هو الحادثة الكبرى في النصوص التوراتية وهو سبب استقطابهم من الأرض، ولكن يجب الإشارة هنا أنه لم يكن أمرا للوقيعة باليهود فحسب، فشملت حملات نبوخذ نصر المناطق المجاورة كلها بل أنها كانت قائمة ضمن حملة للقضاء على الحكم القائم في هذا الوقت ليتمتع هو بمركزية السيادة. كما أنه عند السماح للسبايا بالعودة -اليهود وغيرهم- لم يرجع سوى قلة ضئيلة كما ذكرنا وهذا ما يأخذنا إلى نقطة هامة هل كان حقا بنو إسرائيل مرتبطين بالأرض في الماضي الغابر؟ فإننا لنرى أن الرياح كانت تتقاذف بهم وأن أهوائهم كانت متقلبة بين الفينة والفينة من إيمان حين إلى كفر وجحود عارم حين آخر.

ينظر اليهود لأنفسهم على أنهم قوميّة وليس ديانة فحسب لذا فهم في سعي أبديّ نحو إقامة وطن مستقل لهم، فالاستعمار الصهيوني داخل الأرض الفلسطينية هو استعمار سكنى في المقام الأول يحمل النمط السكسوني أي إحلال المستعمرون محل السكان الأصليون بالطرد أو الإبادة وليس هذا فقط فإنه استعمار توسعي وهو أمر معلن دون مواربة ” من النيل إلى الفرات أرضك يا إسرائيل” هو شعار الصهيونية الأوحد وخريطة إسرائيل المرغوبة معلنة يراها الأعمى ويسمع عنها الأصم. فأى تجاهل عربي هذا! ولن يصلوا إلى مطامعهم تلك إلا بالطرد أو الإبادة، ليصبح أصحاب الأرض أفراد مقتلعين على حدودها، وهي تدرك هذا جيدًا ما جعل عسكرة المجتمع الإسرائيلي ضرورة لأهدافها. 

لذا لأخوض بالقول بأن إسرائيل هي سرطان العالم العربي أجمع، فأي أمان هذا لكيان حدوده جيشه، وجيشه شعبه! ربما هو شتات حديث، ليس إلا…

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: إسراء حامد

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.