الاختيار بين الإنجاب والتبني (مترجم)

لقد زاد التَّركيز على الإشكاليَّات الأخلاقيَّة المُتعلِّقة بتكوين الأُسْرة على مدار العقدين الماضيين في مجال “الفَلْسَفة التحليليَّة الغربيَّة- western analytic philosophy“، إذ تساءل الفلاسفة عن: هل الإنجاب خيار متاح، أم أن التبني واجبٌ أكثر من الإنجاب؟ وعن كيفيَّة إعادة التَّفكير جذريًّا في طبيعة الأُبُوَّة؟ والأهم من ذلك، تأثُّر تلك السجالات بتعقيدات العوامل الاجتماعيَّة والسياسيَّة، والأُسُس المفاهيميَّة للعمل الحكوميّ المحتمل. وأصبحت تلك النقاشات أكثر دقة من ذي قبل، وتضاعفت الحاجة إليها، خاصة في فترة الجائحة وزيادة الوعي الجمعيّ بحركات العدالة العرقيَّة والأزمات البيئيَّة.

التبني والحضانة مُقَابِل الإنجاب:

ثَمَّة فكرتان بديهيتان: أولًا حق الرعاية لجميع الأطفال، ثانيًا من المنطق تقديم رعاية لهؤلاء الأطفال الموجودين بالفعل. هاتان الفِكْرتان تُحفِّزان المسؤولية الأخلاقيَّة حول الاهتمام بالأطفال الموجودين وفي حاجة إلى الرعاية أكثر من السعي نحو إنْجَاب المزيد. وهذه الفِكْرة تحديدًا تُشكِّل جوهر واجب تفضيل التبني عن الإنجاب في عمل الفلاسفة، مثل تينا رولي Tina Rulli، ودانييل فريدريش Daniel Friedrich.

نعم قد يُوَاجه التبني بشيءٍ من التقدير المعنويّ، إلا أنه مع ذلك لا يُعَدّ الاتجاه السائد، كما أن هذا التقدير غير كافٍ لجعل التَّبنيّ على قدم المساواة مع الإنْجَاب كنمطٍ في تكوين الأُسْرة، إذ إن عددًا قليلًا فقط يلجأ إلى الأُبُوَّة غير البيولوجيَّة كخيارٍ، خاصة في الحالات التي تُعاني من عوائق الإنجاب. فهو بشكلٍ عام الاختيار الأفضل في تكوين الأُسُر من أي شكلٍ آخر، وهذه ليست نتيجة مفاجأة بطبيعة الحال أمام انتشار الأفْكَار حول مِثَاليَّة الانتقاء الحيويّ، والتي تَفرض تحيُّزًا لصالح إنْجَاب الأطفال. ويُنْظَر إلى تلك الفِكْرة -في معظم المجتمعات وفي أكثر النقاشات تحضُّرًا- على أنها جزءٌ هام من “الحياة السعيدة”، وما يخلق المعنى ويجلب البهجة. فعلى الرغم من إيمان الكثير بأن التَّبنيّ منفعة اجتماعيَّة إلا أن هذه الرسالة تتصادم بالاحتفاء والتأييد واسع النطاق والدعم المجتمعيّ غير المتكافئ بالإنجاب.

ونجد الصِّحافة الوطنيَّة بالمملكة المتحدة في وقت كتابة هذا المقال (فبراير2021) تحتفي بنَبَأ انتظار اثنين من العائلة المَالِكَة (هاري وميجان) لطفلهما الثاني. لذلك تعتبر العائلة المَالِكَة مثالًا راسخًا لتلك العوامل الداعمة لفِكْرة الإنجاب. إذ إن “صلة الدم” هي المبدأ الجوهريّ لذلك النظام، إذ تنبع القوَّة من أولئك معلومي النَّسَب، لذلك ليس من العجب في شيءٍ أن تجد المواطنين ممن يعيشون في ظل الأنظمة الملكيَّة: مثل المملكة المتحدة وكندا، منحازين للإنْجَاب لأن التاج يحظر هيكليًّا التبني؛ رئيس الدولة لا يمكن أن يكون ابنًا بالتبني.

كل هذا لا يُشجِّع فقط على تهميش أطفال دُوُر الرعاية (وإن كان هذا كافيًا)، ولكن يدفع كذلك الآباء المُحتَمَلين ممن يفتقرون للخصوبة الإنجابيَّة على حمل خيار التبني كآخر محاولة يلجأ إليها هؤلاء بعد التماس تقنيات الإنْجَاب المُكلِّفة والتي قد تحمل جانبًا من المُخَاطَرة.

إعلان

ليست العَقَبات الثقافيَّة والاجتماعيَّة وحدها ما تعيق التبني، بل تلك الأمور القانونيَّة والإداريَّة المُتعلِّقة كذلك، إذ إن الأعباء على الآباء المُتَبنِين بشكلٍ عام ثقيلة وغير منصفةٍ وتشمل (ولا تقتصر على): التدريب على مهارات الأُبُوَّة والأُمُومَة، التقييمات الطبيَّة والنَّفسيَّة المُكثَّفة، التقييمات الماليَّة، الفحص الجنائيّ، بالإضافة إلى دراسات وفحوصات المَسْكَن. ويخضع الآباء الحاضنون أيضًا fosters لإجراءات فحص مُكثَّفة مماثلة.

والفِكْرة ليست في أن الوضع سيصبح أفضل بإلغاء كل هذه الإجراءات، فنعم تضمن للطفل عناية ملائمة مع مُتَبَنِّيه، ولكنها كذلك تتفاوت بشكلٍ صارخ مع الأُبُوَّة البيولوجيَّة، حيث إن الآباء البيولوجيين لا يخضعن لأي من هذه الفحوصات الترخيصيَّة كي ينجبوا كالتي تستهدف بشكلٍ أساسيٍّ المُتَبنَين والحاضنين، ولذلك يحتج كلٌ من كارولين ماكليود Carolyn McLeod، وأندرو بوتريل Andrew Botterell ضِدّ هذه الإجراءات باعتبارها شكلًا من أشكال التمييز ضِدّ المُتَبنَين والحاضنين والأُسُر غير البيولوجيَّة بشكلٍ عام.

إنْجَاب الأطفال بيولوجيًّا يُعَدّ تحديًا، خاصة وإن كان باللجوء لتقنيات الإنجاب، ولكن التبني وأشكال رعاية الأطفال الأخرى من الناحية الاجتماعيَّة والقانونيَّة والإداريَّة تُعَدّ أكثر تعقيدًا. لذلك يميل الكثير-فيما لا يدعو مجالًا إلى العجب- إلى الإنْجَاب.

التبني ورعاية الطِّفْل في عصر الوَبَاء:

كشفت وفاقمت جائحة كورونا عن التفاوتات الاقتصاديَّة والعرقيَّة وفشل أنظمة الدعم الاجتماعيّ. والتبني ورعاية الطفل ليسا استثناءً من هذا الوضع إذ ازداد الأمر سوءًا خلال الأزمة العالميَّة. وفي غضون أسابيع من تصنيف مُنظَّمة الصِّحة العالميَّة للفيروس على أنه جائحةٌ (مارس 2020)، ظهرت الآثار السَّلبيَّة للقوانين والسياسات الاجتماعيَّة القائمة والمُنفَّذة حديثًا على أنظمة رعاية الطِّفْل: (نُركِّز على المملكة المتحدة وكندا والولايات المتحدة، لأن هذا هو المكان الذي تَمَّ فيه إنتاج معظم الأبحاث والدراسات باللغة الإنجليزيَّة حول التبني ورعاية الطِّفْل، ولكن تظهر أيضًا اتجاهات مُمَاثلة لِمَ نُنَاقشه في بُلدانٍ أخرى).

خَلَقَت سياسات الحكومة التي تهدف للحَد من مُعدَّلات الإصابة مزيدًا من الأعباء في عمليات التبني: فقد جعل حظر السَّفر عملية تَبنيّ الأطفال دوليًّا أصعب على الآباء، كما أن إغلاق المحاكم للإجراءات الشَّخصيَّة أدى إلى حدوث تسويف وتراكم، والرقابة الصارمة على الحدود والهجرة المُقيَّدة أيضًا خلقت تحديات قانونيَّة في طلبات جنسيَّة الأطْفَال.

هذه ليست مجرَّد أمور مزعجة، فالحَجْر الصِّحيّ والتجمُّعات المنزليَّة المحدودة تؤذي الأطفال، وتجعلهم أكثر عُرْضة للعُنْف المنزليّ والاستغلال. وبسبب إغلاق المدارس وأوامر البقاء في المنزل أصبح من الصعب على الأطفال الذين يُعَانون من العُنْف الحصول على المُسَاعدة من معلميهم وموظفي الدَّعم أو أفراد بالمجتمع. وثَمَّة طفرة شهدتها خُطُوط دَعْم الطِّفْل في حجم المكالمات والرسائل النَّصيَّة، حيث بلَّغ الأطفال عن ضغوطاتٍ متزايدة تتعلَّق بترتيبات المعيشة والتمويل الأُسريّ ومشكلات الصِّحَّة العقلية.

يجعل غياب التفاعُل الاجتماعيّ الأذى الذي قد يُعاني منه الأطْفَال خفيًّا، بمَ في ذلك الأذى النَّفسيّ الناتج عن الحزن المتصل بفقدان أحبَّائهم، والصعوبات الماليَّة التي تترك أُسرهم دون دخل ثابت أو سكن آمن، بالإضافة إلى الضرر القائم على النوع الاجتماعيّ ضِدّ الفتيات والشباب الكويريين (بما في ذلك الشباب المتحوِّل جنسيًّا). كما يُعاني أطفال المهاجرين واللاجئين وأولئك ممن يعيشون في مناطق النزاع من تهديدات مضاعفة مقارنة بغيرهم، إذ يعوزهم حاجتهم الأساسيَّة من الحياة كأنظمة الصرف الصِّحيّ المناسبة والرعاية الصِّحيَّة والظروف المعيشيَّة الملائمة.

وعلى الجانب الآخر يتِمّ غَضّ الطَّرف عن هؤلاء الأطْفَال الذين في حاجةٍ إلى عناية الأُبُوَّة أو التبني أثناء الجائحة، كما أن حَظْر السَّفر والرقابة الدوليَّة الصارمة قلَّلت بشكلٍ كبير إمكانية التَّبنيّ دوليًّا، في وقتٍ تَمَّ فيه تقييد التَّبنيّ من قِبَل البلد المُرسلة وشهدت البلاد التي كانت في مقدمة البُلدان المُسْتقبِلَة معدلَّات منخفضة حادة على مدار السنوات القليلة الماضية، إذ إن، على سبيل المثال، عدد الأطْفَال الذين تَمَّ تبنيهم داخل المملكة المتحدة على مدى السنوات الخمس الماضية انخفض إلى ثلث العدد، وفي كندا هبطت معدلات التَّبنيّ دُوليًّا. يوجد العديد من الأسباب لهذا ولعل من بينها محاولات البُلدان المُرسَلَة لتعزيز التَّبنيّ المحليّ لمصلحة الطِّفْل العظمى، والسياسة التقييديَّة بسبب العلَاقات الدوليَّة، وربما أيضًا نتيجة المعايير الأعلى التي وضعتها اتفاقية لاهاي- Hague[١] بشأن التَّبنيّ الدوليّ.

كما خَلَقَ الوَبَاء مزيدًا من التَّحَدِّيَات لأولئك الشباب الذين تجاوزا مرحلة “الرعاية”، ففي المملكة المتحدة يخرج ثلث الأطفال تقريبًا من نظام الرعاية عندما يبلغ الطِّفْل 18 عامًا، ويؤثِّر وضع مشابه في كندا والولايات المتحدة على آلاف الشباب الذي يتقدَّم بهم العمر ويصبون خارج الرعاية سنويًّا، على الرغم من تقديم بعض المقاطعات والولايات دعمًا مستمرا محدودًا للشباب حتى بلوغهم ال21 أو 24 عامًا.

يكون شباب دُوُر الرعاية أكثر عُرْضَة لخطر المعاناة من الفقر والتشرُّد ومشكلات الصِّحَّة العقليَّة والنشاط الإجراميّ والسجن، حتى في الظروف الأخرى عندما لا يوجد وباء. فيتعذَّب هؤلاء الشباب دون دعم أساسيّ عندما يتِمّ قطع التمويل التعليميّ والسكنيّ والرعاية الصِّحيَّة (بما في ذلك النفسيَّة) وعدم المساعدة في التوظيف، ولذلك هم أكثر عُرْضَة عن غيرهم للتسرُّب من المدرسة الثانوية أو ترك التعليم ما بعد الثانويّ، ويواجهون البطالة والأزمة الماليَّة.

لقد زاد الوباء من المساوئ الهيكليَّة، فبالنسبة لمن يفتقرون لنظام دعمٍ عائليٍّ أو المُستقِلين تتفاقم تَحدياتهم بسبب الانكماش الاقتصاديّ الناجم عن الوَبَاء، بالإضافة إلى معدلات غير مسبوقة من خسارة الوظائف، وانعدام الأمان الاقتصاديّ. فحتى عندما يمتد دعم الحكومة للشباب لِمَا بعد 18 عامًا يكون الموضوع بالنسبة لهم بعد القطع المفاجئ لمسؤوليات الوصايا المهمة أشبه بالطرد والتخلي وليس انتقالًا مدعومًا لمرحلة البلوغ.

وللتعامل مع هذا الأمر أثناء الجائحة، قدمت بعض الولايات في أمريكا وبعض مقاطعات كندا أنواعًا من الدعم للشباب الذي تخطى سِن الرعاية، لكن هذا الدعم محدود من حيث الإطار الزمنيّ ومدى جدواه. ففي حين يعتمد الكثير من الشباب للحصول على الدعم الماليّ والسكنيّ والنفسيّ من الشبكات الأُسَريَّة، تجبر الدولة شباب الرعاية على إعالة أنفسهم.

زِد على ذلك إجراءات الحَدّ من الفيروس كالحَظْر والعَيْش داخل فُقَّاعات التي حفَّزت مفهوم “الأُسْرة البيولوجيَّة”، يعود البشر للوحدة الأُسَريَّة البيولوجيَّة في هذا الوقت من الأزمة وتتغلغل الأعراف الاجتماعيَّة بما في ذلك المُؤيِّدة للإنْجَاب والذي يَضُر أطفال التَّبنيّ ودُوُر الرعاية.

هذه الاعتبارات السابقة تجعل الاختيار بين الإنجاب والتبني أكثر وضوحًا: إذا كنا نهتم بالأطفال، إذا كنا نعرف الصعوبات التي يواجهها أطفال الرعاية، فلماذا إذًا نلجأ إلى الإنْجَاب بدلًا من رعاية أولئك الموجودين بالفعل وتتزايد أحوالهم سوءًا؟

حركة “حياة السُّود مهمة-Black Lives Matter” والظُّلْم العُنْصريّ:

يزداد الوعي بما تفعله الأساليب القمعية “لتفوق البيض” إذ أصبح ذلك الوعي هو الاتجاه السائد، ونشهد تقاطع سياسة الجائحة والإنجاب وحركة حياة السود مهمة مع بعضهم، ونظمت بالعام الماضي “حركة حياة السود مهمة” الاحتجاجات ردًا على وحشية وقتل الشرطة لرجال ونساء وأطفال من ذوي البشرة السوداء في أمريكا، وحظيت هذه الاحتجاجات بتغطية إعلامية واسعة ليزداد الوعي بأشكال العنف الممنهج الذي يتعرض له السود وذوي البشرة الملونة، ومن ضمن أشكال تلك العنصرية هو التحكم في الإنجاب.

تم تصنيف “حياة السود مهمة” كحركة عدالة إنجابية من قِبَل البعض، وهي تقاوم تدخُّل الدولة في أبوة وأمومة السود، بالإضافة إلى مواجهة جرائم العنف الجنسي التي تتعرَّض له النساء السود من قِبَل الشرطة. وتشير الحركة إلى أن عنف الدولة ينتهك حق الآباء السود في تربية أطفالهم ليطول ذلك العنف: النساء والرجال السود ولم يستثن منهم أحد.

حدَّد كلٌ من أدريان ديفيس ودوروثي روبرتس، أنماط أذى الدولة تجاه النساء السود أثناء فترة العبودية في الولايات المتحدة: استغلال النساء السود لصالح مالكي العبيد لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية، إذ أُجبرت النساء السود على إنجاب “قوة عاملة من العبيد”، ويعود إنجاب السود غالبًا في تلك الفترة للقمع، وكن يُجبرن على العمل الجنسي ويُحرمن من تحديد مصيرهن في الإنجاب.

ولم يقف الأمر عند ذوي البشرة السوداء، بل حتى النساء ذوات البشرة الملونة مستهدفات كذلك بطرق أخرى، إذ يواجهن “التعقيم القسري” وموانع الحمل طويلة المفعول دون موافقتهن وغالبًا تحت إشراف طبي ضئيل أو دون إشراف، مثل ما حدث مع السكان الأصليين لأمريكا الشمالية على أعداد كبيرة دون موافقتهن. ويعتبر الكثير هذه الممارسة نوعًا من أنواع الإبادة الجماعية المُنَاهِضة للإنجاب. وكان “التعقيم” ولا يزال وسيلة للسيطرة على سكان من الجماعات العرقية المضطهدة وخاصة النساء حول العالم.

ويؤثر السجن الجماعي للأعراق، التي تعاني من العنصرية والسكان الأصليين في أمريكا وكندا، في إمكانية إنجاب هذه الأفراد لأطفال بيولوجيين، إذ إن السجن الجماعي يؤدي إلى انخفاض معدلات الإنجاب بشكل كبير بين الأقليات العرقية التي توجد بشكل غير عادل في السجون بالإضافة إلى تقييد الزيارات الزوجية ومنع تقنيات الإنجاب المساعدة للسجناء. هكذا تعمل بعض أنظمة السجون كأسلوب في تحديد النسل وتقيد الحرية الإنجابية لهذه الجماعات. لذلك يعتبر “حق الإنجاب” في هذه السياقات قضية عنصرية متعلقة بالعبودية والاستعمار وتعقيم الدولة وتمزيق أُسَر السود والسكان الأصليين.

تضعنا هذه الاعتبارات أمام أحد أكثر الأسباب إقناعًا لتفضيل الإنجاب عن التبني: إنجاب طفل في هذا السياق بالنسبة إلى أفراد الجماعات المضطهدة عرقيًّا يُعَدّ إحدى الوسائل للرد على عدم العدالة الإنجابية و “تفوق البيض”، وقد يُنظر لاختيار إنجاب طفل بيولوجي على أنه فعلٌ من أفعال المقاومة السياسية أو مثال “للعدالة التعويضية”.

تمتد هذه الاعتبارات لتتداخل مع المشاريع الاستعمارية والإبادات الجماعية: التعليم المدرسي للأطفال السكان الأصليين في كندا و “الجيل المسروق” في أستراليا والهولوكوست. ويصبح في هذه السياقات تحديدًا لاختيار الإنجاب مدلولًا مهمًا لدى هذه الأقليات المضطهدة، إذ يمكن اعتبار الإنجاب بالنسبة إلى هؤلاء بشكل عام تجربة إيجابية بالإضافة إلى اكتساب النساء الاستقلالية وذاتية التصرُّف بأجسادهن.

فقد يكون الإنجاب بالنسبة إلى هذه الأقليات المضطهدة وسيلة للتحرُّر من الظلم: عمل من أعمال المقاومة السياسية وتعبير عن قيمة الذات والمجموعة العرقية التي ينتمي إليها الفرد، إذ يُعبِّر عن تضامنه مع أفراد مجموعته العرقية بإنجاب طفل بيولوجي، ويصبح الأمر رمزًا للتحرُّر من قمعهم بعدم الإنجاب، ومقاومة السعي الاستيطانيّ الذي يهدف لتقليل عدد السكان الأصليين.

قد توفر فكرة العدالة التعويضية[٢] أو المقاومة السياسية مبررًا للإنجاب، ولكن حتى في هذه الحالات يُنظر للطفل وإحضاره للوجود كأداة سياسية ووسيلة لتحقيق غاية وليس غاية في حد ذاته (في النهاية لا يمكن مراعاة آمال ورغبات الطفل حتى يوجد).

إنجاب الأطفال كرمز تعويضي ليس استغلالًا للأطفال فحسب، بل يتجاهل احتياجات الأطفال الموجودة بالفعل وفي حاجة إلى رعاية. كما أن غالبية أطفال دور الرعاية بالفعل على مستوى العالم من الأعراق الملونة وأطفال ذوي البشرة السوداء يمثلون النسبة الأكبر داخل دور الرعاية خاصة في المجتمعات الغربية متعددة الأعراق، مثل الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة، وتشكل نسبة أبناء السكان الأصليين في كندا النسبة الأكبر في دور الرعاية إذا ما قُرنوا بغيرهم من السكان غير الأصليين.

يمتد التمييز العنصري في دور رعاية الطفل في بلاد مثل بريطانيا وكندا وأمريكا لتاريخ حافل من العنصرية والاستعمار. ويتخذ اضطهاد هذه الأقليات العرقية والسكان الأصليين أشكالًا عدة، كالمراقبة والتدخل السافر في حياتهم مقارنة بغيرهم، وتجد ممارسة “تنبيه الولادة” في كندا أحد هذه الطرق التي من خلالها تفرض كندا سيطرتها على حياة الأسر: تقوم المستشفى بتنبيه جمعيات مساعدة الطفل إذ اعتقدوا بشكل استباقي أن المولد الجديد في حاجة إلى الحماية، وهذا الإجراء في كثير من الأحيان يحرم أُسر من أطفالها، كما ترتكز مثل هذه الممارسات على بعض الصور النمطية المتغلغلة والضارة تجاه السكان الأصليين والأقليات العرقية (أولئك الأكثر تأثرًا بهذه السياسات) بأنهم عاجزون على رعاية أطفالهم.

وبشكلٍ عام تجد أطفال الأقليات العرقية أكثر عرضة للإبعاد عن منازلهم والعيش داخل دُوُر الرعاية، بالإضافة إلى أن فرصة حصولهم على خدمات ودعم أقل ومدة بقائهم داخل دُوُر الرعاية تمتد لفترة أطول، لأن نسبة تبنيهم أقل وكذلك فرصة عودتهم لمنازلهم الأصلية. ونسبة تبني الآباء من تلك الأقليات العرقية للأطفال ضعيفة، ما يؤدى إلى وضع العديد من أولئك الأطفال تحت رعاية أسر من ذوي البشرة البيضاء.

تشجع السياقات السابقة على فكرة تبني أطفال الأقليات العرقية قد يُعتبر أيضًا مقاومة سياسية. سعت الجماعات المهيمنة على مر التاريخ كالمستعمرين إلى تشتيت وتضاؤل الروابط داخل مجتمعات معينة بهدف تحقيق مشاريع سياسية أكبر، وقد تحقق هذا جزئيًّا عن طريق حرمان الأطفال من أسرهم. وتعتبر “الرعاية العرفية” وسيلة مقاومة لرعاية الطفل داخل مجتمعه الأصلي ضد أنظمة رعاية الطفل الاستعمارية، مثل ما يُعرف بـ”مغرفة الستينيات ومغرفة الألفية”[٣].

يجب معالجة هذه التفاوتات الممنهجة عن طريق المقاومة السياسية، مثل الإنجاب مع تشجيع التبني على حد سواء، إذ يتم تحفيز أولئك المؤمنين بالتضامن العرقي والأساليب التعويضية كطرق مقاومة سياسية على رؤية الأبوة غير البيولوجية أو الوراثية شكلًا آخر من أشكال المقاومة السياسية التي تستجيب لحاجات الأطفال الموجودة بالفعل.

أضرار الإنجاب وثَوْرة الانْقِراض:

يُعَدّ إنجاب طفل أحد أكثر القرارات تأثيرًا في البيئة، إذ تشير سيان كاين Sian Cain خلال صحيفة الجارديان، أنه داخل المملكة المتحدة يُعَدّ إنْجَاب طفل بمثابة خلق حوالي 58.6 طنًا من انبعاثات الكربون كل عامٍ مقارنة، على سبيل المثال، بـ 2.4 طن التي تُنْتَج من امتلاك السيارات.

ظهر القلق من ارتفاع عدد السُّكان المُرْبِك بداية من منتصف القرن العشرين، إذ إنه بالعام 1950 كان عدد السُّكان حوالي 2.2 مليار ليُصبح في الوقت الحاضر حوالي 7.7 مليار، وتتنبَّأ الأُمَم المتحدة أنه بحلول عام 2100 سيصبح العدد حوالي 22 مليارًا، ويُعَد هذا التقدير مُتحفِّظًا إذا ما قُرِنَ بتقدير ديانا كول Diana Coole، بأن الرَّقْم سيصبح 27 مليارًا بحلول ذات العام. هذا النمو المروع سيؤدي إلى إشكاليَّةٍ نُدْرة الغذاء والوقود وتدهور بيئيّ شامل.

على الرَّغْم من محاولة الابتكار التكنولوجيّ دَعْم عدد أكبر من الناس، إلا أن الزيادة السُّكانيَّة تُعَدّ مؤشرًا قويًا للاستنزاف الحتميّ للموارد البيئيَّة المحدودة. تحوَّل اهتمام كثير من علماء الأخلاقيات البيئيَة environmental ethicists إلى تحليل التدهور البيئيّ الناجم عن البشر والقائم على الاستهلاك، ما يعني أن “البصمة البيئيَّة” هي المقياس المناسب لتحديد تأثير البشريَّة في البيئة (والتي تختلف طبقًا لمدى ثراء الفرد ونمط حياته). إذ يُثير فعل الإنْجَاب، كفعلٍ استهلاكيٍّ، أسئلة من نوعية (هل تتفاوت الأخلاقيَّات البيئيَّة طبقًا لظروف الآباء المحتملين في أجزاء العالم المختلفة؟)؛ فمثلًا إذا كان الشَّخص العاديّ، ببلدٍ أكثر ثراء، لديه بصمة بيئيَّة أكبر بكثير من نفس الشَّخص العاديّ، ولكن في بلدٍ أفقر، ما مدلول ذلك بالنسبة إلى الأضرار ذات الصلة بإنْجَاب طفل بيولوجيّ داخل هذه المجتمعات؟ أعرب العديد من الفلاسفة، مثل كريستين اوفرال، وسارة كونلي، وأنكا غيوس، وكوري ماكيفر، وترافيس ريدر، وتريفور هيدبرج عن مخاوف بيئيَّة متعلِّقة بالإنْجَاب.

تُركِّز حركة “ثَوْرة الانْقِراض Extinction Rebellion” والحركات البيئيَّة الأخرى على فِكْرة أنه يجب علينا الاهتمام (بمستقبل أطفالنا)، ولكن يبدو هذا الأمر مثيرًا للسخرية؛ ففي هذا اعتراف بتأثير البشر المدمر للكوكب، وتجد دُعَاة حماية البيئة كثيرًا ما يخلطون بين (عدم الإنْجَاب وكونهم بالضرورة بلا أطفال)، أو كما أعادت سارة أحمد صياغتها “دون أطفال”. هذا يفترض أنه لا يمكن الحصول على طفلٍ سوى بالإنْجِاب، وينكر أنماط الأسر الأخرى. يتوافق تمامًا الامتناع عن الإنْجَاب بدافع الضمير أو “إضراب الولادة” مع أن تصبح أبًا أو أُمًّا من خلال التَّبنيّ أو رعاية طفل موجود بالفعل وفي حاجة إلى هذه الرعاية. تَفَهُّم مثل هذا الأمر يُخفِّف من واقع دعوة سارة كونلي الصارخة في كتابها “طفل واحد”: هل نملك حق إنجاب المزيد؟ في مثل هذه الظروف من التدهور البيئيّ، فحق الإنْجَاب يمتد لطفلٍ واحد فقط، وقد تملك حق “الحصول على المزيد” إذا تبنَّيت استيعابًا أعمق لما يعنيه الحصول على أطفالٍ.

يُجَادِل تريفور أيضًا ككونلي، بأن تقليل البصمة الكربونيَّة للفرد يتطلَّب أن يَحِدّ الشَّخص من حجم عائلته البيولوجيَّة قدر المُستطاع. ويؤكِّد على أن هؤلاء الآباء الراغبين بشدة في إنجاب أطفال بيولوجيين يجب ألا يضطروا إلى التخلي عن تجربة الحَمْل وتربية الأطفال تمامًا، ولكن يجب أن يلتزموا بالحَدّ الأعلى المسموح به، وهو طفلان. يؤكِّد هيدبيرج Hedberg كذلك أن الموقع الاجتماعيّ والجغرافيّ يؤثِّر بشكلٍ ملحوظ في القرارات المتعلِّقة بالإنْجَاب، وبالنسبة إلى هؤلاء الذين يعيشون في مناطقٍ ذات تقنياتٍ عالية الكربون، تزداد احتمالية البصمة البيئيَّة للطفل بها مقارنة بالأماكن الأخرى.

أصبح المستوى الاجتماعيّ وامتيازات الفرد كذلك، مما لا يدع مجالًا للشك، شيئين محوريين في الجَدَليَّات المتعلِّقة بالإنْجَاب والتَّبني. وهذا صحيح فيما يتعلَّق بالتأثير البيئيّ والتعويض بالإنْجَاب وفي مسألة التَّبنيّ مع عدمه. وغالبًا ما يكون مستوى التَّفكير الاستباقيّ للآباء المحتملين عن إنْجَاب الأطفال نتاجًا لظروفهم الاجتماعيَّة وديناميَّات الامتياز، إذ تجد كثيرين، على سبيل المثال، يفتقرون إلى الرعاية الصِّحيَّة المناسبة وإلى سُبُل التخطيط الأسريّ، أو غير قادرين -لأسباب مختلفة- على منع أو إجهاض الحَمْل غير المرغوب. لذلك يجب التَّفكير في أخلاقيَّات وسياسة تكوين الأسرة مع مُرَاعَاة القضايا الاجتماعيَّة والضغوطات المختلفة التي قد يواجهها البعض نظرًا لخطورة وتعقُّد الأمر.

الأُبُوَّة الراديكاليَّة:

تبرير الإنْجَاب باعتباره الأمر “الطبيعيّ”، ومن ثَمَّ يعد خارج معادلة المُرَاقبة الأخلاقيَّة، أصبح أمرًا من الصعب الدفاع عنه. لقد فتحت التغييرات الاجتماعيَّة واسعة النطاق وازدياد الوعي الجمعيّ مساحة مفاهيميَّة يمكن فيها إعطاء كل من الإنْجَاب والتَّبنيّ اعتبارًا حقيقيًّا.

لكي نفهم حقًا طبيعة واجباتنا الأخلاقيَّة المتعلِّقة بالإنْجَاب يجب التأمُّل في ذلك السعي الإبداعيّ بتخيُّل إمكانات أشكال الأُبُوَّة الراديكاليَّة. وكيف يمكن أن تبدو عَلاقتنا العائليَّة عندما نُعيد رسم الأنماط التقليديَّة للوالدين والطِّفْل؟

وأصبح مشروع تثبيت هذا المستقبل والأُطُر القانونيَّة الخاصة محور اهتمام الفلاسفة كأنكا غيوس وماثيو لياو. إذ يقترح غيوس أنه عندما تُنادي العدالة البيئيَّة لتقليل عدد السُّكان سيكون من المُحبَّب (ربما حتى إلزاميّ) تَبنيّ فِكْرة “تعدُّد الأبوين”، إذ يقوم ثلاثة بالغين أو أكثر بتربية طِفْلٍ واحد. هذا الأمر من شأنه المُسَاهَمَة في رفاه الأطفال بالإضافة إلى إتاحة الفرصة للبالغين بسَدّ رغباتهم بتربية الأطفال. ويعرض أيضًا لياو على الساحة فِكْرة “التَّبنيّ متعدِّد الأسرة”، وفيه يُوضَع الطِّفْل تحت رعاية مشتركة لأفرادٍ من عائلاتٍ مختلفة، كمساحةٍ للآباء المُتبنِين المؤهلين لزيادة عدد الأطفال الذين يمكن تبنيهم.

لم تَتَمّ مناقشة “الرعاية البديلة” بشكلٍ كافٍ من قِبَل الأدبيات الفَلْسَفيَّة، وهذا يرجع جزئيًّا -في حالاتٍ كثيرة- لتفضيل التبني (الذي يمكن أن يوفِّر إحساسًا آمنًا بالانتماء والاستقرار النَّفسيّ)، مقارنة بأي نمط ٍ آخر من أنماط الرعاية. فعندما حُرِمَ الآلاف من أطفال السُّكان الأصليين من ذويهم أثناء (مغرفة الستينيات) بكندا وتَمَّ وضعهم في دُوُر رعاية أو تبناهم آباء من ذوو البشرة البيضاء، كان هذا مثالًا حيًا على مشروعٍ استعماريٍّ تَرَكَ آثارًا سلبية مُمتَدة على أطفالٍ وأُسرٍ ومجتمعات السُّكان الأصليين. في حين أن نظام الرعاية البديلة قد يكون شكلًا مهما من أشكال الرعاية إذا خَطَّط لها بشكلٍ مناسب.

فنظام الرعاية البديلة على عكس التبني يتيح مهلة للعائلات التي تَمُرّ بأزماتٍ، وقد يُعينها هذا الوقت في الحصول على الدعم الاجتماعيّ، مثل إعادة التأهيل والعُنْف المنزليّ. كما أن هذا النظام يُبقي على الرابطة الأَبَويَّة للآباء البيولوجيين مع الأطفال، ومن ثَمَّ قد يُسَاهِم ذلك في لَمّ شمل الأسرة بعد فترةٍ من الإرجاء. تتميز الرعاية البديلة بشيءٍ من المرونة (وفي حين قد يكون ذلك مُزعزِعًا للاستقرار)، إلا أنه في سياقاتٍ أخرى عندما يوجد ضمانات عن طريق سياسات حكيمة وأنظمة دعم جيدة التمويل، سيكون من شأنه تقوية الروابط العائليَّة في ذات الوقت الذي تخلق فيه روابط عائليَّة جديدة. قد يكون تكوين الأسرة في المستقبل عملية ديناميكيَّة وانفتاحيَّة، تقاوم نموذج : “مقاس واحد يُنَاسِب الجميع” للوحدات الراديكاليَّة المُتعصِّبة.

شَاغِلنا الأساسيّ هو رعاية المُتبنَين وأطفال دُوُر الرعاية، ولكن ثَمَّة أساليب بديلة لتكوين الأسرة لها تأثيرات اجتماعيَّة أوسع. ففي حين أن التَّبنيّ والرعاية عبر الأعراق قد يكون لصالح “المخلص الأبيض”، يكون دعم الدولة للأُسَر متعددة الأعراق أمرًا قد يُقَلْقِل البُنَى الاجتماعيَّة للأعراق والتي هي جوهر العُنْصريَّة المؤسسيَّة والمُمَنهَجَة.

يذكُر كلٌ من هيث فوج ديفيس وسالي هاسلانجر، أن التبني عبر الأعراق يتحدَّى التَسلسُل الهرميّ العرقيّ، إذ ينادي ديفيس بسياساتٍ تُشجِّع التبني عبر الأعراق في كلا الاتجاهين: (الآباء السُّود يتبنون أطفالًا بيض، وكذلك الآباء البيض يتبنون الأطفال السُّود). ويناقش أيضًا هاسلانجر تأثير فِكْرة “الاندماج العرقيّ” داخل العائلات على التحوُّل العميق في فهم الآباء والأطفال وباقي أفراد الأسرة للعِرْق، ما يمكن أن يُعين على تحطيم التَسلسُل الهرميّ العُنْصريّ الراسخ داخل المجتمع الأكبر.

في الوقت نفسه، تتحدَّى نماذج الأسرة الديناميكيَّة ادعاءات المُغَايرين حول من يستطيع ومن لا يستطيع أن يكون والدًا، إذ إن وجود أبوين أو أمهاتين أو أكثر يُعَد أمرًا شائعًا في عَالَمٍ يعترف بمُقدِمي الرعاية البديلة كآباءٍ.

وثَمَّة أمر آخر ليس بهينٍ، وهو أن التَّبنيّ والرعاية البديلة لديهم دور محوريّ في تفكيك “صومعة ثروة العائلة” -التي كان من شأنها خلق التفاوتات الاقتصاديَّة- إذا تَمَّ توفير هياكل قانونيَّة تُدَعِّم تكوين الأسر بشكلٍ أكثر مرونة. فعلى سبيل المثال، نَشْر مفاهيم أكثر تساهُلًا عن الأقارب كمصطلحٍ. إذ تُوزَّع ثروة الأسرة بما في ذلك امتيازاتها على نطاقٍ أوسع بشكلٍ مُنْصِف. تخيَّل، على سبيل المثال، الانقلاب الذي سيحدث إذا تبنَّى الأمير وليام وكيت ميدلتون طفلًا ورُشِّح كوريث لعرش بريطانيا.

بهذه الطُرُق وأكثر، تُعَد مُمَارسات التَّبنيّ والرعاية ذات قيمة باعتبارها تَحدِّيات للبُنَى المعياريَّة البيولوجيَّة والعرقيَّة المُتجذِّرة. وتعمل الأسرة غير البيولوجيَّة كمجالٍ للمُقَاوَمة السياسيَّة وبناء عَالَم تقدُّميّ.

الرأسماليَّة و”الحصول على” طِفْلٍ:

ما تَتِمّ الإشارة إليه بذكر: ما هو “الحصول على” طِفْلٍ؟ في المناقشات أعلاه، كنا نهدف به تحفيز استيعاب أعمق لِمَا يعنيه “الحصول على” طِفْلٍ، بحيث لا يتعلَّق فقط بالإنْجَاب البيولوجيّ، بل يشمل أيضًا دمج الأطفال غير البيولوجيين في الأُسْرة، ولكن على الرَّغْم من هذا لا يزال وَقْع الكلمة يوحي بالامتلاك، والذي على أية حالٍ يتماشى مع تشابك الآراء الحالية حول الإنْجَاب بالمفاهيم الرأسماليَّة المتعلِّقة بالتملُّك.

وقِلَّة من البشر قد وَلوا اهتمامًا للكتابة بشكلٍ قاطع عن (تقاطعات الإنجاب بالرأسماليَّة)، مثل باتريشيا هيل كولينز في جزءٍ من “الأُمّ البَدِيلة- other mothering”. إذ بدأت -على خلفية أفكارها النِّسْويَّة السَّوْداء Black Feminism- تصف سلوك الأُمهَّات البَدِيلات من ذوي البشرة السَّوْداء عند رعاية طِفْل لا ينتمي لهن بيولوجيًّا داخل مجتمعهم. ومن خلال كتابها يستطيع القارئ أن يعرف غياب الفارق في السلوك مع “الأُبُوَّة الراديكاليَّة” التي تَمَّ وصفها في الجزء السابق من الكتاب، بل تؤكِّد كولينز كذلك عند وصف صعوبات الحفاظ على تقاليد الأُمّ البَدِيلة في الطبقة المتوسطة (الضواحي البيضاء) الرؤية المتجذِّرة للأُبُوَّة في المجتمعات الرأسماليَّة القائلة بإن الأطفال هم “مِلْكيَّة خاصة”. وبهذا تكون وضعت يدها على إحدى العَقَبَات المفاهيميَّة المحوريَّة التي تعيق الاستيعاب الاجتماعيّ للتبني والرعاية: يرغب الآباء المُحتَمَلون إنجاب طفل خاص بهم وليس “لغيرهم”:

وفي سياق التملُّك الذي يُساير النموذج العائليّ التقليديّ (قد لا يؤكِّد الآباء صراحة أن أطفالهم هم أجزاء من الممتلكات)، ولكن نمط تربيتهم قد يعكس افتراضات مُمَاثلة لتلك الخاصة بالتملُّك. ويعتبر “حق تأديب الطِّفْل الحصري للوالدين”، أحد هذه الأنماط حيث يؤدَّب الأطفال بالشكل الذي يراه الآباء مناسبًا، حتى وإن تجاوز الأمر حَدّ الإساءة، يُقَابل هذا الحق بالافتراض السائد بأن مالكي العقارات قد يتصرفون في ممتلكاتهم دون استشارة أفراد المجتمع الأكبر. (182)

وفي ظل هذه الخلفية، فإن “الأُمُومة البَدِيلة”، كما تقول كولينز، ومساعدة أطفالنا غير البيولوجيين مجانًا، هي رفض لقيم اقتصاد السُّوُق الرأسمالية. وهنا نرى مرَّة ثانية، كيف يمكن أن يصبح التَّبنيّ فعلًا من أفعال المُقَاوَمة السياسيَّة. وبالنسبة إلى اختيار “الأُمُومة البَدِيلة” بمعناها الواسع، هي القيام على رعاية الطِّفْل وتَحَدّ حقيقي للنظام الرأسماليّ.

الاختيار بين الإنْجَاب والتَّبنيّ هو عمل أخلاقيّ وسياسيّ، ويمكن أن تكون الأُمّ البَدِيلة/ التبني فعل مُقَاوَمة مثل الإنْجَاب التعويضيّ. وعلى الرَّغْم من عدم تأييدنا لانتهاك أو تقيد الحقوق الإنْجَابيَّة، إلا أننا نؤمن بشدة (خاصة في ضوء الأحداث العالمية، مثل جائحة كوفيد – 19) بوجوب مُرَاعاة التعقيدات قبل اتخاذ قرار “إنْجَاب طِفْل”. فالإنْجَاب ليس اختيارًا شخصيًّا تمامًا؛ إن قرار إحضار طِفْل إلى العَالَم له آثار على البيئة والفوارق الاقتصاديَّة المحليَّة والعالميَّة، بل وربما وجود ملايين الأطفال بالفعل في أَمَسِّ الحاجة إلى الرعاية هو الأهم.

المقال المصدر
[١] تُعَدُّ اتِّفاقية لاهاي (بالإنجليزية: Hague Convention) سِلسلة المُعاهدات الدوليّة الصادِرة عن المُؤتمرات الدوليّة المُتمثّلة بمعاهدتَين دوليّتَين تمّت مناقشتهما خلال مُؤتمرَين مُنفصلَين للسلام في مدينة لاهاي؛ بهدف تحديد النصوص الرسميّة المُنظِّمة لقوانين، وجرائم الحرب.
[٢] أن يُنجب أحد أفراد المجموعات المضطهدة طفلًا بهدف التعبير عن وجودة وتعويض شعوره بالاضطهاد (كأسلوب دفاعي) من قبل المستعمرين وغيرهم.
[٣] برنامج حكومي كندي انتزع الأطفال من عوائلهم الأصلية على أعداد كبيرة خلال الفترة الممتدة من منتصف الخمسينيات إلى نهاية الثمانيات.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

تدقيق لغوي: أمل فاخر

ترجمة: إسراء حامد

اترك تعليقا