تأخذك إلى أعماق الفكر

تجربة النقود: السلوك الاقتصادي المشترك بين البشر والقرود

كيف تعلمت القرود مفهوم النقود: تجربة معملية في إطار الاقتصاد السلوكي

كتب آدم سميث مؤسّس علم الاقتصاد الكلاسيكي ذات مرة أنّ فكرة استخدام النقود ، مهما كانت صورتها، في تبادل السلع هي فكرة بشرية محضة، فلم يَرَ أحد من قبل كلبًا يبادل عظمة بأخرى مع كلب آخر، أو أيّ حيوان آخر يشير بالإيماء إلى رفيقه أنه يمكنه مبادلة التفاحة التي يملكها بالموزة التي مع الآخر.

على ما يبدو أنّ آدم سميث قد أخطأ في هذه المقولة؛ ففي عام ٢٠٠٥، استطاع فريق بحثيّ مكوّن من باحثين من جامعة يال (كيث تشين دكتور الاقتصاد، ولوري سانتوس دكتورة علم النفس بالجامعة) تعليم ٧ قرود من نوع الكابوتشين capuchin كيفية استخدام النقود. وجدير بالذكر أنّ قرد الكابوتشين capuchin هو قرد بنّيّ في حجم الطفل البشري من الرئيسات primates التي تسكن “العالم الجديد”، ممّا يعني أنّهم انفصلوا عن الفرع البشري منذ حوالي خمسة وثلاثين مليون سنة.

تجربة النقود عند  قرود الكابوتشين Capuchin

تجهيز التجربة

أجرى الدكتور كيث تشن أستاذ الاقتصاد بجامعة يال والدكتور فينكات لاكشماريان أستاذ الاقتصاد بنفس الجامعة، والدكتورة لوري سانتوس عالمة النفس بذات الجامعة؛ تجاربهم على سبعة قرود capuchins، ٤ إناث و٣ ذكور، في المعمل الذي أعدّته الدكتورة لوري سانتوس في مستشفى نيوهاڤن التابع لجامعة يال. وحسب التقاليد المعمول بها في مختبرات القرود في أيّ مكان في العالم، قام الباحثون بإطلاق أسماء على هذه القرود الكبوشيين اختاروها من أسماء شخصيات أفلام جيمس بوند. وأُطلق على القرد الزعيم “فيليكس” على اسم ضابط الاستخبارات المركزية فيليكس ليتر في هذه الأفلام. وكان هذا القرد هو المفضّل لدى تشن.

عاشت القرود معًا في قفص كبير مفتوح، يقع في أحد أركانه قفص صغير الحجم يمثّل غرفة الاختبار تتيح لقرد واحد فقط في وقت محدّد المشاركة في التجارب. بالنسبة للعملة التي ستمثّل النقود عند القرود، استقرّ تشن على قرص فضّيّ به ثقب في المنتصف.

النقود عند القرود : تحربة في علم الاقتصاد السلوكي
النقود عند القرود : تجربة في علم الاقتصاد السلوكي
قيمة النقود

كانت الخطوة الأولى هي تعليم القرود أنّ هذه العملة لها قيمة. وقد استغرق هذا جهدًا كبيرًا، فأنت إذا أعطيت القرد عملة معدنية فإنه سوف يشمّها ثمّ يحاول أكلها، فأن تبيّن له عدم قدرته على أكلها (أو ممارسة الجنس معها)، فسوف يطرحها جانبًا. وإذا قمت بتكرار ذلك عدة مرات فقد يبدأ في قذفك بها.

إعلان

لكن بعد فترة طويلة، قام تشن وزملاؤه بإعطاء القرد قطعة نقدية ثمّ أظهروا له قطعة حلوى أو حبة فاكهة. وكلّما أعاد القرد النقود للباحث، حصل على الحلوى. استغرق الأمر عدة أشهر حتى تعلّمت القردة في نهاية المطاف أنّ هذه العملات يمكن أن تشتري الحلوى.

التفضيلات الفردية

اكتشف الباحثون أنّ لكلّ قرد تفضيلاته الخاصّة به من الحلوى و الفاكهة. وقدّم الباحثون للقرد 12 عملة معدنية على صينية – ثمّ عرض الباحث الأوّل على القرد مكعّبات الهلام Jell O، وعرض الباحث الثاني شرائح التفاح. ويقوم القرد بتسليم عملاته إلى الباحث الذي يحمل الطعام الذي كان يفضله.

تغيير الأسعار و الدخل

قرّر تشن أن يُدخل على التجربة الصدمات السعرية وصدمات الدّخل على اقتصاد القرود. لنفترض مثلًا أنّ طعام فيليكس المفضّل هو مكعّبات الهلام Jell O، وكان معتادًا على الحصول على ثلاثة مكعّبات من هذه الحلوى مقابل عملة واحدة. كيف سيستجيب إذا ما حصل على مكعّبين فقط مقابل العملة الواحدة؟

وكانت المفاجأة التي أذهلت تشن، هي العقلانية التي استجاب بها فيليكس والقردة الأخرى لهذه التغيّرات. فعندما يرتفع سعر نوع من الطعام، تشتري القرود القليل منه، وعندما ينخفض ​​السعر، تشتري المزيد. ويعني هذا أنّ قانون منحنى الطلب – وهو أنّ منحنى الطلب ينحدر إلى أسفل ينطبق على القرود مثلما ينطبق على البشر.

تجنّب المخاطرة Loss aversion

بعد أن تبيّن للباحثين عقلانية هذه القرارات الاقتصادية، أراد تشن اختبار السلوك غير العقلاني عند القرود، وأعدّ لعبتان تعتمدان على الحظّ.. في اللعبة الأولى، كان الباحث يُظهر للقرد “capuchin” حبّة عنب واحدة، ثم يلقي بقطعة نقود معدنية حقيقة، فإذا ظهرت (كتابة) حصل القرد على حبة عنب واحدة فقط، وإذا ظهرت (ملك) يحصل القرد على حبة عنب ثانية. في اللعبة الثانية، يظهر الباحث للقرد حبتين من العنب ويلقي العملة، فإذا سقطت (ملك) حصل على حبتين العنب، وإذا سقطت كتابة، يعطيه حبة عنب فقط ويُبعد الثانية. ونلاحظ أنّه في كلتا الحالتين، يحصل القرد على نفس العدد من العنب في المتوسط. لكنّ اللعبة الأولى تمّ تقديمها في صورة تعدّ مكسبًا بينما تمّ تأطير الثانية لتبدو كخسارة محتملة”.

كيف تعاملت القرود مع هذه ألعاب المقامرة المذكورة ؟

كثيرون منكم قد يتوقّعون ردّ فعل هذه القردة، فهذه القرود ليست فائقة الذكاء إلى هذا الحدّ ولا بدّ أنّ ألعاب الحظّ هذه تتجاوز قدراتها العقلية. وفي هذه الحالة، لعلّكم تتوقعون أنّهم يفضلون الباحث الذي يعرض حبتين للعنب في البداية.

لكن على وجه التحديد حدث العكس! عندما اكتشفت القردة أنّ الباحث الذي يقدّم حبتين عند في البداية كان يحتجز في بعض الأحيان حبة من الاثنتين، فضّلت الباحث الآخر الذي يعرض في البداية حبة عنب واحدة، ويضيف أحيانًا حبة أخرى. ونلاحظ هنا أنّه لو كان القرد يتصرّف بعقلانية كما فعل في حالة تغيّر الأسعار، لم يكن ليهتمّ بأيّ باحث يختار، لكنّ القرود هنا مثلها كالبشر تصرّفت بغير العقلانية وعانت مما يسميه علماء النفس “النفور من الخسارة”. لقد تصرّفت كما لو كان الألم من فقدان عنبة أكبر من متعة الحصول على عنبة إضافية.

كلمة الدكتورة لوري سانتوس على تيد:

الجريمة تفيد

في أحد الأيام حدث أغرب شيء يمكن أن يتوقّعه الباحثون، فبعد أن دخل فيليكس إلى غرفة الاختبار، كما فعل ذلك من قبل مئات المرّات، لم يقم القرد، لسبب لم يعرفه الباحثون إلى الآن، بلمّ العملات الاثنتي عشر ليضعها على “الصينية”، واستخدامها في شراء الطعام كما اعتاد، بل ألقى بالقطع والصينية إلى القفص الكبير، وهرب من حجرة الاختبار لينضمّ للقرود الستة بالقفص الكبير. وحدثت فوضى عارمة، وتصارعت القرود على العملات الاثنتي عشر الملقاة.

عندما حاول تشن وبقية الباحثين الدخول إلى القفص لاسترداد العملات، رفضت القرود ردّها لهم، فلقد تعلّمت أنّ لهذه النقود قيمة. لذلك اضطر الباحثون إلى تقديم الحلوى للقرود كرشوة مقابل الحصول على العملات. وهنا تعلّمت القرود درسًا جديدًا: أنّ الجريمة تفيد.

أوّل دعارة مسجّلة في المعامل

لمح الدكتور تشن بطرف عينيه شيئًا رائعًا. أحد القرود، بدلًا من تسليم عملته إلى الباحثين ليحصل على حبة عنب أو شريحة من التفاح، اقترب من قردة ثانية وأعطاها لها. تصوّر تشن أنّ هذا تصرّف يعكس إيثار الغير عند القردة. لكنّه شاهَدَ بعد مرور ثواني القردان يمارسان الجنس معًا. واكتشف أنّ ما فعله القرد لم يكن إيثارًا وتضحية لكن أوّل حالة مسجّلة في تاريخ العلم للدعارة بين الحيوانات، حيث انطلقت الأنثى بعد انتهائها من الممارسة تعطي ما حصلت عليه من نقود إلى الباحث لتشتري حبة عنب.

قام تشن بعد هذا بإنهاء التجربة خوفًا على البناء الاجتماعي للقرود، حيث لم يكن يتخيّل أن يتّسع نطاق النقود ليشمل الدعارة، ولا يمكن أن يتوقّع إلى أيّ جهة ستمضي النّقود بالقرود في المستقبل.

عدالة الأجور

هذه تجربة أخرى أجرتها عالمة البيولوجيا سارة بروسنان بمركز يركيس في أتلانتا، قامت بتجربة على نفس النوع من القرود، فكان الباحثون يضعون الحجارة في قفصين للقرود (بكلّ قفص قرد واحد)، فيناولهم القردان الحجارة فيحصلان مقابل هذا العمل على قطعة من الخيار الطازجة. وكان أطراف التجربة الباحثة والقردين.

كان القردان يريان بعضهما البعض، وكيف أنهما يأخذان نفس المقدار من الخيار من الباحثة. إلا أنّه بنهاية اليوم جاءت الباحثة وغيّرت تفصيلًا صغيرًا باللعبة. إذ تبادلت الأحجار مع قرد منهم وأعطته الخيار كالمعتاد، أمّا القرد الثاني فأعطته عنقودًا من العنب بدلًا من الخيار مقابل أحجاره.

عندما لمح القرد العنب مع القرد الثاني ثار ثورة قوية وغضب لأنّ القرد الأول حصل على العنب، والعنب أفضل من الخيار عندهم. أحسّ القرد الثاني أنّ أجره على نفس العمل الذي يقوم به الآخر أقلّ فله الخيار وللآخر العنب، وشعر بالظّلم وعدم عدالة نظام الأجور فرفض القيام بالعمل، وألقى أجره في وجه الباحثين.

 

تكشف هذه التجارب المعملية عن أنّ الكثير من التصرفات البشرية العقلانية، مثل الاستجابة للحوافز على مستوى السّعر والدخل، والتصرفات غير العقلانية التي كشف عنها الاقتصاد السلوكي، مثل تجنّب المخاطرة loss aversion؛ ربّما تتجاوز في أصولها فكرة كونها مكتسبات تعلمها الإنسان من التفاعل مع بيئته، و قد تكون جزءًَا داخليًّا من تركيبه العقليّ الذي اكتسبه عبر ملايين السنين من التطور، ويتشارك فيه مع أقاربنا القرود.

 

المصادر

دراسة

كتاب Superfreakonomics

صفحة National Geographic

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.